«ليلٌ للذاتِ، وليلٌ للحكي.. قراءة في مجموعة جوخة الحارثي «ليل ينسى ودائعه»
السبت / 12 / ذو الحجة / 1447 هـ - 11:36 - السبت 30 مايو 2026 11:36
ثاني الحمداني
تقوم جملة «ليل ينسى ودائعه» على بنية لغوية مكثفة تظهر طاقة تتولد من صيغة تدخل في نسيج وعنصر تكويني محكم؛ لأن السياق المعني لا يتضح داخل الكلمات التي تستقي وحدتها داخل تركيب، واتصال تكونه الجملة عبر تداخلها ضمن سياقها الثقافي والمعرفي، فتجسد به علاقة الإنسان بأحد مظاهر الطبيعة (الليل).
من هنا نجد أن الجملة تبدأ بلفظة منّكرة (ليل) وهذه النكرة تفتح المجال لمعان واسعة؛ فهي لا تشير إلى ليل معين، وإنما إلى ما تحمله من دلالة فنية ورمزية. تتعلق بالغموض والتيه والسكون. وهذا الابتداء النحوي؛ باعتباره مبتدأ يمنحه مجالا من التمكن والظهور والعموم، وفسحة تتكون بين الفعل والعلاقة الحقيقية التي لا ينفصل ارتباطها دون دلالة فنية، سياقية.
على المستوى التركيبي يمكن إعادة ترتيب الجملة إلى صياغة فعلية جديدة «ينسى ليل ودائعه» غير أن التركيب الاسمي للعنوان يظهر تمكنا أوليا للتصور الضمني البين لحظة القراءة، والتفكيك.
ويمكن أن نصفها أولا بفعل (ينسى) كأن الليل يُمنح طاقة كامنة تظهرها الإشارة الوصفية للفعل (ينسى) بحيث يكون تابعا بنيويا يقوم بالانتقال من السكون إلى الأنسنة، والإبانة. هذا الظهور يخلقه العنوان بداية، وضمن مستوى من الاختلال المجازي للفعل بين التفرد والتمكين.
فالفعل «ينسى» يمثل بداية التحول الدلالي؛ لأنه يرتبط بحركة الإنسان، وشعوره الظاهر والمخفي بحيث يكون انزياحا بين حدود الإنسان، وحدود الليل (الطبيعة) الذي أخذ قدرا من فعلية الإنسان، وحدوده المادية.
والفعل بصيغة المضارع يقدم بعدا زمنيا مستمرا، وهذا ما يعطي دلالة التحول من واقع بسيط إلى مستوى بنيوي يلازم العلاقة بين الليل، وودائعه.
وإذا ما أردنا معنى لفظة «ودائعه» التي أضيفت إليها الـ(ه) فهي تظهر ارتباط الليل بهذه الودائع التي نسيها في لحظة زمنية رغم أن الودائع تحمل تمكنا يفرضه الليل.
ومن هنا ترتبط تلك الثيمات اللفظية في نسيج واحد مشترك. وتتمحور ثنائيات داخلية تنطلق من البنية ليل/ ظهور، سكون/ قطيعة، طبيعة/إنسان. هذه الثنائيات لا تعلن مباشرة، بل تعمل على ترسيخ ممكنات الجملة وكثافتها؛ فالليل باعتباره رمزا للهدوء والسكينة يتحول إلى تظاهرة أنسنية يمكن أن تقوم بعملية النسيان.
والجملة في تركيبها البنيوي السابق تتجاوز بعدها الظاهر؛ لتصبح بنية دلالية قادرة على الانفتاح، يظهر معناها في التكوينات المتوالية، والعلاقات المتداخلة القلقة والمتوترة. بين الظاهر، والمخفي وبين الممكنات والسياقات الحكائية التي تتناولها الجملة، وتعيد صياغتها قصص المجموعة والذات الساردة؛ لنصل: إن المعنى ليس في الليل وحده؛ ولكنه في دلالة النسيان، وفي الودائع التي نسيت. وبهذا يتحول الهدوء إلى حركة، وانتقال، والبقاء إلى احتمال، وتصور. في صورة تنتج معناها ضمن سياق التقابل الضمني أو الانعكاس المفتوح على دلالات متضادة ومتباينة.
تأخذنا الأنا الساردة في مجموعة «ليل ينسى ودائعه» إلى الكشف الضمني عن مكنوناتها: فالليل غطاء تتخذه الذات لتحوير حكايتها، وخروجها للعلن رغم أنها تضمر الإشهار، وتجسد لحظة الوقع الداخلي. ومن خلفها تأتي الذات الساردة؛ لتكشف جانبا آخر من جوانب الحكاية.
من هنا يتحول الليل إلى كائن هلامي تبحر فيه الذات، وتقوي به انزياحها الشخصي، وتبقي في حدود انسجامها بين حركة وتشكل وتماهٍ؛ فتغدو الشخصيات، وذواتها صور كاشفة عن لحظات، ومسارات تسرد هنات الذوات، وتشخص متواليات عناصر السرد، وكل هذا وصف إلى ما يفضي به الليل بين حركته وهدوءه وحضوره وغيابه. انكشاف تقدره الذات، وتجعله وسيلة للبوح والبحث في مكنونات الذوات الفاعلة وقد اتجهت بالخطاب الحكائي نحو تشكلات مختلفة.
تأتي الذات تارة لبناء أدوات قولية، وتارة لتحريك مسائل ظاهرة، تصبح الحكاية وسيلة أخرى تختلف عن كل اتصاف بالخطاب القصصي أو بالشخصيات، وتعلن تباعدا ذاتيا خاصا بها. تمرر عبره مداواة تسير بها وفق خطها السردي.
لا تألو تلك الذات إلا أن تكون مرة جسرا يبقى في حدوده فلا تقبل التهاون أو التراجع. ومرة أخرى حكاية يلج في سرها بوح ذاتي يقودها ذلك البوح إلى كشف شفيف لذات تختبئ وراء طبيعتها الخجولة والقلقة. فالجسر يمتد ليصل بمختلف الخطوط الحكائية، والحكاية تبقى وسيلة للظهور وللتكشف؛ فتجتمع الحكاية بجسرها الأول (الذات) ثم تعود فتتشكل من جديد في ركن مختلف مبني على مساحة من القبول والسيطرة، وفضاء تشتغل من التراكمات الذاتية، والنفسية، وتكمن في الوعي كلوحة تركها الفنان دون اكتمال أو كفتاة جميلة تعاني فراق حبيبها الأول، أو زوج تزوج بعد موت زوجته؛ لذا تلجأ تلك الحكاية وشخصياتها الحكائية إلى متواليات تبني صورا شتى، وترصد خطوط فردية، والليل جامع لمختلف المدركات الشعورية والدلالية، فـ «وظائف السرد في الحكاية هي عناصر أساسية في كشف خطابها، وهذا يساعدنا على أن نرى القصة كسلسلة من التحولات الوظيفية».(1)فالحكي ينّظر للذات الساردة رغم حضورها بصيغة الراوي المشارك بحيث لا يمكن تناظرها مع الذات الكاتبة. وهذا المنطلق يتماشى مع التصور السيميائي الذي يقطع العلاقة بين الدالَّين. على اعتبار أن المؤلف له حضوره الواقعي بينما السارد ذات ومنشأ نصي؛ وبالتالي يتحول السارد إلى علامة لغوية تتداخل ضمن سياق عام من الضمائر والصيغ والأساليب. وتقوم بدور معين داخل النص. وإذا حدث أن الكاتب جعل من ينوب عنه يعني ذلك أن النص يفرض شكلا تخصيصا يسند إليه خطابه.» فالمتن الحكائي هو مجموع الأحداث، والمتعلق بالقصة، والمبنى الحكائي هو القصة نفسها».(2)وحضور الذات الساردة دون الذات الكاتبة يبني علاقة تفاعل بين الحضور والغياب، وهذا هو ما يمكن اعتباره أساس المجال السيميائي. وهو ما يعطي الراوي قيمة يعبر بها عن وجهة بنيوية ضمن النص تسيطر في تقسيم المعارف، وتناسق الخفاء والظهور: «فالذات الكاتبة تختفي دائما وراء الذات الساردة كي تمرر ما تشاء من الحكايات والأفكار والقيم والمسرودات». (3) تستمد المحاور مساحاتها السياقية من خلال مدخل يفترض جملة من الحدود الظاهرة في النسيج الحكائي، وبه يدرك مقدار التقارب بين الذوات، وليلها وبين الحكاية وشخوصها المغيبة والبعيدة عبر الترميز والتشكيل الفني المعروف؛ لتظهر وكأنها موجة تتكون من عدة أمواج، أو طيفا ليس له حدود متقاربة في هذا الفضاء الكوني الواسع. وهذا ما يمنح اللقاء فسحة للبوح المضمر بين الكلمات.
والليل مرة أخرى شكل منها.
تخرج المرأة وحيدة تترصد حبيبها الذي يسكن في تلك العمارة ذات الأربعة طوابع، تمضي مخفية شكلها، ومتهيئة في صورة المندوبة التي تعي لعبة التستر. تصادف ذات المرأة تعرف حكايتها، وحكاية حبيبها الذي يبدو مكشوفا للجميع فعلا وشكلا. تأخذها المرأة حيث تريد، لكنها تدرك خطواتها فلا تمنحها بعدا نفسيا، تقتفي أثر رائحتها وسمومها الأنثوية تقدم خطواتها، ونبضها العاطفي تلتقي بها، فتشكل صورة تخرج منها الذات حادة ومبصرة شيئا لم تَعِهِ في سابق عهدها، تترسخ علاقة جديدة هي علاقة بامرأة حركت انفعالاتها، وأطفأتها في ليل متبادل لتشاركها الدخول إلى بيت النحات: «سرنا جنبا إلى جنب المعلمة المفترضة، ومندوبة السياحة المزيفة معا بالخف البيتي تتجاوب مع طقطقته خطوات الحذاء الرياضي بالوجه الطافح والوجه الأزرق الذي لم تهاجمه القطط».(4)تعكس ثنائية الذات الساردة والذوات الأخرى تحولات الذات الساردة نفسها، فتضمر الفكرة ذاتها وتسعى في حضورها للكشف عن سجل مشترك تتوالى عليه، ولا تعي حدود تواصلها الطبيعي، وبالتالي تستقر بذاتها نحو محور خاص يقودها إلى أفق يتفق ورؤيتها الخاصة.
لقد ضمنت قصص المجموعة تحولا بين الذات الفاعلة والذات المضمرة، فصار التشابه حاضرا بين ليل الذات، وليل الحكاية. وهنا تتحول لغة الليل أو ليل اللغة إلى حدث حكائي يسرد ذاته، ويقدم لغته الخاصة، فتصبح اللغة سلاحًا فنيا، وانقساما يجسد نغمة وأسلوبا يظهر تواليا لفظيا له مكانته. «تستمد هذه القصص خصوصيتها من تنوع عوالمها السردية التي تتقاطع جميعها عند قاسم مشترك يتمثل في السؤال الوجودي العميق عن معنى الحياة والفقد وتعقيد العلاقات الإنسانية».(5)لقد صورت الذات الساردة حكايتها كوسيلة نحو الكشف عن الأبعاد الاجتماعية والنفسية للشخصيات بحيث تعيد المحكيات حالة خاصة مشتركة تظهر مدى الاتصال الذاتي والانفصال الجمعي رغبة في المضي إلى مظاهر وجودية، وتكوينات معيشية. تظهر كمسائل ترتبط بحضور حكائي وبنيوي. هذا الحضور له فعاليته رغم تقديم لحظة تعايش قد تضمن للذات استمرارها، وتعاليها ورغبتها في الاتصال -وإن بدأت لحظة الانفصال قناعا يخفي مختلف التكوينات-.
من هنا صار الليل بأشكال ورموز كثيرة: أصبح بحرا وقطارا ونفقا، فتغدو الذات وحدها تسبح في قاع المحيط. فتكون مرة في صورة امرأة تبحث عن حبيبها، ومرة في صورة فتاة تحلم بالحب ومرة في صورة عاشقة وزوجة إلى أن تنتهي مختلف الصورة، ويبقى الليل وحده رمزا مشتركا ينتقل ضمن مسارات تجتمع فيها الصورة الحقيقية بالصورة المتخيلة. مخفية بين مسارب الليل تنكشف لحظة الكتابة، وتفضي إلى تلك الذات الساردة القادرة على البوح دون أن تلبس ثوب الخفاء أو القلق من الآتي: «علامات عدد فارقة ميزت هذا القصص القصير في مجموعة «ليل ينسى ودائعه»، شخصيات بلا ملامح خارجية وبلا انتسابٍ مكاني، ولا مرجعي، مشاعرها هي أصل القصة، رؤاها أحيانا، أحلامها ومناماتها، واقعها».(6) صورة أعطت مسار الحكي فنيته وتخيلاته. هذا الليل الذي كان حضورا فنيا بارزا سواء على المستوى الشخصي للكاتبة أو على مستوى العام المتمثل بمختلف الأعمال السردية التي كتبتها الكاتبة أو التي كتبت في حدود الأدب العماني؛ فالبحث البسيط لم يظهر مقابلا لصورة العنوان أو حضورا للفظة الليل. لذا كان الليل مسارا سابقا في التكون والممارسة والتأويلات التي تتحد في مختلف معانيها؛ ليكون الليل شكلا واحدا يخرج من ذات واحدة يسكنها الليل نفسه، ويحرك شعورها ومساراتها العاطفية والمعيشية.
في القصة الثانية تظهر الذات بريقا أوليا لمعاناة الذات؛ إذ تخوض الأنثى تجربة جديدة تمضي في وحدتها بعد مرور الليل وحدوده المظلمة ترى الخيانة أمامها لحظة الشروق الأنثوي تراه يحضن الخادمة دون أن يكلف نفسه التفكير فيها وهي التي بقيت بعيدة عن ولدها وأهلها، عينها في هذا الكهف والبحر. من هنا تبدأ الخيوط الأولى للبوح وتقدم الحكاية صورة ليلية تتمثل في الذات الساردة التي تسكب حنينها حين تفكر في تمزيق جواز سفره حتى تأخذ حقها ولو كان على سبيل المحاولة. «نظرت إلى بقعة العصير تحت قدميها مباشرة، شعرت بالدوار؛ لكنها سارت بثبات إلى الخزانة، أخرجت جواز سفره، قلبتّه، ثم بدأت تتخيل كيف سيبدو لو قطّعته إلى نتف صغيرة جدا، تتساقط لتختلط بالسائل الأصفر على أرض الكوخ الخشبية «.(7)في القصة الثالثة يبدو المكان مظلما ثمة كرسيان متجاوران، وثمة بابان ومفتاحان، لكن الخروج كان واحدا فكانت الذات المنكسرة بعد رحلة طويلة من المعاناة. يتركها تخرج بحقيبتها الخضراء القبيحة التي تشوهت بآثار ملصقات المطارات: «رأيت هذا المنام قبل أن نفترق بسنتين وثلاثة أشهر. هل بقي هو داخل البيت؟ جالسا على الكرسي نفسه؟ مواجها الباب المغلق. إنّ مفتاحه في يده، لقد كان دوما في يده». (8) هنا يبدو الليل مختلفا؛ إذ هو فراق دائم، لم يتجرأ الرجل على الوقوف، وهي تغادر بقي جالسا على كرسيه بينما غادرت الذات الساردة.
في حين يحضر الليل في قصة «ودائع ليليّة» لتكتمل الصورة وليغدو الليل فعلا وجوديا له حضوره وتشكله هذا الليل السرمدي الذي بدأ بمغامرة ثم بفراق ثم بهجر وانقطاع، ها هو يعلن القطيعة أخيرا لتنتهي حكاية الذات الساردة، وتبدأ حكاية الليل القرمزي الذي يشبه العاصفة.
لقد كانت اللحظة الوجودية التي لن تبقي شيئا وراءها لحكاية يخلقها الليل حين نجده صورة لشيء قديم هو الحب.» حين خلصت له أخيرا كانت شبكة الحب القديم هي ما أخلصني له، وأفضى بي إلى إفراده. أركبتُ الحب القديم إلى جانبي في عربة قطار، وقلت له: خذني، ربما قلت: إلى البحر أو إلى المدينة النائمة»(9) يتقدم هذا الليل الذي خلص الذات الساردة من تلك الوقفات الشعورية، من هنا يتحول الحب القديم إلى شراع نجاة تتخذه الذات الساردة؛ لتذهب إلى البحر أو إلى المدينة أو إلى أي مكان، لكن ليس للحبيب. هذا الحبيب الذي يحضر متخيلا في مقهى عين الليل.
بهذه اللغة الشاعرية المكتنزة بالغربة والحنين في جسد اللحظة المدركة من الذات الساردة، وهي تعلن حبا جديدا ينكشف أمام الخلق كلهم أصبح الهواء؛ لكن هذا الهواء قد أسقط كل الشباك القديمة لتعلن الذات انزياحها من جديد تدور اللحظة، وتعطي الليل وجوده وكائناته الخشنة، وتمضي إلى المكان بعد أن باعت صوتها للساحرة التي أخذت كل شيء.
نجد حكاية الساردة التي قضت من عمرها ست وثلاثين سنة التي عرفت ما سيحدث لها قبل هذا التاريخ. ثمة إحساس بالليل بين الجدران والبيوت الواسعة ثمة حركة تتلاشى وأخرى تبني عشها الأبدي.
من هنا كانت الخيانة هي ما أنهت الحكاية، وصار الليل خزانة والرفوف سحابة ظلام... فهل نسي الليل ودائعه؟
الهوامش:
1- ف. بروب، مورفولوجية الحكاية.
2- حميد لحمداني، بنية النص السردي، من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2000، ص21.
3-محمد صابر عبيد، التشكيل السرد-درامي مقاربة جمالية في روايات إنعام كجه جي، دار الشنفرى، تونس، 2023، ط1 ، ص150.
4-جوخة الحارثي، ليل ينسى ودائعه، منشورات تكون، الكويت، ط1 ، 2025، ص17.
5- المجلة، طبقات الواقع في «ليل ينسى ودائعه» لجوخة الحارثيhttps://www.majalla.com/node.
6- محمد زروق، في «ليل ينسى ودائعه»... القصص القصيرة تستعيد قوتها الشعرية، القدس العربي،2 مارس , 2026.
7- جوخة الحارثي، ليل ينسى ودائعه، ص25.
8- السابق، ص27
9- السابق، ص61