قاسم حداد: نحن الخسارة الدائمة في الحياة
يواصل مساءلة العالم من داخل القصيدة والحرية واللغة
السبت / 12 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:41 - السبت 30 مايو 2026 20:41
حوار ـ فيصل بن سعيد العلوي
لم يكن ببالي وأنا أجري حواري الصحفي الثاني مع الشاعر قاسم حداد أن أصل إلى هذا النوع من الاختزال، ولم تكن المسألة متصلة بقِصر الإجابات وحده؛ فالكلمات القليلة ليست دائما أقل اتساعا من الكلمات الكثيرة، وبعض الجمل تستطيع أن تترك خلفها أصداء أطول من صفحات كاملة.. ما استوقفني ذلك الأثر الذي يتركه الزمن على أصحاب الأصوات الطويلة.
في حواري الأول معه في 2011م كان قاسم حداد يذهب بعيدا في الإجابة؛ حيث يفتح الفكرة على أبواب أخرى، ويترك السؤال يتشعب إلى أسئلة إضافية. وربما كان ذلك واحدا من الأسباب التي دفعتني إلى أن أعود إليه مرة أخرى؛ فثمة أسئلة ظلّت معلقة في ذهني منذ ذلك الحوار.. كانت هناك أفكار تركها مفتوحة، وتركتني بدوري أبحث عما آلت إليه بعد كل هذه السنوات، وأتحسس مصير تلك الأسئلة القديمة في زمن تغيّر كثيرا.
في هذه المرة جاءت الجمل مقتضبة وأكثر ميلا إلى التوقف المبكر كأن الشاعر الذي قضى عمره في ملاحقة المعنى بات يكتفي بالإشارة إليه، وتركه يكمل طريقه وحده. ربما يفعل العمر ذلك أحيانا؛ يخفف فائض الشرح، ويجعل صاحبها أقل رغبة في مطاردة التفاصيل التي كان يلاحقها بحماسة في سنوات سابقة.
ومع ذلك ظل قاسم حداد الذي عرفته سابقا حاضرا في هذه الإجابات القصيرة إيمانه بالحرية، وشكه الدائم في اليقين، وانحيازه للسؤال، وقلقه القديم من الخضوع للأجوبة الجاهزة كأن السنوات اختزلت المسافة بين الفكرة وصاحبها؛ فلم تعد الرؤية تحتاج إلى مقدمات طويلة كي تصل.. وربما لهذا السبب وجدت نفسي هذه المرة مضطرا إلى كتابة مقدمة أطول مما اعتدت في حواراتي السابقة في محاولة إيجاد نوع من التوازن بين إجابات اختارت طريق الاختزال، وأفكار أعرف أنها أمضت عمرا كاملا وهي تتسع وتتفرع وتجادل.. وربما لهذا السبب بدا لي الحوار هذه المرة مختلفا. كنت أقرأ الإجابات القصيرة، وأشعر أحيانا أن الصمت الذي يحيط بها يتكلم أيضا، وأن ما لم يُكتب فيها لا يقل حضورا عما كُتب؛ فبعض الشعراء يصلون إلى مرحلة لا يطيلون فيها الحديث عن الأشياء؛ لأنهم باختصار أمضوا أعمارهم كلها في قولها.
في حواري السابق معك قلتَ: إن أخطر ما يواجه الشعر هو وهم الغاية، وإن الخذلان يبدأ حين نحمّل القصيدة ما لا تحتمله من نتائج في الواقع. بعد سنوات من تصاعد الأزمات، وتحوّل الخيبات إلى حالة عامة؛ هل تغيّر وعيك بفكرة الخذلان نفسها، أم أن الشعر ما زال قادرًا على حماية صاحبه من السقوط في هذا الوهم؟
الخذلان يصارع الواقع، وقد تكون هذه مهمته من حيث هي الشيء الوحيد الذي يتقنه؛ إذ إن واقعنا هو خذلان كامل في العالم ولأجله. وأظن أن ذلك الخذلان يكتمل بموتنا. نحن الخسارة الدائمة في الحياة. والشعر بطريقته الخاصة قادر على أن ينجينا من السقوط في هذا الخذلان ووهم النجاح.
تظهر اللغة في تجربتك كقوة سابقة على فعل الكتابة، كأن الشاعر يدخل حقلها لا العكس.. متى أدركت أن دورك لم يعد قيادة النص، وإنما الإصغاء لما تفرضه اللغة من مسارات؟
لم أدرك هذه الحقيقة بعد، أو أنني لا أريد إدراك ذلك من الأساس؛ فأنا شخص يحب أن يتبع النص ويطيعه في الكتابة. قلت مرة ما معناه أن النص سيدٌ أقبلَ بينما الكتابة عبدٌ يأتي بعد ذلك ليتبع النص. وما أزال مؤمناً بذلك.
هل كانت الكتابة لديك فعل حماية ذاتية أم مواجهة طويلة مع ما حاول الواقع إسكاتَه؟
أعتقد أن الكتابة فعل مواجهة دائمة مع الواقع المتجاهل. إنه الواقع الذي يقف ضد الكاتب، وضد حمايته. والنتيجة النهائية هي أن ما يحمي الكاتب هو الكتابة فحسب.
علاقتك بالتراث العربي تقوم على شدّ وجذب مستمرين.. كيف استطعت بعد هذا العمر أن تُبقي القصيدة الحديثة يقِظة أمام ميراث لغوي وثقافي كثيف دون أن تتحول إلى إعادة إنتاج؟
مرة سئل الشاعر محمد الماغوط: هل تعود إلى التراث؟ فأجاب: «أنا مش حابب أعود إلى البيت، فكيف تريدني أن أعود إلى التراث»؟ هذا الشد والجذب الذي تشير إليه قد يكون السجال المشوّق في هذه العملية، ثم إن «من فات قديمه تاه» حسب المثل المصري البليغ، فنحن لا نستطيع العيش بلا تاريخ.
حضور الجسد في نصوصك فتح بابًا واسعًا للتأويل والجدل ما الذي أردتَ للقصيدة أن تقوله حين جعلت الجسد مركزًا للتجربة لا هامشًا لها؟
الجسد هو دوماً مركز العناية الأدبية عموماً، والشعر خصوصاً. وفي هذا أود تكرار القول: إن الشعر يموت إن لم يكن دوما قابلاً للتأويل والجدل.
نحن لا نكتب (أو لا يجدر بنا أن نكتب) شعراً يموت بعد القراءة؛ إذ إن ما أرى قول يظل قاصرا بلا قارئ سجالي يشك ويناقض ويسأل.
في مشاريعك المشتركة مع الفن التشكيلي يبدو أن النص يتخلى عن موقع السيطرة.. هل كان هذا الخيار محاولة لتفكيك فكرة النص المتفرّد وإعادة توزيع المعنى؟
بالنسبة لي؛ ليس العمل المشترك سيطرة النص على الفنون الأخرى. عندي أن النص ذو قوة متكافئة مع غيره من الفنون. وهكذا فإنه ينبغي أن يُرى إلى الأمر بوصفه عملاً مشتركاً، وليس باعتباره مسألة صراع فنون.
كيف أعادت تجربة السجن وما تركته من أثر في مسارك في صياغة فهمك للشعر كحياة يومية لا كمنتج ثقافي؟
الشعر هو نفسه. لقد كان هكذا، وسيبقى كذلك. أما السجن فقد جعلني أفكر أكثر في الحرية بوصفها معطى سابق على الكتابة عموماً، والشعر خصوصاً. تبقى الحرية هي الدرس الأهم في السجن وقبله، والحرية هي الدرس الدائم.
أتراهن على قراءة تعيد بناء النص في كل مرة، حتى لو جاء ذلك على حساب الانتشار الواسع؟
الانتشار الكبير ليس قيمة فنية، أو معطى نقدياً وجمالياً على طريقة الجماهير في المسابقات والألعاب الرياضية. أما اللعب ففنٌّ آخر يختلف عن الشعر بمعنى من المعاني. وإذا كنت أجيد كتابة الشعر بمعنى من المعاني فإنني قد لا أحسن كرة القدم بكل المعاني مثلاً .
أين تضع الحد الفاصل بين ما يخصك وما يحق للقصيدة أن تأخذه من حياتك؟
باختصار وبساطة فإن الشعر حياتي. وما يخصني هو ملك للشعر، والعكس صحيح أيضاً. لقد بذلت الكثير من المجموعات الشعريَّة، والسنوات، والآلام من أجل محاولة إثبات هذا.
... حتى أكثر نصوصك حميمية تحمل أثرًا من مساءلة السلطة.. أترى أن الشعر قادر على الانفصال الكامل عن شروط السياسة والواقع؟
موقفي الدائم المستمر هو محاولتي مساءلة السلطة: لماذا هي موجودة برغم معرفتها رفض الشعب لها؟ إنها تعلم ذلك والشعب يتأكد من ذلك يوماً بعد يوم. أما عن «الانفصال الكامل» للشعر عن شروط السياسة ومعطيات الواقع فينبغي أن يكون رأيي معروفاً للجميع بعد كل هذا الزمن والجراح.
... لكن ما الذي بقي للشعر في عالم تتآكل فيه اللغة نفسها؟ وهل ما زلت ترى فيه قدرة على الإنقاذ، ولو على مستوى فرد واحد؟
اللغة لا تتآكل، بل الشعراء هم من يفعل ذلك. كم ألف سنة عمر اللغة العربية؟ وكم بقي منها؟ كلما تطور الشعر تطورت اللغة؛ فالتجديد في الشعر والتجريب فيه يجعل اللغة حية ومتألقة. سيبقى كل شيء مع اللغة، وسوف نرى.