العيد في عيون المقيمين.. حين تصبح عُمان وطنا آخر للقلوب البعيدة
السبت / 12 / ذو الحجة / 1447 هـ - 16:01 - السبت 30 مايو 2026 16:01
ما إن تلوح تباشير العيد حتى تتداعى في أرواح المغتربين مواجع الشوق دفعة واحدة، كأن المواسم تملك مفاتيح الذاكرة الخفية؛ فتوقظ ما خدّرته الأيام من الحنين. عندها تبدأ الأرواح رحلة التيه نحو البيوت البعيدة:
لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ
أَقفَرتِ أَنتِ وَهُنَّ مِنكِ أَواهِلُ
وتتهادى إلى القلب صور الأمهات وهن يُعددن تفاصيل العيد القديمة، وضحكات الأبناء في زوايا المنازل، ووجوه الآباء التي أرهقها الانتظار، وأصوات الجيران التي كانت تمنح الأمكنة دفأها المعتّق.
وفي زحام هذه الذكريات يقف المغترب مشدود الروح إلى وطن يتسع داخله كلما ابتعد عنه. يحدق طويلا في شاشة هاتفه مترقبا اتصالا من أسرته، ويسارع ليكلم أمه التي أنهكها الفقد، أو أطفاله الذين يكتم عبرة متحشرجة في صدره وهم يسألونه ببراءتهم المؤلمة: متى تعود؟ تتعانق الأصوات عبر المسافات، وتزدحم المعايدات في الهواتف ومقاطع الفيديو، لكن شيئا ما يبقى ناقصا؛ ذلك أن الأعياد لا تكتمل عبر الشاشات، وأن دفء الأمهات لا تنقله المكالمات مهما تزينت الكلمات.
الغربة في الأعياد ليست غياب جسد فحسب، بل انطفاء جزء من الروح كلما دوت تكبيرات العيد بعيدا عن الديار. ولهذا يحاول المغتربون أن يحيكوا من الذكريات وطنا مؤقتا يقيهم وحشة الروح، وأن يتكئوا على ما يجدونه من مودة واحتواء في المجتمعات التي يعيشون فيها.
وفي سلطنة عُمان وجد كثير من المقيمين فسحة إنسانية تخفف عنهم بعض ما تتركه الغربة من ندوب خفية؛ إذ استطاعت بعفوية أهلها وكرم معاشرتهم ودفء مجتمعها أن تمنح المقيم شعورا بالألفة حتى بدا العيد فيها أقل قسوة وأقرب إلى القلب. هنا لا يُنظر إلى الغريب بوصفه عابرا مؤقتا، بل يُستقبل بكل إنسانيته؛ له مكانه واعتباره، فيجد لنفسه بين العُمانيين مساحة من الطمأنينة تشبه دفء البيوت الأولى.
ففي الأعياد تحديدا تتجلى ملامح المجتمع العُماني بأبهى صورها؛ أبواب مفتوحة، ومجالس عامرة، ووجوه تستقبل الجميع بابتسامة صادقة، وأيادٍ تمتد بالقهوة والحلوى والشواء قبل أن تمتد بالكلمات. حتى ليشعر كثير من المقيمين أن المسافات التي تفصلهم عن أوطانهم تضيق قليلا أمام هذا الاحتواء الإنساني النادر.
ومن خلال هذا الاستطلاع نقترب من حكايات مغتربين من لبنان ومصر وتونس، لنصغي إلى ارتجافات الحنين في أصواتهم، ولنكتشف كيف استطاعت عُمان أن تربت على كتف الغريب وتمنحه شيئا من سكينة الوطن.
الحنين إلى لمّة العائلة
تقول حنان شهاب وهي معلمة لبنانية تقيم في ولاية بوشر منذ أربع سنوات: إن يوم عرفة وأيام عيد الأضحى تعيد إلينا تفاصيل كثيرة كنت أعيشها في وطني لبنان؛ تكبيرات الفجر، ولمّة العائلة، وصوت الضحكات المتناثرة في أرجاء البيت، ورائحة المعمول والمدّ بالقشطة التي كانت والدتي تحرص على إعدادها كل عيد. ويشتهر شمال لبنان بحلاوة الجبن والجزرية والمدلوقة والمفروكة، في حين تشتهر منطقة الجنوب بحلوى السنيورة في صيدا خاصة، والغريبة أيضا.
وتقوم العائلات التي تعايد بعضها بعضا بتقديم الحلوى هدية مثل البقلاوة والبيتي فور وزنود الست وعيش السرايا، إضافة إلى الشوكولاتة والملبن والنوغا والسكاكر الملبس والمعمول والكعك.
لكن الحنين بالنسبة لحنان لم يعد مجرد اشتياق عابر، فلبنان الذي تركته خلفها لا يزال يئن تحت وطأة الأزمات والحروب والقلق المستمر، ولهذا تصبح الأعياد أكثر وجعا؛ إذ تمتزج فيها الذكريات بالخوف على أهل تركتهم هناك يواجهون تعب الحياة وتقلباتها.
وتقول بصوت يثقل بالحنين: 'في كل عيد أشعر أن قلبي منقسم بين فرحة العيد هنا وقلقي على من أحبهم هناك. أحيانا يكفي صوت تكبيرة واحدة حتى تعود بي الذاكرة إلى بيتنا القديم في لبنان'.
وتضيف: إن المجتمع العُماني استطاع أن يخفف كثيرا من وطأة هذه المشاعر، مؤكدة أنها وجدت في سلطنة عُمان احتواء إنسانيا نادرا، فالعُمانيون -كما تصفهم- أصحاب قلوب بيضاء، يستقبلون الناس بمحبة صادقة واحترام كبير دون تفرقة بين مقيم ومواطن.
وتتابع: 'أكثر ما يلامس القلب في عُمان هو طيبة أهلها الهادئة. الناس هنا لا يتصنعون الكرم، بل يعيشونه بعفوية جميلة. تشعر أن الابتسامة حقيقية، وأن الترحيب نابع من القلب'.
وتشير إلى أن أجواء العيد في عُمان ارتبطت لديها بالشواء العُماني والحلوى والقهوة العُمانية التي تُقدّم في المجالس بكل ترحاب، لافتة إلى أن طقوس الضيافة العُمانية تحمل في داخلها معنى عميقا للإنسانية والاحتواء.
كما أبدت إعجابها بالفنون الشعبية العُمانية كالرزحة والعازي، معتبرة أنها ليست مجرد عروض تراثية، بل مشاهد تعبّر عن أصالة الإنسان العُماني واعتزازه بتاريخه وهويته.
وتوضح أن أبناء الجالية اللبنانية في سلطنة عُمان يحرصون خلال الأعياد على إقامة تجمعات عائلية صغيرة، وتحضير الأكلات اللبنانية التقليدية، وتبادل الزيارات والسهرات الاجتماعية، في محاولة لصناعة دفء يشبه الوطن ولو لوقت قصير.
وترى حنان أن من المبادرات التي يمكن أن تعزز شعور المقيمين بالألفة تنظيم مهرجانات ثقافية مشتركة بين الجاليات والعائلات العُمانية، وإقامة أمسيات تراثية وفنية، إضافة إلى فعاليات للأطفال والعائلات خلال العيد، لأن مثل هذه التفاصيل -كما تقول- تخفف كثيرا من وجع الغربة.
وفي ختام حديثها وجهت رسالة محبة لعُمان وأهلها قائلة: أدعو الله أن يديم على عُمان أمنها واستقرارها وطمأنينتها، وأن يحفظ شعبها الكريم الطيب الذي منحنا شعورا بالأمان في زمن أصبحت فيه الطمأنينة نادرة.
عُمان.. وطن آخر من الألفة
أما المعلم المصري محمد محمود حسين الجهيني، المقيم في سلطنة عُمان منذ عشرين عاما، فيقول: إن السنوات الطويلة التي قضيتها جعلتني أشعر أن عُمان لم تعد مجرد بلد إقامة، بل وطن آخر أسكنه ويسكن قلبي.
ويضيف: إن الأعياد في بدايات غربتي كانت توقظ داخلي شوقا كبيرا إلى مصر؛ إلى جلسات العائلة، والفتة المصرية، والرقاق باللحم، والكعك والبسكويت؛ حيث تفوح الروائح وتملأ البيوت قبل العيد بأيام.
لكن شيئا فشيئا -كما يقول- بدأت عُمان تمنحه شعورا مختلفا، حتى أصبح لا يشعر بالغربة كما كان في السابق، موضحا أن السبب في ذلك يعود إلى أخلاق العُمانيين وحسن تعاملهم وصدق مودتهم.
ويقول: 'العُماني إنسان يحمل في داخله صفاء نادرا. لا تشعر معه أنك غريب أو بعيد عن أهلك. الناس هنا يحيطونك بالاحترام والتقدير بطريقة تجعلك تشعر أنك واحد منهم'.
ويستذكر مواقف إنسانية كثيرة لا تزال عالقة في ذاكرته، من بينها زيارة أحد جيرانه العُمانيين له في العيد وتقديمه الشواء والتمر والحلوى العُمانية، مؤكدا أن تلك التفاصيل البسيطة كانت تحمل معاني كبيرة من الكرم والمودة.
ويشير إلى أن أكثر ما يلفت انتباهه في المجتمع العُماني هو تمسكه بعاداته وتقاليده رغم تغيرات العصر، فالمجالس لا تزال عامرة، وصلة الرحم حاضرة، والناس يتبادلون الزيارات بقلوب سمحة.
ويضيف: إن أبناء الجالية المصرية في مسقط يحرصون خلال العيد على إقامة تجمعات عائلية ولقاءات اجتماعية ورياضية، وتحضير بعض الأكلات الشعبية المصرية، في محاولة لاستعادة أجواء الوطن.
كما أبدى إعجابه بالفنون الشعبية العُمانية كالرزحة والعازي، معتبرا أنها تعبّر عن اعتزاز العُماني بتراثه وتاريخه وشجاعته.
ويقترح الجهيني إقامة مهرجانات سنوية للجاليات المقيمة في الأعياد، تتضمن أركانا للأطعمة الشعبية والفنون التراثية والأنشطة العائلية، بما يعزز التقارب الإنساني بين الجميع.
وفي ختام حديثه قال: أدعو الله أن يحفظ عُمان قيادة وشعبا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، فهي بلد السلام والكرم والإنسانية.
حين تصبح الطيبة وطنا
ومن تونس يروي المعلّم شعيب بوبكر، المقيم في سلطنة عُمان منذ 4 سنوات، تجربته وذكرياته بقوله: لعلنا ونحن نقيم في هذه الأيام المباركة على أرض سلطنة عُمان يتجاذبنا حنين لا يغادر أرواحنا نحو أوطاننا البعيدة؛ حيث الذاكرة حيّة والمشاهد تتدافع إلى القلب عفو الخاطر.
هناك في الجنوب الغربي من تونس، وتحديدا في أم العرائس من ولاية قفصة، كانت لهذه الأيام طقوسها الخاصة؛ إذ يحتفي الناس بالحاج قبل سفره إلى البقاع المقدسة، فيجتمعون حوله كبارا وصغارا في مشهد تغمره الألفة والهيبة.
ومع اقتراب العيد تنشغل الأحاديث بالأضاحي وأسواقها التي تنبض بالحركة، فيختلط البعد الديني بالاجتماعي في صورة لا تنفصل تفاصيلها عن ذاكرة المكان. ثم يأتي يوم عرفة فتتعلق الأبصار بالشاشات تتابع الحجيج، فيما ترتفع الأكف بالدعاء وتفيض الأرواح شوقا إلى تلك المشاهد الإيمانية العظيمة.
أما يوم العيد فهو بهجة اللقاء في المصليات وصدى التكبيرات التي تجمع الناس في لحمة واحدة قبل أن يعودوا إلى بيوتهم لنحر الأضاحي وتبادل الزيارات والمعايدات. غير أن العيد يبقى ميزانا بين فرح اللقاء ووجع التذكر لمن غابوا ورحلوا تاركين في القلب أثرهم الذي لا يغيب.
ويقول: إن أبناء الجالية التونسية في سلطنة عُمان يحرصون خلال الأعياد على تنظيم لقاءات عائلية صغيرة وإعداد الأطعمة التونسية وتبادل الزيارات، في محاولة للحفاظ على روح العيد بعيدا عن الوطن.
ويرى أن من المبادرات الجميلة التي يمكن تنظيمها إقامة ملتقيات مفتوحة للجاليات في الحدائق والأماكن العامة، وتنظيم أمسيات تراثية وفنية ومسابقات للأطفال والعائلات؛ لأن مثل هذه الفعاليات تصنع شعورا بالألفة وتخفف كثيرا من الإحساس بالغربة.
وفي ختام حديثه قال: 'أسأل الله أن يديم على عُمان أمنها واستقرارها، وأن يحفظ أهلها الطيبين الذين استطاعوا بأخلاقهم وكرمهم أن يجعلوا كثيرا من المغتربين يشعرون أن لهم وطنا ثانيا هنا'.
مساحة أمان وطمأنينة
ورغم اختلاف الجنسيات وتباعد الأوطان، إلا أن أصوات المغتربين الذين التقاهم الاستطلاع كانت تتشابه في شيء واحد؛ الحنين الذي لا يخفت مهما امتدت سنوات الغربة، والامتنان العميق لعُمان التي استطاعت أن تجعل الأعياد أقل قسوة على القلوب البعيدة.
ففي هذه الأرض التي عُرفت عبر تاريخها بالتسامح وكرم الإنسان، لا يشعر المقيم أنه مجرد عابر سبيل، بل يجد من الاحتواء ما يخفف عنه ثقل المسافات ووحشة المواسم. هنا تتحول المجالس إلى مساحات للألفة، والقهوة إلى لغة ترحيب، والعيد إلى مناسبة يتشارك فيها الجميع فرحته مهما اختلفت أوطانهم ولهجاتهم.
لقد استطاع الإنسان العُماني بأخلاقه السمحة وكرمه العفوي وطيبته الصادقة أن يترك أثرا لا يُنسى في نفوس كثير من المقيمين، حتى باتت عُمان بالنسبة لهم أكثر من مكان للعمل أو الإقامة؛ بل مساحة أمان وطمأنينة ودفء إنساني.
ومن المقترحات التي أدلوا بها في حواراتهم، والتي من شأنها أن تخفف أهوال الاغتراب، أن تتحول المناسبات والأعياد إلى مساحة ثقافية نابضة تجمع الجاليات المختلفة تحت مظلة الألفة والتعارف، عبر إقامة أسواق تراثية تخصص فيها كل دولة ركنا خاصا يعكس هويتها الثقافية ويعرض أشهر أطعمتها وحلوياتها وأزيائها التقليدية وعاداتها الاجتماعية، فتغدو تلك الأركان نوافذ مفتوحة على ذاكرة الشعوب وروائح أوطانهم البعيدة.
كما يمكن أن تصاحب هذه الفعاليات عروض فنية وفلكلورية وأمسيات إنشادية وغنائية بفلكلورهم الخاص، وورش للحرف التقليدية، ومساحات للأطفال تعرفهم بثقافات متنوعة وتمنح المغتربين فرصة لاستعادة جزء من تفاصيلهم التي تركوها خلفهم.
ومن الجميل كذلك تنظيم موائد جماعية في الأعياد يلتقي حولها المقيمون وأسرهم في أجواء تتلاشى فيها غربة المكان وتقترب فيها القلوب من بعضها بعضا، إلى جانب تخصيص أمسيات للحكايات الشعبية والذكريات وتجارب الاغتراب الناجحة، ومعارض للصور والمقتنيات التراثية التي تحمل عبق البيوت القديمة. فمثل هذه المبادرات لا تقدم الترفيه فحسب، بل تصنع طمأنينة خفية في نفوس المغتربين وتشعرهم بأن أوطانهم ما زالت قريبة منهم مهما امتدت المسافات.
وفي زمن تتكاثر فيه الحروب والأزمات والاغتراب القاسي، تبدو عُمان بالنسبة لكثير من المغتربين نافذة سلام حقيقية، يجدون فيها شيئا من السكينة التي افتقدوها، ووجوها تمنحهم شعورا بأن الإنسانية لا تزال بخير. ولهذا لم تكن كلمات المغتربين في هذا الاستطلاع مجرد شهادات عابرة، بل رسائل امتنان صادقة لبلد استطاع أن يحتوي القادمين إليه بمحبة واحترام، وأن يجعل العيد أكثر دفئا، والغربة أقل وجعا، والوطن أقرب إلى القلب وإن كان بعيدا.
ويبقى الدعاء حاضرا في ختام كل حديث: أن يحفظ الله عُمان أرضا وسلطانا وشعبا، وأن يديم عليهم نعم الأمن والاستقرار والسلام، وأن تبقى كما عرفها الجميع وطنا للطمأنينة وموئلا للمحبة وبيتا رحبا لكل من ضاقت به الحياة.