عن الخليج والاستخلاج وسؤال الشرعية الرمزية
السبت / 12 / ذو الحجة / 1447 هـ - 11:00 - السبت 30 مايو 2026 11:00
عاصم الشيدي
أعادت الحرب التي تدور في الخليج وعلى أطرافه طرح سجالات ثقافية ومعرفية قديمة بين الخليج والعالم العربي. خرج بعض تلك السجالات من مثقفين خليجيين يدعون إلى مراجعة الوعي الخليجي والاستراتيجيات الأمنية والنماذج الاقتصادية التي يقوم عليها استقرار المنطقة. وظهرت سجالات أخرى من خارج الخليج طارحة أسئلة حول من يملك حق تحديد المراكز الثقافية في التاريخ العربي المعاصر، ومن يملك حق منح «الشرعية الرمزية» لها أو حجبها عنها. والشرعية الرمزية هنا تعني ذلك الاعتراف الذي يجعل مدينة أو دولة أو مؤسسة قادرة على قيادة النقاش الثقافي وتوجيه الوعي العام، متجاوزة حدود المال والمنصة وأدوات التنظيم.
وبرز في بعض تلك السجالات مصطلح «الاستخلاج»، ويُقصد به الصورة الذهنية الدونية التي تشكلت لدى بعض المثقفين العرب عن الخليج وتاريخه ومؤسساته الثقافية، بوصفه فضاء يملك المال والمؤسسات أكثر مما يملك الشرعية الحضارية.
وكانت هذه السجالات تحضر في العالم العربي في الكثير من المنعطفات التي مرت بها الأمة في العقود الماضية. حضرت بقوة خلال غزو العراق للكويت وما تلا ذلك من حروب ومنعطفات خطيرة وصولا إلى اللحظة الراهنة التي بدا فيها أن العالم العربي كله في لحظة تحول خطيرة تتعلق بهويته قبل أن تتعلق بالتحديد الجغرافي لمراكزه الثقافية الآنية أو التاريخية.
انطلقت الكثير من الكتابات التي تناولت صعود الخليج ثقافيا منذ تسعينيات القرن الماضي من فرضية ثابتة، تقريبا، مبنية على أن هناك مراكز عربية قديمة شكلت الوعي العربي الحديث، وهناك هامش خليجي صعد بالمال والمؤسسات. تبدو هذه الفرضية للوهلة الأولى مقنعة؛ فقد ارتبطت عواصم عربية بعينها بظهور الجامعات والصحافة والأحزاب السياسية وحركة الترجمة والسجالات الفكرية، فيما ارتبط الخليج في المخيال العربي الحديث بالنفط والوفرة والعمران السريع. لكن الفرضية تصبح أقل صلابة حين تُقرأ في ضوء تاريخ الخليج المتعدد وتحولات المراكز العربية نفسها. فالخليج لم يكن عبر التاريخ كتلة واحدة من حيث الصورة التاريخية والقدرة على الفعل الحضاري. ويمكن الإشارة هنا إلى عُمان وإلى الحجاز بشكل خاص. ثم إن الصورة الذهنية للخليج/ الجزيرة العربية بوصفها صحراء بلا فعل حضاري لا تصمد أمام قراءة تاريخية منصفة.
وتغفل هذه الفرضية تحولات جوهرية حدثت في العقود الماضية تدفع إلى إعادة النظر في هذه الأطروحة من أساسها؛ فالمراكز القديمة فقدت، لأسباب كثيرة، أدوارها التاريخية والكثير من مركزيتها ودورها في صناعة الوعي وبناء السجالات الفكرية العميقة. ثم إن كل ذلك يطرح سؤالا يبدو في غاية الأهمية حول ما إذا كانت الذاكرة الثقافية وحدها كافية للاحتفاظ بالمكانة في ظل تراجع شروط الإنتاج نفسها؟
الذاكرة التاريخية مهمة جدا في عملية بناء اللحظة الراهنة، لكن هذه الأهمية لا تنفي حقيقة أن «المراكز الثقافية» في أي مكان في العالم، هي صفة تاريخية متحركة تولد من شروط سياسية واجتماعية ومعرفية. وفي اللحظة التي تمتلك فيها أي عاصمة أو مدينة عربية جديدة في الخليج أو على طول الشريط الجنوبي للعالم العربي تلك الشروط فمن حقها أن تكون مركزا عربيا دون أن تمنح «الشرعية الرمزية» من المراكز القديمة. المعيار الأهم في كل هذا هو القدرة على صناعة الوعي وبناء المؤسسات الثقافية والفكرية والقدرة على إنتاج فعل حضاري مؤثر والتفاعل الخلاق مع الحضارات الأخرى.
واجه الخليج الذي صعد في لحظة عربية مضطربة أحكاما جاهزة في المخيال العربي فلم يخرج في الغالب من صورتي الصحراء والنفط. كان يُختزل قبل النفط في صورة البداوة والقبيلة، وبعد النفط في صورة الثراء المفاجئ والعمران اللامع. تغير الشكل في الصورة النمطية لكن الحكم بقي أن الخليج خارج التاريخ المنتج للوعي أو الفكر أو الإبداع. لكن هذه الصورة لم ينتجها المخيال العربي وحده، رأيناها واضحة في أفلام هوليود «الاستشراقية» ثم رسخت في المخيال العربي وكأنها حقيقة لا جدال فيها.
وهذه الصورة ظالمة لأنها تمنح أصحابها حقا ضمنيا في احتكار التاريخ والإبداع، حتى في اللحظة التي يتآكل فيها هذا الحق. ثم إنها تمحو تعدد الخليج نفسه؛ فالخليج ليس وحدة تاريخية واحدة ولا تجربة سياسية واحدة ولا مسارا حضاريا واحدا إذا ما قرأنا المشهد بتلك الأدوات نفسها. عُمان، كما أسلفنا، دولة عميقة في التاريخ وسابقة على النفط بقرون طويلة وصاحبة كيان سياسي وحضور بحري وثقافي امتد إلى الهند وشرق أفريقيا وفارس وشمال الجزيرة العربية.
وبمقياس المنتج فإن تجربتها عميقة سواء في كيان الدولة السياسي أو في المنتج الإبداعي شعرا وسردا وفقها وفي خزائنها أكثر من 45 ألف مخطوط في اللغة والفكر والفلسفة والطب والحساب والفلك وغيرها من فنون المعرفة، إضافة إلى صلات مع العالم القديم والحديث قد لا تملكها الكثير من المراكز الأخرى. وعندما جاء النفط كانت عُمان دولة تملك رصيدا حضاريا ضخما، لم يصنعها النفط ولم يوجه بوصلتها الثقافية والسياسية. ولا تقف هذه الحجة عند عُمان وحدها؛ فالحجاز أيضا يملك تاريخا عريقا ومنتجا فكريا وإبداعيا، إضافة إلى مركزيته الدينية. لقد أسهم النفط، بطبيعة الحال، في النهضة المادية التي شهدتها عُمان وبقية دول الخليج.
ومع ذلك، فإن نقد الصورة النمطية لا يعفي الخليج من مساءلة نفسه؛ فالقوة المادية وحدها لا تصنع مركزا ثقافيا، ولا تكفي الجوائز والمؤتمرات وحدها لصناعته. تحتاج «الشرعية الرمزية» التي يدعي بعض المثقفين العرب غيابها عن المراكز الخليجية إلى إثبات القدرة على صناعة الوعي وتصديره عبر العقول المفكرة والمبدعة. وتحتاج إلى تناغم بين النهضة العمرانية والنهضة الفكرية الثقافية. وتحتاج إلى تحويل الذاكرة التاريخية إلى إنتاج علمي وفكري وفني مستمر.
وفي هذا السياق فإن الخليج، في عمومه، يواجه مأزقا حقيقيا، فلم تنجح بعض تجاربه في تحويل قدرته على التمويل إلى مشروع معرفي يملك القدرة على الاستمرار وبناء صورة ذهنية جديدة. لم ينجح الخليج، لأسباب كثيرة أيضا، في بناء جامعات بحثية مؤثرة، وفي إعادة أرشيفه ومخطوطاته وذاكرته التاريخية إلى الحياة.
ثم إنه، وهذه مفارقة عجيبة، لم ينجح حتى الآن في ترسيخ سرديات تاريخية وحديثة تقول للعالم بصدق من هو، وكيف تشكل، وماذا يريد أن يضيف. بعض هذه الجوانب ما زالت رخوة وتكشف عن فجوات خطيرة.
لكن هذا المأزق عربي عام وليس خليجيا خاصا؛ فالعالم العربي كله يعيش أزمة انتقال من الرأسمال الحضاري الموروث إلى الرأسمال الحضاري المنتج. تستدعي الكثير من الدول العربية التي تتمسك بحق المركز مجدها القديم أكثر مما تصنع حاضرها، وتستند إلى أسماء كبرى ومدن عريقة وذاكرة ممتدة لكنها تعجز اليوم عن بناء جامعة مؤثرة أو مشروع ثقافي وفكري قادر على مخاطبة العصر، وبعضها يستهلك رصيده الحضاري من غير أن يعوضه بإنتاج جديد.. والذاكرة تستطيع أن تمنح المدن الكثير من الهيبة لكنها لا تستطيع صناعة المستقبل وحدها.
لذلك، تبدو مفاضلة بعض المثقفين العرب بين مركز قديم يملك التاريخ وخليج صاعد يملك المال مفاضلة قاصرة وتأتي في سياق يشهد فيه العالم العربي الكثير من الفراغ والتسطيح الفكري. تملك المراكز العربية القديمة سردية عظيمة صنعها التاريخ لكنها تتآكل لأنها لا تتجدد بما يكفي. ويملك الخليج أدوات مادية ومؤسسية وتبحث كثير من دوله عن سردية أعمق. يخشى الأول فقدان احتكاره الرمزي، ويواجه الثاني صعوبة تحويل صعوده المادي والمؤسسي إلى سردية حضارية يعترف بها المجال العربي الأوسع. وكلاهما أمام سؤال واحد وإن اختلفت أعراض الأزمة. كيف تنتج الثقافة العربية شرعيتها في الحاضر؟
ثمة خلل آخر في الطريقة التي نطرح بها الأسئلة؛ فحين نسأل هل يستطيع الخليج أن يصبح مركزا، نكون قد قبلنا ضمنا بأن حق المركزية يمنح من خارجه. السؤال الأهم من وجهة نظري في هذه اللحظة المفصلية من التاريخ العربي هو كيف نرسم شكل المركز العربي الذي نرتضيه؟ ما الشروط التي تمنح هذه المركزية في هذه اللحظة التي يشهد فيها العالم تحولات حضارية كبرى.
لا يحتاج الخليج إلى أن يقلد المراكز القديمة حتى يثبت شرعيته، ما يحتاجه هو كتابة تجربته بوصفها تجربة كاملة، بتناقضاتها ونجاحاتها ونقاط ضعفها. ويمكن أن تتحول الصحراء والقبيلة والبحر والنفط إلى مادة تفكير عميقة حول الدولة والتحول الاجتماعي والحداثة والهوية والاستقرار وبين التاريخ المحلي والنظام العالمي.
وعُمان، تحديدا، قادرة على تقديم مدخل مختلف تماما لهذا النقاش؛ فهي لا تستمد حضورها من النفط ولا من العمران الحديث. تمتلك شرعيتها من تاريخ طويل يجعلها جزءا أساسيا من شبكة حضارية واسعة. لا تعاني عُمان من مأزق غياب التاريخ فلديها فائض كبير منه، ربما تكمن مشكلتها في تحويل هذا التاريخ إلى قوة تفسيرية حاضرة في الوعي العربي، قادرة على بناء صورة مختلفة عن الخليج بأكمله. وربما تقديم التجربة السياسية العمانية في سياق تطور الدولة في الجزيرة العربية والمحيط الهندي سيغير زاوية النظر إلى الخليج كله.
يحتاج النقاش حول المراكز الحضارية في العالم العربي وحول مصطلح «الاستخلاج» الذي يدور في النقاشات هذه الأيام إلى تحرير المفاهيم من التباساتها القديمة. لا يمنح المال الشرعية وحده، ولا التاريخ يملك حق الاحتفاظ بالمركز وحده. الموضوع أعقد بكثير من هذه النظرة الضيقة التي ينظر منها للأمر في العالم العربي، ثم إنه يحتاج إلى عمل مضن أكبر بكثير مما هو حاصل اليوم. ومن دون هذا الوعي وهذا العمل سيبقى بعض الخليج رغم ماله دون اعتراف، وستبقى بعض المراكز القديمة صاحبة تاريخ بلا قدرة حاضرة على الإبداع والتجدد.
أما المستقبل الثقافي العربي فلن يصنعه الحنين إلى مركز قديم ولا الدفاع العصبي عن مركز جديد. يصنعه من يملك القدرة على إنتاج معرفة حية وخيال سياسي وأخلاقي واسع وسردية تتصل بالتاريخ من غير أن تسكن فيه. وعندئذ يصبح المركز فعلا حضاريا مستمرا وليس لقبا موروثا أو امتيازا ماليا أو صورة قديمة في ذهن متعب. * عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان