«فتاة الشاي» أرشيف حي لتاريخ الآلام
الاحد / 13 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:14 - الاحد 31 مايو 2026 20:14
بدأت شرارة الكتابة الأولى حين سمعت الكاتبة الصينية ليزا سي عن قطعةٍ مضغوطة من الشاي بيعت في مزادٍ علني بمبلغ 150 ألف دولار. ومن هذه الحكاية الصغيرة نسجت روايتها «فتاة الشاي» الصادرة ترجمتها عن منشورات تكوين، ترجمة: الحارث النبهان.
قطعة مضغوطة خبّأتها أمُّ جدّة البطلة من اليابانيين في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم أخفتها الجدّة عن الثوريين في الأربعينيات، قبل أن تتولى الأمّ حمايتها خلال سنوات «القفزة الكبرى إلى الأمام» في الخمسينيات، حين اُقتلعت تقاليد زراعة الشاي العريقة وأُجبر المزارعون على هجر أساليبهم الموروثة لصالح إنتاجٍ كثيف ورديء يُلبّي احتياجات الجماهير الغفيرة!
الشاي الذي يُعدّ من أثمن الهدايا التي يمكن أن تُقدَّم لك في الصين، تكشفُ الرواية ما يختزنه من طبقاتٍ خفيّة من المعاناة ومن التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي رافقته.
منذ أن قرأتُ رواية «زهرة الثلج والمروحة السرية» للكاتبة ذاتها، وأنا في شوقٍ إلى قراءة أعمالها الأخرى؛ لما تمتلكه ليزا سي من رهافةٍ في القبض على الآلام الإنسانية بالغة الحساسية والتي خرجت من جعبة قرى الصين المنسية لتمسّنا على نحوٍ بالغ.
تدور أحداث الرواية حول بطلتنا «لي يان» وعائلتها التي تعمل في قطف أوراق الشاي ضمن مجتمع «الآكها»، حيث لا يكاد يوجد أي ملمحٍ للتحضّر. لكن سرعان ما يتغير كل شيء ما إن ينتبه الذوّاقة إلى ذلك النوع من الشاي الذي يُعتقد أن عمره يمتدّ إلى آلاف السنين. ولأنّ بطلتنا تحظى بقسطٍ جيد من التعليم، فإنّ القرية تضع ثقتها فيها، لتجد سُبلًا للتواصل مع المُصدّرين الجُدد.
ما زلتُ أتساءل عن أولئك الذين يظنون أنّ قراءة الروايات ضربٌ من اللهو، لا تحملُ بين دفتيها أكثر من قصص الحبّ الساذجة. فهذه الرواية على سبيل المثال، تُرينا تاريخًا من العادات والتقاليد والطقوس الغرائبية في الثقافة الصينية، كما تتجلى تفاصيل شديدة الدقة عن نمط العيش في تلك القرى النائية عن فضاء التحضّر، والتي دفعت الكاتبة لأن تذهب في رحلة إليها لتعرف حقيقتها على نحو فاحص.
تُفكّك ليزا سي الصورة العامّة عن الصين، عبر منظورٍ مُتأمِل، فتقرّبُ إلينا شعب «الآكها» المُختلف في ملبسه ومأكله ولغته أيضًا، وتُسلّط الضوء على العادات القاسية التي ينتجها الجهل والخوف معًا. واللافت أنّها لا تأتي رافعةً سبابتها بالإدانة، وهو ما نجده أيضا في روايتها التي تُناقش عادة «ربط القدمين» المرتبطة بتصوّر قديم بأنّ جمال المرأة ينبثقُ من صِغر قدميها حتى وإن عرّضها ذلك إلى الموت، وقد بررت الأمر في إحدى مقابلاتها قائلة: «أريد فقط أن أطرح الموضوع، حتى يتمكن الناس من فهمه في سياق الثقافة والفترة الزمنية».
نجد أنّ النساء أيضا -ورغم ما يقع عليهن من ظلم العادات والتقاليد- لم يكنَّ ضحايا فحسب، وإنّما بطلاتٍ يُحرّكن الماء الراكد ويدفعن عجلة التغيير ببطء وإصرار. فالأمّ تدفعُ ابنتها إلى التعلّم والانفتاح، وهي تعلم أنّ الثمن قد يكون قاسيًا: «كلام الناس والعزلة ونظرات الاحتقار». تدفعها أيضا لأن تُخفي الحفيدة المولودة في غياب الأب عوض التفكير بقتلها كما تقول الخرافات السائدة. فالأمّ التي تعمل قابلةً وتساعد الأمهات على مجيء كائنات جديدة إلى الحياة، كانت تكتسبُ سلطةً تكادُ تقتربُ من سلطة الرجال. لذا كانت تأمل أن تصبح ابنتها قابلةً أيضًا، لكنّ الحياة أخذتها إلى مكانٍ آخر.
وتبلغ الرواية ذروتها في تلك الفكرة العميقة التي تعبّر عنها الأمّ لابنتها في معنى بالغ الرهافة: «تاريخ الأسلاف ليس حكرًا على الرجال؛ فالشجرة نفسها تحفظ تاريخ النساء كما تحفظ تاريخ الرجال».
كان دخول أول سيارة جيب إلى القرية الحدثَ الأول الذي زعزع اطمئنان القرية وسكينتها، لكنه في الوقت نفسه فتح أمامها صلاتٍ جديدة بالعالم. الأمر الذي يجعلنا نتساءل: أيُّهما كان أفضل لتلك القرية: أن تبقى مختفية خلف كثافة غاباتها، مغمورةً بخرافاتها وفقرها وتفرّدها في آن، أم أن تتحرّر وتدفع ثمن ذلك بأن تُنزع هويتها، وأن تغدو صورة مماثلة للصورة الاستهلاكية التي تعمُّ العالم الشاسع؟
«فتاة الشاي»، رواية تجعل من الشجرة أرشيفًا حيًّا لتاريخ الآلام والتحوّلات التي تعصف بالمجتمعات مُتسارعة التغيّر، ولتجارب النساء اللواتي يدفعن الثمن غاليًا، بينما يُحدثن أثرًا عميقًا في حياة من يأتين من بعدهنّ.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»