عمان الثقافي

أحمد درويش إعلاميًّا ثقافيًّا

 

سليمان المعمري 

عرفنا أحمد درويش أكاديميًا مرموقًا، وأستاذًا للبلاغة والنقد الأدبي، نهل من علمه أجيال وأجيال من طلاب الجامعة المصريين والعُمانيين، وعرفناه كذلك باحثًا رصينًا لا يحبس المعرفة في أسوار التخصص الضيقة. غير أن الوجه الإعلامي في تجربته يظل وجهًا لافتًا لا يقل أهمية عن حضوره الأكاديمي؛ ولا أتحدث هنا عن إطلالاته كضيف في وسائل الإعلام لشرح قضية من قضايا تخصصه، أو للتعليق على مناسبة ثقافية، بل عن كونه معدًّا ومقدم برامج ثقافية من الطراز الرفيع استطاع أن يصنع له على مدار سنوات ما يمكن أن نسميه مشروعا إعلاميًّا واضحًا، له فلسفته وموضوعاته وجمهوره وامتداده الزمني. لقد تعامل الدكتور أحمد درويش مع الإذاعة والتلفزيون باعتبارهما طريقًا آخر للمعرفة يخرج بالثقافة من قاعات الجامعة ورفوف الكتب إلى آذان الناس وبيوتهم وذاكرتهم اليومية.

كان درويش، في جوهر تجربته الإعلامية، مؤمنًا بأن الثقافة لا تؤدي رسالتها كاملة حين تبقى حبيسة المتخصصين. وقد عبّر عن ذلك بوضوح في الحوار الذي تشرفتُ بإجرائه معه في إذاعة سلطنة عُمان للبرنامج الإذاعي «مسارات»، حين قال إن الثقافة الحقيقية تؤدي رسالتها عندما تصل إلى أكبر قاعدة من المتلقين، مستمعين كانوا أو مشاهدين أو قراء. لم يكن يرى صعوبة في أن يتحدث المتخصصون إلى بعضهم البعض بلغة أكاديمية مغلقة؛ فذلك، في نظره، هو الأسهل. أما التحدي الحقيقي فهو أن ينقل المثقف شيئًا من معرفته إلى أولئك الذين لم تُتَح لهم فرصة العكوف الطويل على الكتب، من غير أن يتعالى عليهم، ومن غير أن يهبط بالمعرفة إلى درجة التفاهة أو التبسيط المخل.

هذه الفلسفة هي التي تفسر سرّ حضوره الإعلامي الكبير. فقد قدّم درويش في إذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان رصيدًا ضخمًا من البرامج الثقافية، أحصى ما يخصّ الإذاعة منها في الحوار المشار إليه بخمسة آلاف حلقة خلال نحو خمسة عشر عامًا. وإذا تأملنا عدد حلقات كل برنامج من برامجه في إذاعة سلطنة عُمان، وجدنا أنفسنا أمام جهد استثنائي قل نظيره. فقد تجاوز عدد حلقات برنامج «إن من الشعر لحكمة» 1600 حلقة، ونافت حلقات «إن من البيان لسحرًا» على 700 حلقة، وتجاوز برنامج «من كنوز الثقافة الإسلامية» 1250 حلقة، إضافة إلى أكثر من مائتي حلقة من برنامج «قراءة في الإعجاز البلاغي للذكر الحكيم»، وتسعين حلقة من برنامج «قرأت لك»، ونحو ثلاثين حلقة من برنامج «روائع الأدب»، وأربعين حلقة من أحاديث ثقافية بعنوان «صفحات من تاريخ الأدب في عُمان»، وثلاث عشرة حلقة من أحاديث مماثلة بعنوان «صفحات من تاريخ الأدب العربي»، إلى جانب حديث ثقافي واحد عن «صور من بخلاء الجاحظ». نحن إذن أمام مشروع إذاعي طويل النفس، لا أمام مشاركات متفرقة.

وإذا ما تحدثنا عن جانبه الإعلامي في مصر، نجد في سيرة أحمد درويش أنه أعدّ وقدّم سلسلة أحاديث في إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة حول «لغة القرآن الكريم» بين عامي 1998 و2001، وهو مجال ينسجم بالطبع مع تكوينه اللغوي والبلاغي. كما نجد أنه شارك في كثير من البرامج الثقافية بالتلفزيون المصري بين عامي 1983 و2001. هذا علاوة على مشاركته في تأهيل الكوادر الإعلامية. إذ تذكر سيرته الذاتية أنه كان محاضرًا في الدورات التدريسية في معهد إعداد الإذاعة والتليفزيون، وعضوًا في لجان اختبار المذيعين بين عامي 1985 و1996. كما أنه صار عام 2004 عضوًا في اللجنة الثقافية العليا بمجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون.

وإذا ما عدنا إلى أشهر برامجه في إذاعة سلطنة عُمان («إن من الشعر لحكمة») سنجد أن درويش كان يمشّط الشعر العربي من بداياته الأولى حتى تجاربه الحديثة. وقد ذكر لي في حواره لـ«مسارات» أنه وقف في هذا البرنامج أمام شعراء عرب كبار بدءًا من امرئ القيس حتى أمل دنقل، مارًّا بروائع الشعر العربي، بهدف تقريبها من الناس دون أن تفقد خصوصيتها الجمالية. وهنا يكمن بيت القصيد؛ إذْ يمكن القول إن مفتاح تجربته كلها هو تقريب الأدب من الناس مع الحفاظ على مقامه الفني. فالغاية كانت أن يصير المتنبي، وأبو تمام، وأبو حيان التوحيدي، والجاحظ، وغيرهم من أعلام الثقافة العربية، أقرب إلى إصغاء جمهور واسع، من غير تحويلهم إلى مادة خفيفة.

ولعل أجمل ما في شهادته الإذاعية عن هذه المرحلة أنه كان يقيس نجاح حلقاته بما هو أوسع من رضا المتخصصين؛ أي بمدى تفاعل الناس العاديين معها. فقد اعتزّ، كما قال لي، بأنه كان يقدم المتنبي في نحو مائة حلقة، ثم يجد في اليوم التالي من يسأله عمّا سيقال في الحلقة التالية؛ من أساتذة الجامعة، ومن رجل الشرطة، وموظف البنك، والعامل البسيط، وأذكر أنني قاطعتُه حين بدأ يعدد شرائح مستمعيه لأضيف لها الطالب الجامعي، ذلك أن تعرفي إليه لأول مرة كان من خلال سماعي اليومي لبرنامجه الممتع «إن من الشعر لحكمة» وأنا لم أزل طالبا في الجامعة.

غير أن أهمية تجربة أحمد درويش الإعلامية تتجاوز كمّ الحلقات الهائل إلى طبيعة الجهد الذي كانت تتطلبه. فإعداد آلاف الحلقات عن الشعر والبيان والبلاغة والإعجاز والثقافة العربية يعني أن درويش كان يعود إلى التراث العربي قراءةً ومراجعةً وتأملًا، ثم يعيد صياغته في قالب إذاعي قادر على الإمتاع والإفهام. وقد أشار هو نفسه إلى أن هذه البرامج علّمته كيف يختبر فهمه للنصوص الكبرى؛ فحين يقرأ أبا حيان التوحيدي، على سبيل المثال، ويحاول تقريب فكرة مثل «الهوامل والشوامل»، فإن نجاح استيعابه لها يتجلى، في نظره، في قدرته على إيصالها إلى المثقف العادي. وهذا وعي نادر عند الأكاديمي؛ أن يحرص على تبسيط المعرفة دون أي تنازل عن العمق.

ومن هنا يمكن القول إن درويش كان يملك حسًّا إذاعيًّا خاصًّا. فالمثقف البارع في الكتابة قد لا يكون بالضرورة بارعًا أمام الميكروفون، والباحث القادر على تحرير دراسة محكّمة قد تعوزه أحيانًا القدرة على مخاطبة مستمعين متنوعين في عشر دقائق. أما درويش فقد امتلك هذه القدرة: لغة عربية صافية، وأداء شفهي متمكن، وذاكرة واسعة، وذوق بلاغي يتيح له الانتقال من الشاهد الشعري إلى الفكرة النقدية، ومن الحكاية التراثية إلى المعنى الإنساني، في سلاسة تجعل المستمع قريبًا من المعرفة، منجذبًا إليها، من غير أن يشعر بأنه أمام درس أكاديمي ثقيل.

أما في التلفزيون، فقد اتخذ مشروعه صورة أخرى، أكثر حوارية وانفتاحًا على الضيوف والتخصصات. إذ أعد وقدم في عام 1994 برنامج «شعاع الحضارة» لتلفزيون سلطنة عُمان عام 1994 بنظام المنتج المنفذ (إنتاج النور للصوتيات والمرئيات، وإخراج محمد الشال، الذي رحل عن عالمنا في مارس 2025) في نحو خمسين حلقة على موسمين. في هذا البرنامج بدا أحمد درويش منشغلًا بفكرة الحضارة العربية الإسلامية في أفقها الواسع: الشعر والموسيقى، والرحلات، والرياضيات، ومجامع اللغة العربية، والعمارة والزخرفة، والمعاجم والموسوعات، والملاحة العربية، وفن الحكاية، وأدب البحر ومساهمة التراث العُماني فيه، والتراث التربوي، وإسهام عُمان الحضاري في القرن التاسع عشر، ورحلة ابن جبير، والفنون الشعبية، وطرق التجارة الدولية، والاستشراق الألماني، والوجود العربي في شرق أفريقيا، وتفاعل الثقافات، والجاحظ وفكرة الثقافة الشاملة، والحضارة والترجمة، والعربية باعتبارها لغة حضارة. كل هذه الموضوعات قدمها درويش في «شعاع الحضارة»، وهي عناوين تكشف أن البرنامج اتسع لما هو أبعد من المفهوم الأدبي الضيق للثقافة، ساعيًا إلى بناء صورة بانورامية للحضارة العربية والإسلامية، تجمع بين الأدب واللغة والتاريخ والعلوم والفنون والجغرافيا والرحلات. وفي هذا البرنامج ظهر درويش محاورًا صاحب حضور ورؤية، يستضيف أسماء كبيرة مثل الشاعر فاروق شوشة، والنقاد عبد القادر القط وصلاح فضل وجابر عصفور، إضافة إلى أسماء أخرى مثل محمود فهمي حجازي، وأحمد كمال أبو المجد، ومحمد حماسة، وغيرهم. ولذلك بدا «شعاع الحضارة» أقرب إلى مجلس ثقافي تلفزيوني، تدور فيه المعرفة بين ضيفين أو أكثر، ويتولى درويش ضبط الإيقاع، وفتح الأسئلة، وربط المحاور بعضها ببعض.

وفي برنامج «في رحاب المكتبة»، الذي أعده وقدمه لتلفزيون سلطنة عُمان عام 2001 في إحدى وعشرين حلقة، انتقل درويش إلى أفق آخر أكثر قربًا من الكِتَاب والقراءة. وتدل أسماء ضيوفه وموضوعاته على سعة أفقه المعرفي: الناقد الأدبي عبد العزيز حمودة في البحث عن نظرية عربية في النقد الأدبي، والباحثان محمد البلتاجي ومحمد المنسي في حقوق الإنسان في التراث الإسلامي، والباحثان محمد الشهاوي وزين العابدين متولي في التراث الفلكي الإسلامي، والدكتور زغلول النجار في تجربة الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، والشاعر فاروق شوشة في علاقة الشعر بالطفولة، وعبد الحميد مدكور في نظرية الأخلاق في التراث العالمي. في هذا البرنامج تتخذ المكتبة عند درويش معنى أرحب؛ فهي فضاء للكتاب والفكرة معًا، وممرّ إلى الأسئلة الكبرى عن النص، والعلم، والإنسان، والأخلاق، والتراث، والنقد، والكون. وقد شدني في تتر البرنامج وضع المخرج محمد الشال (وهو نفسه مخرج «شعاع الحضارة») جميع أسماء ضيوف البرنامج مع صورهم على طريقة المسلسلات التليفزيونية، وكأنه يقول إنه إن كان للدراما نجومها، فللثقافة نجومها كذلك.

واللافت في تجربة درويش التلفزيونية أن الثقافة كانت لديه شبكة حياة متصلة، تتجاوز حدود المادة النخبوية المعزولة. فحين يتحدث عن الرحلات والسفر، يفتح باب الاتصال بالعالم، وحين يناقش مجامع اللغة، يلامس مستقبل العربية، وحين يفتح ملف الترجمة، يتناول حركة الحضارة، وحين يستضيف حوارًا عن أدب البحر، يربط الأدب بالبيئة العُمانية وبالذاكرة البحرية. ومن هذه الزاوية، صار التلفزيون في تجربة أحمد درويش وسيلة لتوسيع مفهوم الثقافة، وفتحها على مسارات أرحب من الأدب وحده، شعرًا كان أو قصة أو رواية.

وتحضر عُمان في هذه التجربة مكانَ عملٍ، وجزءًا وجدانيًّا ومعرفيًا من مسيرته في الوقت نفسه. وقد ختم درويش حديثه عن تجربته الإعلامية في برنامج «مسارات» بعبارة دالة: «هذه الحلقات كنت أصنعها وأنا في قلب عُمان، لكنني عندما انتهيتُ منها أصبحتْ عُمان في قلبي». وهي عبارة أحسبها تتجاوز حدود المجاملة، وتلخص علاقة مثقف عربي بمكان منحه فرصة أن يخاطب جمهورًا واسعًا، وأن يحوّل معرفته إلى رسالة يومية. لقد دخل درويش عُمان أستاذًا وعميدًا وأكاديميًا، وخرج منها كذلك إعلاميًّا ثقافيًّا ترك صوته في ذاكرة المستمعين والمشاهدين.