أفكار وآراء

المؤسسات الرائدة والتحول الوطني

في مراحل التحول الوطني للدول - أي تلك المراحل التي تنتهج فيها الدول مقاربة جديدة للتنمية والتنافسية والتموضع الإقليمي والدولي - تبرز الحاجة إلى خلق مؤسسات وطنية رائدة نموذجية ومعيارية (Flagship Institutions ) خاصة في القطاع العام. 

تستطيع هذه المؤسسات أن تقدم أنموذج التحول وتختصره في عملياتها، وتؤثر من خلال نموذجها على بقية المؤسسات بدفعها للاستفادة من بعض عناصر النموذج، أو من خلال دفعها إلى التفرد هي ذاتها، وخلق نماذجها الخاصة والمستقلة. 

في أدبيات الإدارة العامة تبدو مسألة (إصلاح القطاع العام Public sector reform) إحدى أبرز المسائل التي تشكل تحديات مركبة أمام صانع السياسة العامة؛ لحاجتها للإصلاح الثقافي، وضرورة خلق نسق تشريعي منظم ومحكم لإدارتها يتناسب مع شرائح ضخمة من العاملين فيها عوضًا عن مراعاة وظيفتها في الخدمة العامة، وضرورة الارتقاء بآليات عملها لتكون في قرب مستويات رضا المجتمعات التي تنشط فيها. 

تنتهج الدول مقاربات مختلفة في إصلاح قطاعاتها العامة في مراحل التحول الوطني، وبالدرس التاريخي للنماذج الحديثة فهي تتحرك في ثلاثة نماذج: فقد تبني مقاربة الحوكمة المختلطة (New hybrid governance) وقد ظهرت نماذجها في الثمانينات في بعض الدول كنيوزيلندا وأستراليا، وفكرتها أقرب للإدارة العامة بنموذج ينتهج مقاربة القطاع الخاص، ويتسق مع الخدمة العامة، ومن أدوات هذا النموذج (الإدارة بنهج مؤشرات الأداء والقياس وتفصيل الأنشطة، الموظف الحكومي متعاقد ومساءل، نموذج العمل الحكومي يركز على خفض الكلفة ورفع الكفاءة وترشيد الموارد، التركيز على تعهيد الخدمة، وتعميق المنافسة بين القطاعات والمؤسسات). 

أما النموذج الثاني فهو الحكومة التشابكية (Whole-of-Government / Network Governance) وفكرته أن الحكومة كلها تتحرك بمختلف مؤسساتها لتحقيق أهداف محددة، وتلك الأهداف مقسمة عمليًا وإجرائيًا كأنشطة ونتائج بين وحدات حكومية مختلفة، وعمل الحكومة يتسق تضامنيًا لخدمة تحقيق تلك الأهداف، ومن أدوات هذا النموذج (الاعتماد بشكل أوسع على فرق العمل والبرامج الوطنية العابرة للحدود المؤسسية أكثر من الهياكل المؤسسية الجامدة، والعمل بفكرة المؤشرات المشتركة (Shared indicators) بين المؤسسات لتعزيز التضامنية وتوحيد الأداء ونسق العمل، كما يركز النموذج على فكرة دمج واختصار أكبر قدر من الخدمات الحكومية). 

أما النموذج الثالث فيركز بشكل أكبر على الحكومة الرشيقة والمتعلمة (The agile, efficient government)، والفكرة هنا أن تستفيد الحكومة من كل الأدوات المتجددة – بما فيها أدوات التحول الرقمي – لتطوير خدماتها ونماذج عملها في سياق يتمحور حول خدمة المستفيد بشكل أساسي. ومن أبرز أدواتها (العمل وفق نسق المشاريع التحولية الكبرى، ترسيخ ثقافة التجريب والابتكار في المؤسسات، تطوير نظم الاستشراف، الاعتماد على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار الفوري). 

هذه النماذج لا تعمل بشكل منفصل تمامًا؛ حيث تتقاطع حسب حاجة التحول، وكل نموذج يستفيد من الآخر، وفي مراحل معينة تبرز نماذج هجينة تأخذ من كل نموذج ما يناسب غاياتها. 

غير أن ما يحدد الذهاب إلى نموذج معين هو الغاية: هل نريد الحكومة أن تكون أكثر كفاءة، أم أكثر تكاملًا، أم أكثر تكيفًا مع المستقبل؟ وما يحدد السؤال الرئيس هو واقع التحديات الفعلية التي يعيشها القطاع العام. 

غير أن الأداة التي تحدثنا عنها (خلق المؤسسات الريادية) هي أداة تستفيد من كافة النماذج وتوظفها لخدمة التحول وتسريع إصلاح القطاع العام المنشود؛ ففكرة المؤسسة الريادية في كونها مؤسسة تعطى حيزًا «معقولًا» من الاستقلال في أنظمتها ولوائحها وطرق تشغيلها، فتستطيع أن تتحرك في مساحة جيدة من إدارة مواردها، وخلق ثقافة عمل خاصة ومتفردة، ووجود نظم لقياس الإنجاز والأداء بشفافية عالية، وطبيعة علاقة تعاقدية مع العاملين، وتصميم نظام عمل داخلي محكم يضمن أن كل مكونات المؤسسة تعمل بتنافسية عالية، وفي الوقت ذاته بتكاملية عالية لخدمة الأهداف الكبرى وتحقيق المستهدف، ولا تنحصر في تحقيق مستهدفاتها الوطنية، بل يوجهها هاجس الإنجاز الوطني. 

وتنافس في الجهة الأخرى على جذب أفضل العقول وتهيئة نظمها ولوائحها لاستقطاب أفضل المواهب، وفي الآن ذاته تستطيع أن تكوّن «صورة ذهنية» متميزة عن ذاتها في سياقها الوطني، بل تتعداه إلى سياقها الإقليمي والدول، فتصبح «المؤسسة الوجهة Destination institution» التي ترسخ دومًا حتى في عقول وطموح الشباب والعاملين على حد سواء، كما أنها تهيئ ذاتها لنقل تلك التجربة والمعرفة إلى السياق الوطني عمومًا. 

في السياق الخليجي، استطاعت المؤسسات العاملة في قطاع الطاقة «شبه الحكومية»، أن تحقق هذا النموذج، ثم مع توسع صناديق الثروة السيادية في المنطقة بدأت مؤسسات هذه الصناديق تحقق نسبيًا هذا النموذج. 

في المرحلة الراهنة نحتاج إلى تخليق مؤسسات ريادية من داخل القطاع العام نفسه، لا يكون تميزها وتفردها بفعل الموارد أو السعة المالية وحدها، وإنما من خلال مجمل ما يسخر لها لتصبح مؤسسة ريادية فعلًا من داخلها أو من خلال الحيز الحكومي. 

وجود مثل هذا النوع من المؤسسات يقلص المساحة الزمنية التي يحتاجها القطاع العام للتحول؛ لأنها تمكن العمل بنظام (التعلم المشترك داخل القطاع العام collaborative learning within the public sector) كما ترسخ أن التنافسية بين المؤسسات ليست سلبية بالمطلق، ما دام أنها توجه لخدمة الإنجاز الوطني. 

وتعمل هذه المؤسسات كذلك على خلق المعيار الوطني، وتجديد ذلك المعيار (سواء كان في الابتكار، بيئة العمل، التعامل الجاد مع المستهدفات، الحوكمة، بيئات العمل الجاذبة، العناية بالمواهب). 

تؤدي مثل هذه المؤسسات كذلك دورًا في خلق الثقة بالمستقبل؛ حيث يشعر المجتمع من حولها أن التحرك نحو كسب ثمار ذلك المستقبل ممكن ما دام أن هناك جهدًا وطنيًا فارقًا في نموذج عملها. 

على الجانب الآخر تؤدي مثل هذه المؤسسات دورًا استراتيجيًا في تسويق «القوة الناعمة» و«الصورة الذهنية» للدولة بوصفها دولة تحول، أو دولة مشروع اقتصادي، أو دولة مشروع تنموي. نموذج ذلك جهاز الاستثمار العُماني ومؤسسة (Business Finland) في فنلندا ومؤسسة (Temasek Holdings) في سنغافورة. 

ما تريد قوله هذه المؤسسات هي ثلاث رسائل مشتركة بينها: الإنجاز والتحول الوطني ممكن، والتجربة تتطور بالتعلم من النماذج الدولية، وخلق النموذج الخاص، وتسويق صورة الدولة قد يكون عبر مؤسسات بعينها أسرع من أجهزة متكاملة. 

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان