الناتو يجب أن يموت!
السبت / 12 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:10 - السبت 30 مايو 2026 21:10
تكتسب فكرة إنشاء اتحاد دفاع أوروبي زخماً متزايداً في أنحاء أوروبا، لكن ما دام حلف شمال الأطلسي (الناتو) يواصل هيمنته على أمن القارة فإن احتمال بناء اتحاد دفاعي أوروبي فعّال سيظل أمراً بعيد المنال. ولكي تصبح أوروبا صاحبة سيادة في شؤون الدفاع ـ وفي شؤونها العامة على نحو أوسع ـ فعليها إنهاء وجود الناتو، وهو احتمال يبدو بقدر ما هو ضروري شديد الاستبعاد.
مارك روته رئيس الوزراء الهولندي السابق الذي يشغل اليوم منصب الأمين العام لحلف الناتو أفصح مؤخراً - من حيث لا يقصد ربما - عن حقيقة أثارت دهشة واسعة في أنحاء أوروبا؛ فقد وصف الحلف ليس مجرد درع دفاعي لأوروبا، بل باعتباره «منصة للولايات المتحدة لإسقاط قوتها على المسرح العالمي» مضيفاً أن «الاستفادة من الأصول الرئيسية هنا في أوروبا» تُعد «أمراً حاسماً أيضاً لنجاح هذه الحملة الأمريكية-الإسرائيلية» ضد إيران.
روته محق؛ فالناتو بات بمثابة قاعدة متقدمة لحروب لم تخترها أوروبا ضد خصوم لا تعتبرهم أوروبا أعداءً لها، وذلك خدمةً للطموحات العالمية لقوة أصبحت مصالحها وقيمها تتباعد أكثر فأكثر عن مصالح أوروبا وقيمها. لقد أدرك القادة الأوروبيون دائماً أن التحالف الأطلسي كان زواجاً غير متكافئ، لكنهم قبلوا بهذه المعادلة مقابل وعدٍ بالأمن.
أما اليوم مع تزايد الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا يبدو روته شخصية معزولة وهو يواصل الاحتفاء بترتيبٍ يُبقي أوروبا مربوطة بالإمبراطورية الأمريكية. وحتى داخل الأوساط الأوروبية الأطلسية الموالية للناتو بدأت القناعة بأن الحلف سيعود تلقائياً إلى وضعه التقليدي بمجرد مغادرة دونالد ترامب للسلطة تتآكل تدريجياً، وإن كان ذلك ببطء شديد.
إن الخضوع الدائم لأهواء الولايات المتحدة لا يمكن أن يشكّل استراتيجية دفاعية أوروبية حقيقية.
وفي الوقت ذاته يدرك حتى أكثر الأوروبيين محافظةً أن الناتو من دون الولايات المتحدة سيكون أشبه بدراجة بلا راكب. ولهذا تتزايد الدعوات إلى إنشاء اتحاد دفاع أوروبي يُرجَّح أن يتخذ شكل «ائتلاف للراغبين» يُؤسَّس عبر آلية «التعاون المعزَّز» التابعة للاتحاد الأوروبي مع امتداده ليشمل النرويج والمملكة المتحدة.
لكن هنا تكمن المعضلة؛ فطالما استمر وجود الناتو سيبقى من المستحيل قيام بديل أوروبي قابل للحياة.
إن أي اتحاد دفاع أوروبي يعمل بصورة سليمة يحتاج إلى إجابات واضحة عن أربعة أسئلة صعبة: من الذي يصدر أوامر شراء الأسلحة الأوروبية؟ ومن الجهة التي ستصدر الدين المشترك اللازم لتمويلها؟ وكيف سيُوزَّع هذا الإنفاق بين «الأبطال الوطنيين» للدول الأعضاء في الصناعات الدفاعية؟ وأخيراً ـ وليس آخراً بالتأكيد ـ من الذي سيأمر الأوروبيين الذين يرتدون الزي العسكري بأن يقتلوا ويُقتَلوا؟
لا يمكن أن تكون الإجابات المنطقية عن هذه الأسئلة ذات طابع حكومي-بينـي، كما أن الناتو عاجز عن تقديمها؛ فلكي تتمكن أوروبا من بناء اتحادها الدفاعي لا بد أولاً من قيام اتحاد سياسي؛ ذلك الاتحاد الذي تجنّب مهندسو الوحدة النقدية الأوروبية إنشاءه منذ البداية.
ويرى البعض أن التهديدات الوجودية التي تواجهها أوروبا اليوم، ولا سيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، قد تخلق الزخم اللازم لتحقيق اتحاد سياسي، وهو الزخم الذي فشلت أزمة اليورو، ثم جائحة كورونا في توليده.
سواء صحّ هذا الرأي أم لا؛ فثمة أمر واحد واضح: لا يمكن لاتحاد دفاعي فعّال أن يقوم من دون اتحاد سياسي، واستمرار وجود الناتو يقف على النقيض من هذا الهدف.
بالنسبة إلى جيل الحرب الباردة كان إخضاع الدفاع الأوروبي للأولويات الأمريكية أمراً منطقياً؛ فقد توحّدت النخب الأمريكية والأوروبية الغربية حول خوفٍ وجودي حقيقي من الاتحاد السوفييتي، كما جمعها أيضاً نظام مالي حوّل أوروبا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى جهة تعيد تدوير الفوائض الأمريكية. وحتى بعدما تحوّلت الفوائض الأمريكية إلى عجزٍ هائل استمرت أوروبا في إعادة تصدير فوائضها الدولارية إلى الولايات المتحدة؛ فالأمريكيون كانوا يشترون السيارات الألمانية وحقائب الرفاهية الفرنسية بينما كان الأوروبيون يستخدمون تلك الدولارات لشراء الديون الأمريكية والأسهم والعقارات في الولايات المتحدة.
ثم سقط جدار برلين، وتحول الاتحاد السوفييتي إلى قطعة متحفية من الماضي فيما لم تكن روسيا بوريس يلتسين ترغب في شيء أكثر من الانضمام إلى الغرب بما في ذلك حلف الناتو. لم تعد الولايات المتحدة تخشى روسيا؛ فما كانت تخشاه حقاً هو قيام علاقة وثيقة أكثر مما ينبغي بين ألمانيا وروسيا؛ لأن ذلك قد يهدد هيمنتها على أوروبا.
كانت الصناعة الألمانية تعتمد على الغاز الروسي، لكن الصادرات الألمانية كانت تعتمد بدورها على العجز الأمريكي، وهو ما منح الولايات المتحدة النفوذ الذي احتاجته لضمان خضوع ألمانيا لسياستها المزدوجة الرامية إلى منع اندماج روسيا في أوروبا. فمن جهة عملت واشنطن على إفقار المجتمع الروسي عمداً، ومن جهة أخرى، وسّعت الناتو شرقاً، لتُهيّئ بذلك الظروف المثالية لصعود رجل قوي مثل فلاديمير بوتين.
ومع تمدد الناتو شرقاً اكتشفت نخبٌ حاكمة جديدة ـ في دول البلطيق، وكذلك في بولندا، والآن في فنلندا ـ أنها قادرة على لعب أدوار تتجاوز بكثير وزنها الحقيقي داخل الاتحاد الأوروبي، وذلك عبر التحول إلى أكثر الوكلاء حماسةً للمشروع الأمريكي التوسعي المفرط.
وفجأة لم تعد أوروبا تعاني فقط من صدعها التقليدي بين الشمال والجنوب ـ الذي يفصل ألمانيا وهولندا صاحبتَي الفوائض عن اليونان وإيطاليا وإسبانيا الغارقة في العجز ـ، بل أضيف إليها انقسام جديد بين معسكر شرقي متشدد في التوسع ومعسكر غربي أكثر اعتدالاً؛ بحيث أخذ كل طرف يجرّ الاتحاد الأوروبي في اتجاه مختلف.
وحتى لو افترضنا أن الولايات المتحدة ليست معنية بتقسيم أوروبا لتسهيل السيطرة عليها، فإن الناتو ساهم في تضخيم القوى الطاردة للمركز، تلك التي جعلت بناء اتحاد سياسي أوروبي ـ وبالتالي أي اتحاد دفاعي فعّال ـ أمراً مستحيلاً.
ولهذا ينبغي لأوروبا أن تغادر الناتو؛ ليس لأن روسيا دولة ودودة، فهي ليست كذلك، ولا لأن أمريكا شريرة بطبيعتها؛ فهي ببساطة قوة إمبراطورية، بل لأن تحالفاً يؤدي دور منصة تستخدمها الولايات المتحدة لإسقاط قوتها على المسرح العالمي سيظل دائماً يوفّر مكاسب كافية لبعض اللاعبين الأوروبيين داخله بما يكفي لإحباط أي محاولة لترسيخ وحدة أوروبا وسيادتها.
أتذكر أن الروائية الإيرلندية إدنا أوبراين قالت يوماً: «خراب القلب يحدث ببطء وخفية متنكراً في هيئة الواجب». وكذلك هو خراب القارة؛ ففي كل مرة يسافر فيها زعيم أوروبي إلى واشنطن، وينحني بخشوع أمام «المكتب الرئاسي» يتفاقم الضرر ببطء، وبخفاء، وتحت ستار الواجب.
يانيس فاروفاكيس وزير المالية اليوناني السابق، وهو زعيم حزب MERA25 وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا
خدمة بروجيكت سنديكيت