رأي عُمان

عُمان التي يعرفها العالم

 

بدت العبارة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان صادمة في معناها وسياقها، حتى لمن اعتاد إيقاع تصريحاته الخارجة عن مقتضيات اللغة الدبلوماسية. فصدور مثل هذه اللغة تجاه عُمان تحديدا هو ما يمنح العبارة خطورتها السياسية؛ إذ تتوجه إلى دولة تربطها بالولايات المتحدة صداقة تاريخية، وراكمت في الوقت نفسه دورا ثابتا في نزع فتيل الأزمات في الشرق الأوسط. 

عرف العالم عُمان من موقعها السياسي الهادئ رغم الاضطراب الذي يحيط بها. وصنعت حضورها الخارجي بعيدا عن الاصطفاف والتأجيج. وحضرت في أكثر لحظات الانسداد السياسي بوصفها مساحة ممكنة للكلام تحفظ قنوات الحوار حين تضيق المساحات. 

المفارقة أن عبارة ترامب جاءت في سياق ملف كانت عُمان جزءا أساسيا من محاولات تهدئته، لا من إشعاله. ويعرف صناع القرار في واشنطن قبل غيرهم أن عُمان ـ في الملف الإيراني تحديدا ـ لم تكن خصما للولايات المتحدة، ولم تكن في الوقت نفسه متماهية مع المواقف الإيرانية. كانت عُمان وسيطا حين احتاجت واشنطن إلى من يتحدث مع طهران، وجسرا حين أغلقت العواصم أبوابها، وقناة هادئة ومتزنة حين كانت اللغة العلنية عاجزة عن إنتاج أي اختراق. 

في عهد الرئيس باراك أوباما، وفرت مسقط المساحة السياسية والدبلوماسية التي ساعدت على فتح الطريق نحو الاتفاق النووي عبر المحادثات غير المعلنة التي استضافتها مسقط. وفي الولاية الحالية للرئيس ترامب نفسه، عادت عُمان لتؤدي دور الوسيط بين واشنطن وطهران. 

تمتد العلاقة بين عُمان والولايات المتحدة إلى ما يقرب من قرنين. منذ معاهدة الصداقة والتجارة في القرن التاسع عشر، تشكلت بين البلدين علاقة خاصة، نمت عبر التجارة والملاحة والتعاون السياسي والأمني. غير أن عمق هذه العلاقة لم يحول عُمان إلى تابع؛ كانت الصداقة قائمة على الاحترام، وكانت الشراكة قائمة على إدراك أمريكي طويل بأن عُمان تملك قرارها، وتدير سياستها من داخل فهمها لموقعها وتاريخها ومصالحها. 

لم يكن استقلال القرار العماني يوما موقفا عدائيا من أحد؛ كان شرطا لبناء الثقة مع الجميع. والدولة التي تستطيع أن تتحدث مع واشنطن وطهران والعواصم الغربية والآسيوية بالقدر ذاته من الهدوء تحتاج إلى رصيد من الاستقلال، فالوسيط الذي يفقد استقلاله يفقد قيمته. والجسر الذي ينحاز كليا إلى ضفة واحدة يتوقف عن كونه جسرا. 

وأي تهديد لسلطنة عُمان مهما كان السياق الذي يأتي فيه فإنه يسيء إلى فكرة الوساطة نفسها، والرسالة التي تصل إلى العالم رسالة خطرة؛ لأن أحد أهم معانيها أن الاعتدال قد يصبح عبئا على أصحابه، وأن الدبلوماسية الحكيمة تفقد مكانها حين يعلو منطق القوة. وهذه الرسائل لا تخدم الأمن والاستقرار في الخليج ولا حرية الملاحة ولا مصالح الطاقة، ولا تخدم مكانة الولايات المتحدة لدى أصدقائها. 

تدرك سلطنة عُمان حساسية مضيق هرمز، وتعاملت تاريخيا مع أمن هذا الممر بوصفه مسؤولية دولية مشتركة، ولم تستخدمه ورقة للمزايدات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وتدرك عُمان أن أمن هذا المضيق لا يصان بالتهديدات اللفظية والتصعيد العسكري؛ فالأمر يحتاج، كما تؤكد السياسة العمانية منذ سنوات طويلة، إلى المزيد من التفاهمات والاحتكام للقانون الدولي وتوازن المصالح. 

إن أكثر ما تحتاجه المنطقة في هذه اللحظة هو استعادة الذاكرة السياسية، والولايات المتحدة الأمريكية تعرف عُمان جيدا. تعرف أنها دولة لا تذهب إلى المغامرات، ولم تبن سياستها الخارجية على فكرة الاستعراض. وتعرف أنها وظفت رصيدها الهادئ كي تفتح أبوابا كانت مغلقة أمام الدبلوماسية الأمريكية. وتعرف أيضا أن الاحترام المتبادل كان دائما القاعدة التي حفظت هذه العلاقة من التوترات العابرة. 

مكانة عُمان يثبتها تاريخها السياسي، وردّها الأعمق يكمن في التمسك بما جعل عُمان: عُمانَ الهدوء واستقلال القرار واحترام القانون الدولي والقدرة على تحويل الصمت إلى سياسة والاتزان إلى قوة. ففي منطقة تحيط بها التوترات تظل السياسة الحقيقية هي القدرة على منع النار قبل أن تبدأ. 

لكن من حق عُمان، ومن واجب أصدقائها، أن يقولوا بوضوح للرئيس الأمريكي إن هذه اللغة لا تليق بعلاقة تمتد قرابة مئتي عام، ولا تليق بدولة جعلت من السلام ركيزة لسياستها، ولا تخدم رئيسا أمريكيا يبحث، في نهاية المطاف، عن اتفاقات لا عن حرائق جديدة. 

ستبقى عُمان دولة تصنع الجسور في منطقة كثيرة الفوالق. وستبقى سياستها المستقلة إحدى ضمانات الاستقرار في الخليج. أما الكلمات التي تخرج غاضبة فقد تمضي مع ضجيج اللحظة. والذي يبقى في الذاكرة السياسية هو ما تصنعه الدول من ثقة، وما تحفظه من حكمة، وما تمنعه من حروب.