«طناء النخيل» يوثق عشق العُمانيين للأرض والرطب
الثلاثاء / 15 / ذو الحجة / 1447 هـ - 10:02 - الثلاثاء 2 يونيو 2026 10:02
كتبت - أسماء بنت خلفان الغداني
بمناداة الطاني على الأسعار بالصوت العالي، يستيقظ الصيف في عُمان على واحدة من أبهى لوحاته التراثية؛ موسم «القيظ» وتباشير الرطب الجني، تحت ظلال النخيل الباسقات الشاهقات، يتسمر المشترون في ترقب، تتجه الأنظار نحو العذوق المتدلية، ومن نظرة خاطفة تنطلق شرارة المزايدة العلنية في مشهدٍ تبدو فيه النخلة كأنها تستبشر بلمة الناس حولها.
وطناء النخيل عادة وظاهرة عمانية قديمة تنشط في موسم الصيف أو كما يسمى محليًّا بالقيظ مع نضج ثمار نخلة الرطب وهي عبارة عن عملية بيع وشراء النخيل في مزايدة علنية، التي تبدأ من منتصف شهر مايو إلى نهاية شهر سبتمبر وتستمر أحيانًا لبعض الأصناف التي يتأخر فيها نضج الثمار إلى نهاية شهر أكتوبر وعند الطناء يقوم المواطنون بأخذ أنواع مختلفة من أصناف النخيل للحصول على ثمار الرطب طيلة فترة الصيف إذ تثمر في عمان أنواع مختلفة من الرطب كالخنيزي والنغال والخلاص والقدمي والبرني والخلاص والفرض وغيرها من الأنواع التي لا تحصى وكل هذه الأنواع تختلف فترة نضجها من نوع إلى آخر، وتعد عادة طناء النخيل من أهم الموروثات الشعبية في سلطنة عمان، فهذه العادة التقليدية تعد مظهرًا يصوّر أهمية النخلة وثمارها على مدى التاريخ العماني، كما يظهر ارتباط الإنسان العماني بالنخلة واتخاذها واعتمادها هوية رمزية وبصرية لعدد من الولايات مثل ولاية دماء والطائيين وبدية وعبري وسمائل.
سمة اجتماعية
وتمثل عادة طناء النخيل مشهدًا اجتماعيا يعكس روح التعاون والتعاضد والارتباط بين أفراد المجتمع العماني، باعتبارها عادة يجتمع فيها الأهالي في مكان واحد صغارا وكبارا أطفالا وكهولا شبابا وشيبا، في أجواء تسودها الألفة والعمل الجماعي في بيئة زراعية تجتمع جميعها على مبدأ تعزيز مكانة النخلة.
وهنا يقول منذر بن سليم المسكري: «مع قرب موسم القيظ وهو موعد نضج ثمار النخيل جميعنا نترقب موعد الطناء الذي يعلن عنه قبل فترة من الزمن ليتسنى للناس معرفة الموعد مسبقًا ومع بداية الصباح في اليوم المحدد يجتمع الناس حول «الدلاّل» أو بالمسمى الآخر «الطاني» ليبدأ في المزايدة على أسعار النخيل أو كما تسمى أيضًا «المناداة»، وتجمع الناس من مختلف الأماكن في نفس الموعد يعكس صورة حية لعمق العلاقات الاجتماعية وتمسك المجتمع بهذا الموروث، ووجود فئات عمرية مختلفة في هذه التظاهرة يوضح لنا اهتمام الناس بالنخلة وارتباطهم الوثيق بها».
ويتحدث الطفل محمد بن سيف الريامي عن هذه العادة بقوله: «عندما كنت أرى أبي يذهب إلى مواعيد طناء النخيل أتساءل عن ماهية هذه العادة، حتى تسنت لي الفرصة أن أذهب معه وأشهد هذا التجمع المجتمعي للمناداة على أسعار النخيل مع نضج بعض أنواعها، لتكتمل عملية الحصاد على يد من اشتراها، ولقد أخذت عن هذه العادة انطباعًا جميلاً وأنا موجود وسط مجموعة من الأهالي منهم كبار السن ذوي الخبرات في الزراعة والنخيل والطاني الذي يهتم بموضوع تنظيم وتسجيل الأسعار، وأحسست بانتماء وفخر كبير بأشكال التعاون في مجتمعي خصوصًا بعد ما تعلمته في مادة الدراسات الاجتماعية عن أشكال المشاركة المجتمعية التي نمارسها ونظهر من خلالها الحب والانتماء والولاء للوطن، وهنا ظهر هذا الشكل بالحفاظ على العادات والتقاليد العمانية».
أهمية اقتصادية
ولا يقتصر أثر عادة طناء النخيل على الجانب الاجتماعي فحسب، بل يمتد ليحمل أهمية اقتصادية وفائدة تجارية كبيرة لأصحاب المزارع والنخيل فالنخلة اليوم تسهم بشكل كبير في إنتاج المحصول الزراعي في سلطنة عمان باعتبارها مصدر التمور، وعادة طناء النخيل توضح حرص الناس على امتلاك وحصاد وبيع نخيل بجودة عالية لتحقق لهم الفائدة التجارية المرجوة.
ويتحدث عامر بن راشد الضاوي عن هذه الأهمية بقوله:«طناء النخيل يعد جزءًا من عملية العناية بهذا المحصول الزراعي وتحسين جودة إنتاج التمور الذي ينعكس إيجابًا على النشاط الزراعي وتحسين جودة المنتج حيث تسهم هذه العادة في دعم الاقتصاد المحلي المرتبط بالنخلة ومنتجاتها، إلى جانب الحفاظ على مورد زراعي يعد من أهم الموارد الزراعية في المجتمع العماني». ويضيف: «كانت ولا زالت النخلة ذات قيمة غذائية جديرة بالاهتمام في سلطنة عمان، وذلك بسبب ارتباطها بالاستدامة الزراعية والمحافظة على الثروة الزراعية المحلية التي تشغل منتجات النخيل فيها حيزًا كبيرًا ومهمًّا، وهذه العادة هي بداية لعملية عناية كبيرة بالنخلة التي تنتهي ببيع وتصدير التمور إلى الدول المجاورة وهي بمثابة أداة استثمارية زراعية فعالة».
ويقول مصعب بن سعيد اليزيدي: «عندما نتحدث عن الأهمية الاقتصادية التي تحتويها النخيل، فنحن نتحدث عنها باعتبار ما يكون، فالنخلة هي مصدر إنتاج التمور الذي أصبح اليوم قيمة غذائية ذات عائد اقتصادي كبير، كما توفر النخيل فرصًا للعمل والتسويق والصناعات التقليدية التي تدخل فيها الكثير من أجزاء النخيل، كما أن أسعار النخيل تبدأ تقريبًا من 30 ريالا عمانيا، وهذا يعتبر عائدا ماديا يحسّن الوضع الاقتصادي، وتختلف الأسعار حسب صنف النخلة وجودتها، وبالإضافة إلى هذا الدور الاقتصادي فإن طناء النخيل يمكن أن يعود عائده للأعمال الخيرية مثل الأوقاف بالمساجد وغيرها».
اهتمام حكومي
ولأن النخلة هي أساس التمر، فإن الحكومة ممثلة بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، إلى جانب مختلف المؤسسات والجهات ذات الشأن، تحرص على الاهتمام بهذا الإرث الغذائي، ويتمثل ذلك في مكافحة آفات النخيل المتمثلة في سوسة النخيل الحمراء، التي تُعد من أخطر الآفات التي تصيب النخيل، ودوباس النخيل المعروف بـ«المتق» وهو آفة أخرى تصيب النخيل وتسبب أضرارًا كبيرة، بالإضافة إلى حلم غبار نخيل التمر، الذي يسبب خسائر في المحصول وقد يجعل الثمار غير صالحة للاستهلاك. وذلك من خلال إنشاء نظام لمراقبة الإصابة بحشرة دوباس النخيل، وتقليم النخيل لإزالة الأجزاء المصابة، واستخدام مبيدات حشرية فعّالة ومصرح بها لمكافحة دوباس النخيل، وتنويع المحاصيل الزراعية المزروعة بجانب النخيل؛ إذ يساعد ذلك على كسر دورة حياة الحشرة وتقليل تفشيها، وتنظيم حملات توعوية للمزارعين والمهتمين حول طرق المكافحة الفعّالة. كما جاء مشروع «المليون نخلة» بعد إعلان الرؤية والتوجيهات السامية للسلطان الراحل قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - في نوفمبر عام 2009، لاستنهاض همم المجتمع العماني في الاهتمام بالنخلة، وتحقيق مردود غذائي واقتصادي واجتماعي وبيئي، إذ إن النخلة كانت ولا تزال هي العمود الفقري للأمن الغذائي في سلطنة عمان.