حين تصنع القوة مقاوماتها
الاحد / 13 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:48 - الاحد 31 مايو 2026 20:48
تتحرك إسرائيل في أكثر من جبهة عربية كما لو أن اتساع السيطرة يمنحها حقا إضافيا في الوجود، أو كما لو أن الأرض التي تنتزعها من الآخرين تستطيع أن تمنح حدودها أمنا دائما.
تتوسع في غزة على جثث الأطفال والأبرياء، وتبني مناطق للسيطرة والممرات العسكرية. وتتفاخر في جنوب لبنان أنها عادت للمرتفعات والقرى، وهجرت أهلها. وتعاملت في سوريا مع لحظات الضعف السياسي باعتبارها فرصة لدفع الحدود الأمنية إلى داخل الجغرافيا السورية مقتربة من تخوم دمشق العاصمة. تبدو هذه التحركات في ظاهرها إجراءات عسكرية متفرقة، غير أن سياقها السياسي واحد. تستغل إسرائيل حالة الضعف العربي لإعادة إنتاج الخوف داخل أمة ما زالت جريحة في وقت تعلن فيه أمام المجتمع الدولي أنها تريد من العرب اعترافا وطمأنة وسلاما.
تعمل إسرائيل وفق منطق أن السيطرة على الأرض العربية يمكن أن تمنحها سلاما حقيقيا قابلا للحياة. وهي تحتل الآن أراضي لم تكن تحلم بها قبل عامين، وقد منح ذلك جيشها مواقع أعلى، وطرقا أسهل للحركة. وفي المقابل؛ تزرع هذه السيطرة ذاكرة جديدة من المهانة، وتفتح دورة أطول من الثأر السياسي.
ما تقوم به إسرائيل في إحدى صوره يدفع مجتمعات عربية كاملة إلى استعادة منطق المقاومة بوصفه الطريق الأخير للدفاع عن الأرض والكرامة حين تغيب السياسة، وينسحب القانون. كل قرية تُخلى، وكل مرتفع في لبنان أو سوريا يُحتل يتحول مع الوقت إلى قصة تأسيسية لمقاومة جديدة. قد تتأخر هذه المقاومة سنوات، وقد تتغير أسماؤها وأدواتها، لكنها تولد غالبا من الشعور نفسه؛ شعور الناس بأن الأرض تؤخذ منهم فيما يُطلب منهم أن يقبلوا الأمر كحقيقة أمنية.
إن فكرة الأمن -التي تقوم على نزع شعور الآخرين بالسيادة على أرضهم وذاكرتهم وثرواتهم- تظل فكرة هشة، وسرعان ما تجد نفسها في مواجهة مقاومة جديدة أكثر صلابة؛ لأنها تولد من ذاكرة الأرض، لا من قرار سياسي عابر.
تستطيع إسرائيل في هذه اللحظة من تاريخ العرب أن تتوسع. وكلفة هذا التوسع تظهر في تضييق المساحة السياسية أمام أي عربي يريد الدفاع عن خيار التهدئة معها. وهي بوعي أو بدونه تحرج الدول العربية التي وقعت اتفاقيات سلام معها؛ لأنها تضعها أمام رأي عام يرى أن السلام لم يمنع التوسع والانتهاكات، ولم يوقف الإبادة الجماعية في غزة.
تزداد خطورة هذا المسار؛ لأنه يضرب فكرة التسوية من داخلها؛ فالتسوية تحتاج شريكا يملك حجة أمام شعبه. وتحتاج حدا أدنى من الثقة بأن الأرض التي تُخلى اليوم لن تُعاد السيطرة عليها غدا تحت ذريعة أمنية جديدة. وحين تُنتزع هذه الحجة من يد الشريك العربي لا يبقى أمامه سوى الصمت المحرج أو الخروج من المعنى السياسي للتسوية.
يمر العرب بمرحلة صعبة فيها الكثير من الانقسامات، وفيها ضغط كبير من الأولويات الداخلية، وهم أمام نظام إقليمي مترنح لم تستقر موازين قواه بعد، لكن صعوبة اللحظة لا تعني قبول تآكل الأرض والسيادة باعتبارها قدرا سياسيا. والتاريخ العربي -بكل انكساراته الكبرى- يقول: إن الاحتلال لا يتحول إلى أمر طبيعي بمجرد مرور الوقت، وقدرة الشعوب على الاحتمال شيء، وقدرتها على النسيان شيء آخر. تستطيع إسرائيل أن تراهن على ضعف عربي عابر، غير أن بناء استراتيجية كاملة على افتراض تحوّل الضعف إلى قبول دائم خطأ كبير في قراءة التاريخ والمنطقة.
إن دولة تبحث عن البقاء في محيط عربي واسع تحتاج إلى شرعية سياسية أكثر من حاجتها إلى مزيد من الحواجز، وإلى حدود معترف بها أكثر من حاجتها إلى مناطق رمادية، وإلى جوار أقل خوفا منها لا إلى جوار يتعلم كل يوم أن السلام معها لا يحمي الأرض ولا السيادة.
ما تفعله إسرائيل اليوم يعمق الحروب التي تقول: إنها تريد إنهاءها يصنع خصوما جددا من رحم الإذلال، ويمنح الخصوم القدامى ذرائع متجددة، ويجعل أي مشروع طمأنة عربيا إسرائيليا معلقا فوق أرض تتآكل.
والسلام يبدأ دائما حين تشعر الشعوب أن سيادتها محترمة، أما حين تتحول الجغرافيا إلى غنيمة أمنية مفتوحة فإن المنطقة كلها تدخل زمنا أطول من الحرب؛ فالسيطرة التي تبدأ بالقوة تبقى أسيرة منطق القوة مهما طال الزمن، ومهما تبدلت أسماء الصراع واللاعبين.