أفكار وآراء

وسائل أخرى لوقف إطلاق النار

ترجمة: أحمد شافعي -

بدأ الأسبوع بوقف إطلاق النار في إيران وقد بدا أقرب إلى تفاوض حول معنى الحرب في المقام الأول، وليس مسعى مباشرا إلى السلام، وانتهى بوضع مماثل في سرياليته.

وفي ما بين البداية والنهاية اتهمت إيران الولايات المتحدة بمواصلة الضربات، ووصفت واشنطن أفعالها بالدفاعية البحتة. وتجاورت تقارير عن احتمال التمديد لستين يوما مع إنكارات ومزاعم مضادة، وشجار على هرمز، وحصار للموانئ الإيرانية، وشروط للعودة المحتملة إلى ما يشبه الوضع الطبيعي السابق للملاحة التجارية، ومع تباطؤ القتال باتت سياسات الحرب أكثر وضوحا.

غالبا ما يبدو وقف إطلاق النار باعتباره محض توقف للعنف، لكن أثره الحقيقي يتمثل في أنه يكشف النقطة التي يبدأ عندها العنف في الاصطدام بالحدود السياسية.

ولقد كانت معادلة كلاوزفيتز ترى أن الحرب هي استمرار للتفاعل السياسي مع إضافة وسائل أخرى إليه. ووقف إطلاق النار جزء من هذا التفاعل السياسي المستمر؛ فهو اللحظة التي يبدأ فيها القادة في التساؤل عما لو أن القوة لا تزال تساعدهم في الحصول على ما يريدون، أو ما إذا كانت القوة قد باتت تهدد شيئا هم أحوج إليه وأشد رغبة فيه.

وهذا السؤال استثنائي الصعوبة في الحرب الجارية؛ لأن الهدف الأمريكي من الحرب لم يتضح قط؛ إذ بدا الصراع ـ في لحظات مختلفة ـ حملة للردع، وعملية عقابية، وحملة ضغط نووي، وأزمة بحرية حول مضيق هرمز.

وتتداخل هذه الأهداف، لكنها ليست نوعا واحدا من الحروب، ولا هي بالهدف السياسي الأساسي الواضح. وأهم من ذلك أنها لا تشي بالنوع نفسه من وقف إطلاق النار؛ فإطلاق النار بعد العقاب يوجب الزعم باستعادة ردع ما، ووقف إطلاق النار بعد أزمة بحرية يقتضي ترتيبات يصدقها ملاك السفن وشركات التأمين، ووقف إطلاق النار بعد ضغط نووي يقتضي حلقة تالية من الدبلوماسية، ووقف إطلاق النار بعد الضغط على نظام حكم يقتضي شيئا أكبر كثير وأصعب في الحفاظ عليه.

ويشير التاريخ إلى أن وقف إطلاق النار بصفة عامة يأتي من أحد أوضاع ثلاثة:

وصول الأطراف إلى طريق مسدود، فتح القتال مسارا دبلوماسيا جديدا، تحول القتال إلى تهديد لمشروع سياسي كان القصد من القتال أن يخدمه.

ويتبين لنا من الحرب الكورية في الخمسينيات من القرن الماضي، وحرب يوم الغفران [السادس من أكتوبر] سنة 1973، والحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات أن الصراعات لا تتوقف إلا حينما يظهر عجز القوة عن إعطاء السياسة ما تريده.

فوقف إطلاق النار في كوريا كان وليد استنزاف الطموح؛ إذ بدأت الحرب بمحاولة كوريا الشمالية توحيد شبه الجزيرة بالقوة، وتوسعت عندما انتقلت الولايات المتحدة وحلفاؤها من صد الغزو إلى رد السيطرة الشيوعية في الشمال، ثم تغيرت مرة أخرى حينما تدخلت الصين لمنع تحقيق هذه النتيجة.

وبحلول عام 1953 بعد ثلاث سنوات من الخسائر الهائلة استقرت الجبهة على وضع قريب مما كانت عليه في أول الحرب تاركة للهدنة إضفاء الطابع الرسمي على حقيقة كان ميدان المعركة قد أوضحها بالفعل، وهي أنه ليس بين المتنازعين من يقدر على فرض الوحدة بثمن يكون مستعدا لمواصلة دفعه.

وقعت الهدنة في يوليو 1953 فأنهت القتال دونما توصل إلى معاهدة سلام. وكان ذلك أكبر قصور فيها، وأيضا مصدر استمرارها.

فقد قلصت العنف من خلال القبول بأن المسألة السياسية ستبقى بلا حل. وأصبحت شبه الجزيرة الكورية مكانا توقفت فيه الحرب، واستمر فيه الصراع محكوما بخط ومنطقة وقوات متأهبة، ونظام ردع مقيت. ودام وقف إطلاق النار؛ لأنه طلب من السياسة أقل مما طلبته الحرب من القوة.

ثمة دينامية مماثلة قائمة في وقف إطلاق النار الجاري بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؛ فبوسع الجميع الاستمرار في إلحاق الضرر، وإن لم يبد أن أيا منهم قادر على تحويل ذلك الضرر إلى نتيجة سياسية مستقرة.

فبوسع إسرائيل أن تضرب القدرات الإيرانية وتضعفها، وبوسع إيران أن ترد، وتعوق الملاحة، وترفع تكلفة الاضطراب الإقليمي، وبوسع الولايات المتحدة أن تأتي بقوة هائلة محمولة جوا وبحرا. ولكن السؤال لم يعد يتمثل في ما لو أن كل طرف قادر على إيذاء الآخرين، وإنما السؤال هو ما لو أن مزيدا من الضرر قادر على تحسين الوضع السياسي للطرف الذي يلحق الضرر.

وفي هذا يكمن ضعف الوضع الأمريكي؛ فالقوة الجوية والبحرية متاحة سياسيا لواشنطن على نحو غير متحقق لحرب برية مع إيران. ولا يعني هذا أن الحرب البرية وشيكة، أو حتى مرجحة، بل يعني أن الدرجة الكبيرة التالية في سلم التصعيد أصعب ارتقاء؛ فلو أن الهدف هو الردع فقد تكون الضربات كافية، ولو أن الهدف هو فرض تغييرات دائمة في المسلك الإيراني، أو تأمين المضيق بشروط تقبلها إيران، أو فرض صفقة نووية دائمة فالأدوات المتاحة بدأت تبدو أقل مقدرة على الحسم؛ فالولايات المتحدة لديها القدرة العسكرية، لكن القسم القابل سياسيا للاستعمال من هذه القدرة يقل مع توسع الهدف.

ولنا في حرب يوم الغفران [السادس من أكتوبر] درس آخر؛ فمصر وسوريا هاجمتا إسرائيل في أكتوبر 1973، وحطمتا الثقة التي كانت قد استقرت لدى إسرائيل بعد 1967 واستردتا بالقوة درجة من القدرة العربية.

تعافت إسرائيل عسكريا، ولكن صدمة الحرب الأولى غيرت الجو السياسي المحيط بالصراع. وأحدثت خطرا تضمن الخوف من تصعيد قوى عظمى، ولكنها فتحت أيضا مسارا للدبلوماسية؛ إذ سرعان ما أدى وقف إطلاق النار الذي دعا إليه قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 338 إلى مفاوضات واتفاقيات فض اشتباك ووساطة أمريكية.

في هذه الحالة أتاحت بنية اتفاقية وقف إطلاق النار مجالا دبلوماسيا لجميع الأطراف؛ فكان بوسع مصر أن تعرض الحرب باعتبارها استردادا للشرف وعبورا للقناة، وكان بوسع إسرائيل أن تعرض نتيجتها باعتبارها نجاة وتعافيا عسكريا، وكان بوسع الولايات المتحدة أن تحول حربا إقليمية إلى انفراج دبلوماسي. وأصبح وقف إطلاق النار أكثر من تهدئة؛ لأنه منح كل طرف سبيلا لوصف المعنى السياسي لضبط النفس. لم يكن حلا للصراع العربي الإسرائيلي الأشد ضراوة، لكنه أنشأ حركة حيثما كان النظام السابق قد تصلب.

وهذا هو التفسير الأكثر تفاؤلا لمقترح الأيام الستين الجاري؛ فالإطار الزمني ذاته أقل أهمية مما يحاول الأطراف أن يضعوا فيه. وإذا بدأ التمديد في ربط هرمز بكل من: فتح الموانئ، وأمان الملاحة، والعقوبات، ومبيعات النفط، والمحادثات النووية في سلسلة واحدة؛ فقد يصبح وقف إطلاق النار ذا نفع سياسيا.

أما إن بقيت تلك المواضيع أوراقا تفاوضية منفصلة فسيصعب على هذه التهدئة أن تكون ذات ثقل سياسي كبير. ولقد شهدت المنطقة بالفعل ما يكفي من اللحظات التي يتوقف فيها العنف إلى أن يعيد كل طرف إعادة تعبئة حججه. وينبغي لوقف إطلاق النار الجاد أن يفعل شيئا أكبر من تقليل حدة الصراع.

ولنا درس ثالث من الحرب الإيرانية العراقية، ولعله الدرس الأنفع في فهم طهران. لقد غزا العراق إيران في عام 1980 متوقعا أن تكون الدولة الثورية ضعيفة ومفتقرة إلى التنظيم، وكانت الحرب صراعا مريرا من أجل البقاء، ومن أجل القومية والأيديولوجية.

صوّرت إيران الصمود باعتباره جزءا من الثورة، فنجم عن ذلك أن كان القبول النهائي بوقف إطلاق النار سنة 1988 مؤلما من الناحية السياسية. ولقد أوجزت عبارة الخميني الشهيرة عن الشرب من كأس مسمومة مذلة إيقاف حرب كانت التضحية قد حولتها إلى حرب مقدسة.

ولكن إيران توقفت في النهاية. لم يتخل النظام الحاكم عن أيديولوجيته، لكنه قبل أن استمرار الحرب تهديد للدولة وللثورة يفوق تهديد إنهائها. ولا يزال هذا قادرا على تصحيح الافتراضات الكسولة بشأن طهران؛ فأنظمة الحكم الأيديولوجية قد تكون شديدة النفعية عندما يكون بقاؤها على المحك، ولو أنها تترجم النفعية عادة إلى لغة الكرامة والصمود والمقاومة.

وتظهر هذه القضية استمرار الفصيل المتشدد في المشهد السياسي الإيراني ـ أي فصيل بايداري ـ في الضغط من أجل أقصى المطالب في المفاوضات، غير أنه ـ على الرغم من تضارب السياسات الداخلية ـ يبدو أن الاعتبارات النفعية قد تنتصر؛ فقد يكون وقف إطلاق النار مهينا وضروريا في الآن نفسه، ويمثل تحديا في العلن وواقعية في السر.

ينطبق هذا الدرس الآن على إيران وإن اختلفت الظروف؛ فطهران يمكن أن تستعمل مضيق هرمز، ووكلاءها، والصواريخ، والمسيرات، والانتقام؛ لتزيد تكلفة الحرب على الآخرين. ويمكنها أن تحتمل العقاب أكثر مما يحب أعداؤها أن يعترفوا، لكنها يجب أيضا أن تحمي نظامها، وتحافظ على أوكسجينها الاقتصادي، وتجتنب الصراع الذي يمكن أن يحشد ضدها تحالفا أكبر. فكلما توسعت الحرب في الملاحة والنفط والعقوبات والتوتر الداخلي، تحتم على طهران أن تتساءل عما لو أن استمرار المواجهة يقوى النظام، أم يحصره في منافسة بدأت تخرج عن سيطرته.

تواجه إسرائيل نسخة مختلفة من السؤال نفسه؛ فبوسعها أن تستمر في ضرب الأصول الإيرانية، وتحتفظ بحرية التصرف على العديد من الجبهات وبخاصة التي تحتوى على قوات مرتبطة بإيران. ولها أن تزعم تحقيق نجاح تكتيكي، فلا تعدم بعض المبررات، ولكن يظل لزاما أن يتحول النجاح التكتيكي إلى وضع يمكن دوامه. فلو أن الهدف هو استرداد الردع فوقف إطلاق النار يعطي إسرائيل مجالا لأن تقول: إن الرسالة وصلت. ولو أن الهدف هو فرض تغيير أعمق على السلوك الإيراني فإسرائيل بحاجة إلى حملة أطول والتزام أمريكي أكبر.

الولايات المتحدة هي الأكثر انكشافا أمام تلك المشكلة؛ لأن دورها في الصراع هو الأصعب تفسيرا. فلترامب أن يزعم أن القوة أرغمت إيران على اتفاقية، وقد يكون ذلك صحيحا جزئيا، لكن لو أن وقف إطلاق النار يقوم على إعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغط على الموانئ، وإتاحة حركة بعض النفط، واستئناف المحادثات النووية؛ فالنتيجة توشك ألا تشبه قسرا أدى إلى استسلام، ولكنها تشبه قسرا أدى إلى مساومة. وحتى ذلك قد يبدو نتيجة جيدة، لكنها ببساطة تختلف عن لغة المعاقبة الطاغية.

وفي هذا تكتسب المقالة التي كتبتها أنا ومايكل فيلر لجاليبولي أهميتها؛ فالخطر في هرمز لم يكن قط مقصورا على ما لو أن الولايات المتحدة قادرة على ضرب أهداف محيطة بالمضيق. فالسؤال الأصعب هو ما لو أنها قادرة على استرداد الثقة التجارية، وحماية الملاحة، واحتواء إيران، وإعادة طمأنة شركائها في الخليج، وتجنب الانجرار إلى حرب أكبر وفق شروط تمليها الجغرافيا جزئيا. ومثلما ذهبنا في مقالة جاليبولي؛ فالقدرة على المرور تختلف عن السيطرة، وفي هرمز هذا هو الفارق الذي يصوغ وقف إطلاق النار الآن.

ومن هنا ينبغي الحكم على تمديد وقف إطلاق النار المقترح لمدة ستين يوما بواقع ما يوضحه. فلو أنه يوضح الهدف الأمريكي، ويستعيد حركة مضمونة في مضيق هرمز، وينشئ مسار رجوع إلى دبلوماسية نووية؛ فقد يصبح وقف إطلاق النار أداة سياسية جادة. وإذا ترك الهدف غائما، واستمرت إيران والولايات المتحدة في تبادل الاتهامات، واستمرت إسرائيل في الحفاظ على العمل بإيقاع منفصل؛ فسوف تبدو التهدئة أشبه بتكيف مع المخاطر أكثر مما هي مخرج من الحرب.

تاريخ وقف إطلاق النار مفيد في هذا الصدد؛ لأنه يحول بيننا وبين طرح السؤال الخاطئ. فالأمر لا يتمثل في ثقة الأطراف في بعضها البعض من عدمها؛ لأنها لا تثق في بعضها بعضا، لكن وقف إطلاق النار في كوريا دام دونما مصالحة، ووقف إطلاق النار سنة 1973 نجح؛ لأن الدبلوماسية سارعت بإعطاء التهدئة اتجاها، وإيران قبلت ووقف إطلاق النار مع العراق؛ لأن الاستمرار كان قد أصبح أخطر من التوقف. وهكذا يظهر وقف إطلاق النار فقط حينما تبلغ القوة حافة «عدم الجدوى السياسية».

وبالنسبة للتجارة؛ فالمشكلة العاجلة هي غياب الوضوح حول الهدف السياسي من وقف إطلاق النار؛ فأسعار الطاقة والشحن والتأمين والتعرض للعقوبات والاستثمارات في الخليج تصبح جميعا صعبة التقييم حينما يتأرجح الصراع بين الردع والضغط النووي والسلاسة البحرية والضغط على النظام دونما استقرار على إطار واضح. والأسواق قد تتكيف مع نتائج سيئة حينما تكون ثمة حالة نهائية واضحة، لكنها تعاني حينما يظل الهدف يتغير وبخاصة في صراع يتركز حول مضيق هرمز؛ حيث يحمل ممر بحري ضيق عواقب على النفط والتضخم والطيران والتأمين والثقة في ما يتجاوز حدود الخليج.

سوف تكون الإشارات صعبة التتبع مع استمرار الأهداف السياسية في التغير، لكن ثمة بعض الجوانب العملية التي يمكن تتبعها؛ فلا بد أن يبدأ التمديد الحقيقي في التجلي في سلوك الشحن وتسعير التأمين وفتح الموانئ ولغة العقوبات ونبرة الدبلوماسية النووية. وستكون للغة واشنطن أهميتها؛ لأن الشركات بحاجة إلى أن تعرف ما لو أن وقف إطلاق النار مرتبط بصفقة محدودة، أم بحملة ضغط أوسع. وسلوك إيران حول هرمز سوف يكون مهما؛ لأن الثقة التجارية تقوم على أكثر من فتح المضيق رسميا.

وأفعال إسرائيل في المسارح المرتبطة بإيران سوف تكون مهمة؛ لأن وقف إطلاق النار محض قناة يمكن أن يقوضها التصعيد في قناة أخرى. ومن وراء ذلك كله يكمن سؤال عما لو أن الولايات المتحدة قد استعادت النظام، أم اكتفت بإظهارها مرة أخرى أن مستقبل المنطقة الاقتصادي يعتمد على نظام أمني مستمر في إنتاج الأزمات.

أوسكار مارتن باحث مشارك في مركز الاستراتيجية الجيوسياسية ومشارك في موقع الخطاب الجيوسياسي.