إيبولا اختبار للعالم ولا مجال للفشل
السبت / 12 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:06 - السبت 30 مايو 2026 21:06
ترجمة: قاسم مكي
قبل 12 عاما وأثناء التفشي الكارثي لوباء إيبولا في غرب إفريقيا كتبت أن الأمراض المعدية في أي مكان في العالم يمكنها التحول بسرعة إلى مهددات في كل مكان؛ اتضح هذا الدرس بقدر أكبر في السنوات التي تلت ذلك.
اليوم البلدان الأفريقية أفضل استعدادا إلى حد بعيد لمواجهة تفشى الأوبئة الخطرة مقارنة بعام 2014. فالاستثمارات بعد أزمة إيبولا (والتي دعمت الولايات المتحدة العديد منها بواسطة الإدارتين الجمهورية والديموقراطية) عززت أنظمة المختبرات وشبكات المراقبة ومراكز عمليات الطوارئ والتدريب على الاستجابة لتفشي الأوبئة حول القارة.
شاهدنا نتائج ذلك؛ إذ تم التعرف على حالات انتشار إيبولا الأخيرة في أوغندا ومواجهتها بسرعة تزيد كثيرا عن حالات مماثلة قبل عشر سنوات. ويمتلك الآن قادة الصحة العامة والعاملون في المختبرات الطبية والمتعاملون في الخطوط الأمامية مع الوباء في أفريقيا قدرات لم تكن موجودة بالحجم الكافي خلال جائحة 2014. هذه الشراكات والاستثمارات مهمة؛ لقد أنقذت أرواحا.
لكن وباء إيبولا الذي ظهر مؤخرا في جمهورية الكونغو الديموقراطية وأوغندا يذكِّرنا بعدم اكتمال الجاهزية إطلاقا وبوجود فجوات خطرة. وهي فجوات زادها اتساعا في الغالب خفضُ التمويل وأعداد العاملين بواسطة الحكومة الفيدرالية الأمريكية.
تشير تقارير مبكرة إلى أن الوباء الذي تسببت فيه سلالة فيروسية غير معروفة تماما تسمى «بونديبوجيو» ربما انتشر دون أن يُرصد لأسابيع أو حتى شهور قبل التعرف عليه.
وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى وجود ما يقارب 600 حالة اشتباه وأكثر من 130 وفاة مشتبهة. ستزداد هذه الأرقام. (تاريخ نشر المقال 21 مايو - المترجم). وخلافا لسلالات إيبولا الأخرى لا توجد لقاحات مرخصة أو علاجات مؤكدة لسلالة «بونديبجيو».
هذا يغير المعادلة بقدر كبير؛ فبدون اللقاحات والعلاجات سيتوجب على العالم الاعتماد بشدة على الرصد السريع والعزل وتعقب المخالطين والسيطرة على العدوى واللوجستيات والتعاون الدولي لوقف انتشار الوباء. بكلمات أخرى يختبر هذا التفشي لإيبولا قدرة أنظمة الجاهزية العالمية التي أعدت منذ عام 2014 على العمل في ظروف صعبة.
كما يختبر الولايات المتحدة أيضا؛ ففي عام 2018 نشرت إدارة ترامب الأولى استراتيجية وطنية للدفاع البيولوجي تسلط الضوء على الحاجة لتطوير فحوصات وعلاجات ولقاحات بسرعة عند تفشي الوباء. وعقب جائحة كوفيد-19 صادقت بلدان مجموعة السبع على «مهمة المائة يوم» والتي تشكل تعهدا طموحا بتطوير مثل هذه الأدوات خلال 100 يوم من التعرف على أي مهدد وبائي شديد الخطورة.
أدرجت الولايات المتحدة تلك الرؤية في خطتها الخاصة بالاستعداد للمهددات البيولوجية في المستقبل. وتقرر «استراتيجية أمريكا أولا للصحة العالمية» أن على الولايات المتحدة «احتواء حالات انتشار الأوبئة التي تبدأ خارج الولايات المتحدة بسرعة وعند مصدرها».تلك تعهدات مهمة؛ وهي كذلك فقط إذا ترجمت إلى نتائج. لكن لسوء الحظ منذ جائحة كوفيد أضعفت الولايات المتحدة العديد من الأنظمة المطلوبة للاستجابة للأزمات كالأزمة الحالية.
هذه حلقة مألوفة؛ ففي البداية تصاب الولايات المتحدة بالذعر عند نشوب أزمة. ثم يعقب ذلك تجاهلها بمجرد انحسارها. ونحن نشهد تكرار هذه الحلقة مرة أخرى.
ليس من الإنصاف لوم إدارة ترامب على بطء الرصد والاستجابة لتفشي إيبولا. فهو يتركز في منطقة غير مستقرة في الكونغو. ويستطيع فيروس بونديبوجيو تجنب الرصد بالفحوصات الخاصة بسلالات إيبولا المعروفة. لكن تصرفات الإدارة الأمريكية حتى الآن لم تكن مفيدة.
أنهى حل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية برامجا تساعد بلدان كالكونغو وأوغندا في تحسين الأنظمة الصحية المحلية.
كما أوقفت الإدارة الأمريكية منحا وسحبت تمويلا من خطة الرئيس الطارئة لإغاثة مرضى الأيدز.
حدث ذلك على الرغم من إقرار استراتيجية الصحة العالمية الأمريكية بأن نفس البنية التحتية الصحية (بما في ذلك المختبرات وعاملي الرعاية الصحية) التي استخدمت في مكافحة فيروس نقص المناعة المكتسب/ الإيدز (السل) والملاريا يمكن توظيفها لمواجهة تفشي الوبائيات الجديدة. كانت نفس تلك الاستراتيجية ناجحة في مكافحة جائحة إيبولا في غرب إفريقيا.
في الأثناء، العديد من وظائف العاملين بالخارج في وكالة «مراكز السيطرة على الأمراض ومنعها» شاغرة. وأدى الخفض الكبير لأعداد العاملين بوكالات الصحة الفيدرالية خلال فترة الـ 16 شهرا الماضية إلى تقليص القدرات داخل الولايات المتحدة وفي الخارج. والعديد من الوظائف القيادية الرئيسية بهذه الوكالات شاغرة أيضا بما في ذلك وظائف المديرين الدائمين بوكالة مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها وإدارة الأغذية والأدوية. كما ضعفت خبرة الاستعداد لمكافحة الأمراض المعدية بمجلس الأمن القومي. وشُلَّت قدرات مكتب سياسة التأهب والاستجابة للجائحة.
هذه ليست مسائل بيروقراطية وتجريدية. بل تؤثر مباشرة على قدرة الولايات المتحدة على رصد المهددات مبكرا ونقل الأفراد والإمدادات بسرعة والتنسيق سواء بين الوكالات الفيدرالية أو مع الشركاء الدوليين ودعم الشركاء في الخطوط الأمامية بمناطق تفشي الأوبئة وقبل انتقالها إلى الولايات المتحدة. فانتشارها لا ينتظر الحكومات حتى ترتب أمورها.
مع ذلك لدى الولايات المتحدة ميزات استثنائية إذا اختارت استخدامها. فالبنية التحتية لأبحاث الطب الحيوي التي تملكها وقدراتها التصنيعية وإمكانياتها اللوجستية ومدى قدرتها على الاستجابة للحالات الطارئة ليست مجرد أصول استراتيجية. إنها أدوات للاستقرار والأمن ويمكنها المساعدة في احتواء انتشار الوباء بسرعة إذا وظِّفَت بحكمة.
تدرك استراتيجية الحكومة الأمريكية هذا؛ فهي تتعهد بأن الولايات المتحدة «عند الضرورة ستزيد أجهزة تشخيص الأمراض واللقاحات والعلاجات ومعدات الوقاية الشخصية والمواد الأخرى للمساعدة في الاستجابة (للوباء)». كما تُلزم الاستراتيجية الولاياتِ المتحدة بالدخول في شراكات متعددة الأطراف تستهدف أغراضا محددة.
هذا التفشي الجديد للوباء اختبار لصدقية هذه الكلمات. على الولايات المتحدة الشروع فورا وبقوة في دعم جهود الاحتواء التي يقودها الأفارقة عبر الخبرة الفنية والدعم المختبري ولوجستيات الطوارئ وتسريع تحويل الأبحاث إلى اختبارات ولقاحات وعلاجات لفيروس إيبولا. عليها أن تعمل في تعاون وثيق مع المراكز الإفريقية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها ووكالة الصحة العالمية والآخرين لاحتواء الوباء بأسرع ما يمكن عند مصدره. هذا ليس عملا خيريا. إنه حماية للأمريكيين في الولايات المتحدة وخارجها من مرض فتّاك.
تستغل مسبِّبات الأمراض التلكؤ والغفلة والإنهاك السياسي. وهي تنتقل عبر «الشقوق» التي نسمح بتشكلها في أنظمتنا الخاصة بالصحة العامة وشراكاتنا الدولية.
نحن نزعم أننا تعلمنا من الجوائح السابقة أن الأمراض تظهر مرارا وتكرارا ولا تحترم الحدود. لكن يمكن احتواؤها إذا نسقت الولايات المتحدة جهودها بسرعة مع شركائها ووظفت أصولنا اللافتة.
بعد 12 عاما من أزمة إيبولا في غرب إفريقيا يظل السؤال أمامنا ليس حول ما إذا كان في مقدورنا إنشاء قدرات استجابة للأمراض في إفريقيا أو زيادة الموارد بقدر كاف لاحتواء تهديد وباء. بل يتعلق بمدى استعدادنا للتحرك بشكل حاسم وفعال لإنقاذ الأرواح وإنهاء تفشي هذا الوباء بسرعة.
مايكل أوسترهولم أستاذ ومدير مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية
الترجمة عن واشنطن بوست