هذه هي طريقة هزيمة بوتين
السبت / 12 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:05 - السبت 30 مايو 2026 21:05
ترجمة: أحمد شافعي
ما من نظام شديد المركزية يستطيع الإفلات طويلا من أسئلة الداخل وضغط الخارج. وسوف يأتي يوم تدخل فيه روسيا مرحلة ما بعد بوتين. وتشير تقارير حديثة إلى ازدياد ضعف الاقتصاد الروسي، وغضب المجتمع الروسي، وتراجع الثقة داخل نظامه؛ لكن سيكون من الحماقة الظن بأن النهاية قريبة. فلا يقدر على الإطاحة ببوتين إلا الموت أو روسيا، ولا أحد يعلم متى أو كيف سيحدث ذلك. وكل ما بوسع الدول الديمقراطية في أوروبا وغيرها أن تفعله هو أن تصقل استراتيجية لإلحاق الهزيمة بمطامحه الخارجية. وإليكم قائمة مبدئية بثمانية عناصر لهذه الاستراتيجية.
أولا، إيضاح الهدف. يهدف بوتين إلى إخضاع أوكرانيا، واسترداد أكبر قدر ممكن من الإمبراطورية الروسية، وتدمير مصداقية الناتو، وتقويض الاتحاد الأوروبي وإعادة تأسيس مجال النفوذ الروسي في شرق أوروبا. وتكمن هزيمته في الحيلولة دون تحقيق هذه الأهداف.
ثانيا، البقاء على مسار الاصطفاف مع أوكرانيا. في الحادي عشر من يونيو، ستكون حرب روسيا الشاملة ضد أوكرانيا قد استمرت لفترة أطول من الحرب العالمية الأولى. فالمنجز الذي حققته أوكرانيا بصمودها أمام خصم أكبر منها كثيرا منجز مدهش. وفي ضوء وجود منطقة قتل الطائرات المسيرة على الجبهة فإن أرجح الاحتمالات هو أن هذه الحرب سوف تتقرر على الجبهة، ولكن الجانبين يتبادلان الضرب في الداخل أيضا، موجهين ضرباتهما لبنية الطاقة الأساسية والاقتصاد والحالة المعنوية. وقد بات الدفاع عن أوكرانيا أشد صعوبة بسحب دونالد ترامب للدعم الأمريكي، لكنه لم يتجمد.
فقد أدى سقوط فكتور أوربان في المجر إلى إتاحة دعم اقتصادي أوروبي يبلغ تسعين مليار يورو وذلك ما ينبغي أن يكفي الميزانية الأوكرانية حتى نهاية 2027. وبرغم أن مسارات كثيرة باتت ممكنة لكن أرجحها هو أن هذه الحرب سوف تستمر لبعض الوقت.
لكنها لن تنتهي فور أن تنتهي؛ فخلافا ليوم النصر في عام 1945، لن نعرف أي طرف انتصر فور أن يتوقف تبادل إطلاق النار. فتحقق «السلام» -وأرجح أشكاله يتمثل في وقف لإطلاق النار يتحول إلى تجميد أطول للأعمال العدائية على طول خط المواجهة الراهن- لن يكون إلا لحظة خطر أخرى على أوكرانيا.
وعلى المستوى الداخلي، يمكن لجميع الاختلافات والصدمات الاجتماعية المتراكمة على مدى سنوات الحرب أن تتفجر في حملة انتخابية رئاسية غاضبة تترتب عليها بدرجة كبيرة سياسات انقسامية.
وعلى المستوى الخارجي، قد يتحول اهتمام أوروبا سريعا إلى مكان آخر، مثلما تحول عن البوسنة بعد اتفاقية دايتون للسلام سنة 1995. والمؤسف أن ثمة مستقبلا محتملا تماما تتحول فيه أربعة أخماس أوكرانيا التي لا تحتلها روسيا إلى دولة غير مأهولة بالسكان، تفترسها الصراعات الداخلية، ويستشري فيها الخلل. وسيكون هذا نصرا لخطة بوتين البديلة وهي تخريب أوكرانيا إن لم تتسن السيطرة عليها.
فقط حينما تكون أوكرانيا دولة مزدهرة آمنة مستقرة ديمقراطية منضمة إلى الاتحاد الأوروبي سوف يتسنى لنا القول بأن بوتين مني فيها بالهزيمة.
ثالثا، زيادة الضغط الاقتصادي على روسيا. يتمثل أثر عكسي من آثار حرب ترامب الاختيارية على إيران في زيادة عائدات النفط والغاز الروسيين، ورفع العقوبات المفروضة على روسيا جزئيا. ومن أجل إلحاق الهزيمة ببوتين، لا بد أن يحدث العكس. فإلى جانب تشديد العقوبات ودعم الضربات الأوكرانية بعيدة المدى لبنية الطاقة الأساسية في روسيا، يجب أن تشدد أوروبا الضغط على أسطول روسيا غير الرسمي؛ إذ إن قرابة نصف صادرات روسيا النفطية تمر عبر بحر البلطيق محمولة في حاويات غالبا ما تكون خاضعة بالفعل للعقوبات.
رابعا، ردع أي هجمة روسية أخرى. ثمة اهتمام كبير موجه عن حق إلى تنظيم فترة ما بين خمس سنوات وعشر للانتقال من اعتماد الأمن الأوروبي على الولايات المتحدة إلى وضع يتسنى فيه لأوروبا أن تدافع عن نفسها. لكن الخطر الأكبر لتوجيه روسيا ضربة لأراضي الناتو والاتحاد الأوروبي قد يأتي في أولى سنوات هذا الانتقال، وبخاصة في 2027-2028.
فبوتين رجل كبير السن، في عجلة من أمره، يسيطر عليه استرداد العظمة الروسية، ومنفصل عن الواقع - كما يحدث عادة في الأنظمة شديدة الشخصنة حين يطول بها الحكم، وعنده جيش ضخم متمرس بالحروب فضلا عن اقتصاد حرب. وهو يواجه أوروبا إذ تبدأ في إعادة تسليح نفسها ورئيسا للولايات المتحدة لا يحترم مادة الناتو الخامسة الملزمة بالدفاع عن أي بلد عضو من أوروبا الشرقية يتعرض لهجوم.
لكن ليس لبوتين أن يعتمد على وجود ترامب في البيت الأبيض إلا حتى العشرين من يناير سنة 2029. ومن ثم فهذه هي الفرصة المثلى، وقد تكون الأخيرة، ليظهر أن الناتو محض نمر من ورق. ولن يكون مرغما على القيام بهجمة جبهوية هائلة، إذ حسبه الاستيلاء على بضعة كيلومترات من إستونيا أو لتوانيا أو جزيرة في البلطيق أو أي مكان آخر في الجناح الشرقي.
وحتى لو أن احتمال وقوع هذا الهجوم ضئيل، فإن المخاطر المصاحبة له كبيرة بدرجة تعزيز الردع أمرا لا غنى عنه.
ولو كان بوسعنا الاعتماد على رئيس الولايات المتحدة لكانت تدابير الناتو الحالية كافية للغرض. لكن بما أن ذلك ليس بوسعنا، فعلينا أن نضع استراتيجية بديلة تكون فيها القوات الأوروبية (ومنها القوات الألمانية بصفة خاصة) التي تعمل حاليا بقيادة الناتو بجانب القوات التابعة للتشكيلات الإقليمية من قبيل القوة الاستكشافية البريطانية الشمالية البلطيقية الهولندية المشتركة قادرة بمفردها قدرة مقنعة على ردع هذه الهجمة . وهذا تحد كبير، وبات الآن جوهريا.
خامسا، لا تكتفوا بالدفاع على الجبهة الهجينية. يذهب بحث حديث ممتاز صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أنه في ضوء حجم الحملة الهجينية الروسية على أوروبا، لا بد ألا نكتفي بالدفاع ولكن علينا أن نتجاوز ذلك إلى الإعاقة وإلى الهجوم عبر طرق محددة بعناية.
سادسا، خاطبوا جميع الروس. لقد شهدنا نقاشا حول تمثيل أوروبي رفيع المستوى مفوض للحديث مع بوتين. لكن ماذا سيقولون إذا ما حدث وأنصت إليهم؟ نعم، يجب الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الكريملين، ومنها قنوات خلفية. لكن اللغة الوحيدة التي يفهمها بوتين حقا هي القوة العسكرية والاقتصادية المقترنة بإرادة سياسية.
وأهم من ذلك أن يكون هناك حديث مع ثلاث فئات روسية أخرى: النخب التجارية والمهنية وحتى البيروقراطية التي لا تزال حاضرة في روسيا، والمجتمع الروسي بصفة أعم، و«روسيا الأخرى» التي تعيش الآن إلى حد كبير خارج روسيا وترغب في إلحاق الهزيمة ببوتين رغبة تتجاوز رغبة من عداها. وفي حين أن الرسائل المحددة سوف تختلف، لكنها سوف تنطوي على موضوع مشترك: «من الممكن إقامة علاقة أخرى مع روسيا إذا ...». ولن يحدث هذا اختلافا كبيرا في المدى القريب لكن بوسعه أن يثمر حينما تحين لحظة التغيير.
سابعا، تخلصوا مما لدينا من القوميين. ليس لدى بوتين بديل جاهز للرئيس المجري أوربان يستعمل حق النفط على طاولة صنع القرار في بروكسل. فالرئيس السلوفاكي روبرت فيكو لا يقارن بأوربان. لكن الأحزاب القومية الشعبوية المناهضة لليبرالية لا تزال حاضرة بقوة في أماكن أخرى من أوروبا. وفوز جوردان بارديلا بالرئاسة الفرنسية في عام 2027، ناهيكم بحزب (البديل من أجل ألمانيا) إن أصبح الحزب الأكبر في البرلمان الألماني (البوندشتاج) سنة 2029، سوف يمنحان لبوتين فرصا جديدة لقسمة أوروبا على نفسها.
أخيرا، لا تكتفوا بالعمل، بل اثبتوا عليه. لقد قضيت من عمري سنين لا أبالي بإحصائها عددا في دراسة السياسات الغربية تجاه الاتحاد السوفييتي.
ومما خلصت إليه نتيجة واضحة: هي أن أهم شيء قمنا به للانتصار في الحرب الباردة لم يكن شيئا في سياستنا الخارجية ولكن ببساطة أننا جعلنا مجتمعاتنا آمنة قوية مزدهرة وجذابة، ثم ثبتنا على ذلك. وهكذا الآن. قد يحدث تغيير كبير في السياسة الروسية غدا، وقد تمر عشر سنين ولا يحدث. وأصعب التحديات التي تواجهها حفنة البلاد الديمقراطية الليبرالية هو أيضا أهم التحديات: الصبر الاستراتيجي، فتحلوا به، وسيكون الزمن في صالحكم.
تيموثي جارتن آش مؤرخ وكاتب سياسي في صحيفة ذي جارديان