كيف تتحول الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان إلى رافد اقتصادي؟
الاحد / 13 / ذو الحجة / 1447 هـ - 15:28 - الاحد 31 مايو 2026 15:28
أكد خبراء اقتصاديون في استطلاع صحفي أجرته 'عُمان' أن الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان تمتلك مقومات التحول من قطاع يرتبط بالحفاظ على الموروث الثقافي إلى قطاع اقتصادي وإبداعي قادر على دعم مستهدفات التنويع الاقتصادي، وخلق فرص عمل، وتعزيز المحتوى المحلي، وربط الهوية العُمانية بالاقتصاد السياحي والاقتصاد الإبداعي، بما يتماشى مع مستهدفات 'رؤية عُمان 2040' التي تركز على بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على الابتكار والمعرفة.
وأشاروا إلى أن تطوير الصناعات الحرفية يتطلب بناء منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الابتكار والتصميم والتسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية، إلى جانب تطوير سلاسل الإمداد وتعزيز حضور المنتج الحرفي في الأسواق المحلية والعالمية.
وقالت الدكتورة حبيبة المغيري خبيرة اقتصادية وأكاديمية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية: إنه يمكن للصناعات الحرفية في سلطنة عُمان أن توسع من نطاق العائد الاقتصادي تماشيًا مع 'رؤية عُمان 2040'، وأن تنتقل من خلال التخطيط الاستراتيجي الفعال من قطاع يحصل على دعم بهدف الحفاظ على إرثه إلى قطاع حيوي يساهم في رفد الاقتصاد العُماني بشكل فاعل من خلال ربطه بالاقتصاد السياحي والاقتصاد الإبداعي، خصوصًا أن من مستهدفات الرؤية تنويع مصادر الدخل بالاستثمار في مختلف القطاعات الواعدة، وتعزيز القيمة المحلية المضافة، وتمكين قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وحول أبرز الفرص الاستثمارية التي يمكن أن تسهم في تطوير الصناعات الحرفية ورفع قدرتها التنافسية محليًا ودوليًا، أوضحت الدكتورة حبيبة المغيري أن القطاع يمتلك فرصًا واعدة، من بينها تحويل الصناعات المنزلية التي يديرها الحرفيون إلى مصانع صغيرة ومنظمة، مع التركيز على توفير المواد الخام محليًا بدلًا من الاعتماد على الاستيراد.
وأضافت: إن من الفرص المهمة كذلك إنشاء مجمعات حرفية متخصصة أو مجمعات تجارية مخصصة للصناعات الحرفية بطابع مستوحى من الإرث العُماني، على غرار سوق نزوى وسوق بهلا وسوق الحافة، والتي تُعد مواقع سياحية وتراثية تشهد حركة نشطة خلال المواسم السياحية، سواء في الشتاء أو موسم خريف ظفار.
وأكدت أن تعزيز هذه المواقع وتحويلها إلى نقاط جذب ثقافي وسياحي يسهم في توفير قنوات بيع مباشرة للمنتجات الحرفية الأصيلة والفاخرة، خاصة مع تزايد اهتمام السياح باقتناء المنتجات المرتبطة بالهوية والثقافة العُمانية.
تنويع الشرائح المستهدفة
ولفتت الخبيرة الاقتصادية إلى أنه ينبغي على الجهات الحكومية والخاصة تطبيق سياسة المحتوى المحلي وتعزيز القيمة المحلية المضافة عن طريق التوسع في الأسواق الخاصة بالصناعات الحرفية وتنويع الشرائح المستهدفة لشراء الهدايا التذكارية مثلًا من هذه الصناعات الحرفية، بالإضافة إلى تطوير منصة بيت الحرفي العُماني الرقمية وتعزيزها لتصدير المنتجات الحرفية عن طريق التوسع في الأسواق خارج سلطنة عُمان والترويج لها عالميًا، مشيرة إلى أن عنصر الابتكار في صناعة هذه الحرفيات التقليدية مهم جدًا لتحويلها إلى منتجات يستهدفها المستهلك العصري مع شرط الحفاظ على أصالتها.
وأشارت الدكتورة حبيبة المغيري إلى أنه يمكن للصناعات الحرفية أن تدعم جهود التنويع الاقتصادي وتوفير فرص عمل للشباب العُماني بعدة طرق ومجالات مختلفة؛ لأنها منتجات متنوعة ذات طابع إبداعي جاذب للشاب العُماني المهتم بمجالات مثل التصميم والفن والهندسة المعمارية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا ما تم الاهتمام بهذا القطاع، فإن الشاب العُماني سوف يكون قادرًا على تطوير نموذج الإنتاج الحالي وتحويله إلى قطاع ذي وظائف مستدامة وعالية الإنتاجية، ومن هذه الوظائف سوف تتوفر عدة فرص وظيفية في مجال الابتكار والتصميم والتسويق واللوجستيات، وأيضًا فرص أخرى مثل إنشاء مشاريع مستقلة ومدعومة من هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
التسويق الرقمي للمنتجات الحرفية
وفيما يتعلق بمحور التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية، أكد الدكتور أحمد بن سعيد الحجري الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العُمانية، أن نجاح الصناعات الحرفية في الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية لا يعتمد على أدوات التسويق وحدها، إنما يبدأ من بناء قاعدة إنتاجية قوية ومستدامة تشمل جودة المنتج، واستقرار سلاسل الإمداد، ووضوح الهوية المرتبطة بالمنتج الحرفي العُماني.
وتابع الحجري قائلًا: إن تطوير القطاع لا ينبغي أن يقتصر على بيع المنتج وتسويقه، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة تبدأ من توفر الخامات والقدرات الإنتاجية القادرة على تلبية الطلب، مرورًا بالتغليف والتوزيع والتسويق، وصولًا إلى الالتزام بالمواصفات والجودة.
وأشار إلى أهمية أن يحمل المنتج الحرفي طابعًا عُمانيًا واضحًا يمكن تمييزه بسهولة من خلال التصميم والخامات والألوان والنقوش وطريقة التقديم، بحيث يشعر المستهلك أو السائح بارتباطه الحقيقي بالثقافة والهوية العُمانية، لا باعتباره منتجًا عامًا يمكن أن ينتمي إلى أي سوق آخر.
وبيّن الحجري أن بناء حضور قوي للصناعات الحرفية يبدأ أولًا من السوق المحلي، عبر تعزيز وجود المنتجات الحرفية في المجمعات التجارية والمطارات والفنادق والمتاجر والأسواق، وربطها بصورة أكبر بالحياة اليومية داخل سلطنة عُمان.
وأضاف: إن البيت العُماني يمثل أحد أهم المنافذ الطبيعية للصناعات الحرفية، نظرًا لإمكانية توظيف العديد من المنتجات الحرفية في الاستخدامات المنزلية والديكور والأثاث والأدوات اليومية، متسائلًا عن أسباب الاعتماد المتزايد على المنتجات المستوردة رغم وجود فرص واسعة للمنتجات الحرفية المحلية للدخول بصورة أكبر إلى الحياة اليومية.
وأكد الحجري أن حجم الطلب المحتمل يمتد إلى الفنادق والمطاعم والشركات والمشاريع السياحية، ما يفتح فرصًا اقتصادية أوسع أمام القطاع إذا جرى تطوير المنتجات وربطها بصورة أفضل باحتياجات السوق الحديثة.
وفيما يتعلق بعلاقة الحرف بالسياحة، أوضح أن القطاع السياحي يمكن أن يكون أحد أقوى المحركات الاقتصادية للصناعات الحرفية إذا جرى دمجه بصورة أعمق في التجربة السياحية داخل سلطنة عُمان، بحيث تصبح الأسواق والمراكز الحرفية جزءًا أساسيًا من تجربة الزائر، عبر تقديم المنتجات والخدمات الثقافية والتصميم والتخصيص والتغليف والشحن في مكان واحد.
وأشار إلى أن هذا التكامل من شأنه تحويل الحرفة من مجرد منتج معروض إلى تجربة اقتصادية وثقافية متكاملة، لافتًا إلى إمكانية تطوير نماذج حديثة مثل 'المول العُماني' أو الأسواق التراثية المعاصرة التي تجمع بين الهوية العُمانية والطابع العصري، وتضم الصناعات الحرفية والمنتجات المحلية والمطاعم والمقاهي والفعاليات الثقافية والخدمات السياحية في تجربة واحدة.
تصنيف الصناعات الحرفية
وأضاف: إن مثل هذه المشاريع يمكن أن تمثل فرصًا استثمارية للمطورين العقاريين والمستثمرين، خاصة مع تنامي الاهتمام بالمشاريع المرتبطة بالهوية والثقافة والسياحة، موضحًا أن المطور العقاري لم يعد يطور مباني فقط، وإنما بات يطور تجربة اقتصادية وسياحية متكاملة.
وأفاد الحجري أن تطوير القطاع يتطلب أيضًا تصنيف الصناعات الحرفية وفق طبيعة المنتجات والأسواق المستهدفة، سواء المنتجات اليومية القابلة للتوسع التجاري أو القطع الحرفية الفاخرة ذات الطابع الثقافي والفني، إضافة إلى دراسة مدى توفر الخامات المحلية وفرص إحلال بعض المنتجات الحرفية محل المنتجات المستوردة.
وأوضح أن من أبرز التحديات التي تواجه القطاع امتلاك بعض الحرفيين مهارات إنتاجية عالية دون توفر الخبرات الكافية في التسويق والإدارة وبناء العلامات التجارية، ما يستدعي وجود منظومة داعمة تشمل التدريب والتسويق والتصميم وربط الحرفيين بالأسواق والفرص الاستثمارية.
ونوّه الحجري إلى أهمية بناء سلاسل إمداد مستقرة تضمن استمرارية الإنتاج والقدرة على تلبية الطلب مع الحفاظ على الجودة والالتزام بمواعيد التسليم، إلى جانب الاهتمام بحماية الملكية الفكرية والتصاميم الحرفية بما يعزز القيمة الاقتصادية للمنتجات ويشجع على الابتكار.
وأشار الحجري إلى أن الصناعات الحرفية تمثل قطاعًا اقتصاديًا وإبداعيًا يرتبط بعدد من مستهدفات 'رؤية عُمان 2040'، من بينها المحتوى المحلي والسياحة والتنمية الاجتماعية والاستدامة والتحول الرقمي والتنويع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن هذا القطاع قادر على خلق فرص عمل وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتنشيط الحركة الاقتصادية في المحافظات والولايات.
وأشاد الحجري بالجهود التي تبذلها الجهات الحكومية، ومنها وزارة التراث والسياحة، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار؛ حيث تمثل خطوات مهمة في دعم وتمكين الحرفيين، مؤكدًا أن تنمية الصناعات الحرفية يمكن أن تفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية حديثة ومستدامة تعزز الهوية العُمانية وتخدم الاقتصاد الوطني.
السلوك الشرائي
وفي السياق ذاته، أوضح عبدالله بن محمد العبري عضو الجمعية الاقتصادية العُمانية وباحث في الاقتصاد السلوكي، أن التحدي الذي يواجه الصناعات الحرفية لا يرتبط بجودة المنتج أو محدودية التمويل بقدر ما يرتبط بقدرة هذه الصناعات على بناء طلب مستدام في ذهن المستهلك.
وأشار إلى أن الاقتصاد السلوكي يفسر السلوك الشرائي باعتباره مرتبطًا بالقيمة الرمزية للمنتج؛ إذ لا يشتري المستهلك المنتج لذاته فقط، وإنما لما يمثله من هوية وقصة وانتماء ومكانة اجتماعية، مبينًا أن نجاح الحرف التقليدية يعتمد على تحويلها من مجرد منتج إلى تجربة ثقافية وإنسانية متكاملة.
وأضاف: إن العديد من المبادرات الحكومية ركزت على دعم الإنتاج وإنشاء المجمعات والمعارض الحرفية، في حين ظل التحدي الحقيقي في ضعف الطلب المستقر، لافتًا إلى أن تجارب دولية مثل المغرب نجحت في دمج الحرف بالصناعات السياحية والثقافية، ما رفع القيمة المدركة للمنتج وعزز الإقبال عليه.
وبيّن العبري أن الإشكالية الأساسية تكمن في تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة الحرفة وتطويرها بما يتناسب مع احتياجات الحياة المعاصرة، موضحًا أن التمسك بالأشكال التقليدية دون تطوير وظيفي يحول الحرفة إلى منتج متحفي محدود السوق، بينما يؤدي الإفراط في التحديث إلى فقدان الهوية والثقة الرمزية لدى المستهلك.
واستشهد بالتجربة اليابانية التي حافظت على جوهر الحرفة التقليدية مع إعادة توظيفها وتصميمها لتتلاءم مع الاستخدامات الحديثة، ما أسهم في استمرار الطلب عليها عبر الأجيال.
وأكد أن تطوير الصناعات الحرفية يتطلب التعامل معها كنموذج أعمال متكامل يشمل التصميم والتسويق والسرد الثقافي والتجارة الرقمية، وليس باعتبارها نشاطًا تراثيًا فقط، مشيرًا إلى أن منصات عالمية مثل Etsy أسهمت في تعزيز القيمة الاقتصادية للحرف عبر ربط المستهلك مباشرة بصانع المنتج.
وتابع بقوله: إن التجارب الناجحة عالميًا، مثل كوريا الجنوبية، اعتمدت على دمج التراث مع الإعلام والسياحة والتصميم الحديث والتسويق الرقمي، ما جعل الصناعات الحرفية جزءًا من القوة الناعمة والاقتصاد الإبداعي.
وأكد أن مستقبل الصناعات الحرفية يعتمد على إعادة بناء القيمة في ذهن المستهلك قبل إعادة تطوير المنتج نفسه، موضحًا أن نجاح هذا القطاع يتحقق من خلال الدمج الذكي بين الأصالة والتحديث ضمن منظومة ريادية قادرة على خلق طلب حقيقي ومستدام.