عمان الثقافي

حكاية الإصدار الأول

محمود الرحبي 

يمكن أن يشكل الإصدار الأول ما يشبه خريطة طريق للاحق الإصدارات بالنسبة لأي كاتب، وقد يكون أيضا المحطة الأولى والأخيرة لعديدين من أهل القلم، فتر حماسهم وثقلت خطواتهم من الجولة الأولى، يكون سبب ذلك غالبا فتور القبول العام لذلك الإصدار الأول وما تبعه من استسلام وانسحاب من كاتبه، وبالتالي الاكتفاء بحدود البذرة الأولى. بالنسبة لكاتب هذه السطور، قبل إصداري لمجموعتي القصصية «اللون البني» والتي كتبت أغلب قصصها بالمغرب مكان الدراسة، ثم خضعت للتنقيح والمراجعات لاحقا في مسقط، قبل إصداري للون البني كنت أكتب قصصا وأنشرها في أواخر الثمانينيات في جريدة عُمان، وهي قصص غير موجودة في مجموعتي الأولى. أتذكر الآن فقط بعض عناوين تلك القصص مثل «عضلات فم النائم» و«انبلاج الحلم عند الغسق»، و«دخولات»، وغيرها من عناوين، أيضا كتبت في سنتي الجامعية الأولى بجامعة محمد الخامس بالرباط قصصا لم أضمنها المجموعة الأولى، وكنت أكتب في دفتر الجامعة، وكان من أهمها قصة أفتقدها تماما تحت عنوان «قرية أبادها المطر» ولكن أغلب هذه القصص كنت أراهن فيها على اللغة، كنت مولعا باللغة أكثر من استجلاء الحدث، لذلك جاءت تلك القصص ملتبسة بالشعر وهويتها التجنيسية مضطربة، في حين أن جزءا من هوية القصة هو رصد التحولات سواء الذاتية أو الاجتماعية، بينما في قصص اللون البني حاولت أن أجد توازنا بين نسيج لغة تنفتح على البلاغة وصفاء الحدث ووضوحه. الرؤية طبعا لاحقا شقت نفس الطريق في هذا السياق، ولكن في كل مرة أحاول أن أنبش في أفكار جديدة أجتهد على أن تكون خاصة بي وبقدر الإمكان، لم يسبقني إليها أحد من قبل (أو هذا جزء من طموح أي كاتب على الأقل). لا أعرف إلى أي حد نجحت أو فشلت في هذا المسعى، ولكن ربما كان هذا دأبي: البحث عن فكرة جديدة خارج النسق الشفوي؛ ولكن مع الوقت أغرتني الحكايات الشفوية ذات الصبغة العمانية المحلية وقد حاولت أن أتعامل معها بحذر شديد دون أن أهدم بنيتها الأصلية قدر الإمكان، ولكن أيضا دون السقوط في إغراءات تدفقها الحكائي الخطي. كانت حكايات وضعت ليسمعها الناس فكيف أستطيع أن أسبكها قصصيا؟ تظل تلك محاولات تجريبية في المواضيع. البحث عن مواضيع وحطب للقصص كان شاغلي، وأحيانا تسعفني الحكايات الشعبية بمواد ذات جاذبية وسحر، يمكن أن نجد شيئا من ذلك لاحقا في مجموعتي القصصية «ساعة زوال» التي فازت بجائزة السلطان قابوس في دورتها الأولى، هناك أيضا شيء من ذلك في مجاميع قصصية أخرى، مثل مجموعة «لماذا لا تمزح معي؟» مع الوقت وانطلاقا من «اللون البني» المجموعة القصصية الأولى استطعت أن أتلمس الخيط الشفيف بين القول والصياغة، هذا الأمر يحتاج إلى مراس وخبرة في الكتابة. لا يمكن أن تتجاوز نفسك وتتقدم إن لم تجرب الخوض في مختلف الموضوعات والأشكال، فتتعثر ساعة وتخطو أخرى، ولكن ستسمر والدهشة بتفاصيل الحياة ترافقك.

ولكن قبل أن أصدر «اللون البني» عن دار المدى بدمشق عام 1997، كنت قد قطعت شوطا واسعا في كتابة القصص ونشرها متفرقة (وأنا ما زلت طالبا في المرحلة الجامعية الأولى) في صحيفة القدس العربي الصادرة بلندن، حين كان يشرف على هذه الصفحة الطليعية الشاعر الراحل أمجد ناصر، وكان يذيل ما أنشره بعبارة «كاتب عماني مقيم في المغرب» ولم أنشر هذه المجموعة إلا في وقت لاحق وبعيد قياسا بزمن نشري الأولي للقصص في الصحافة (تقريبا بعد قرابة تسع سنوات)، لذلك كان لابد من التخلي عن القصص الأولى ذات النزوع التجريبي اللغوي، لصالح قصص رأيت أنها أكثر نضجا ويمكن أن تمثلني، فكان أن تخليت عن حزمة مهمة من القصص. جاء بعد ذلك دور البحث عن عنوان لهذه الحزمة الأولى التي يجب أن ترى الضوء أخيرا. وتحت إصرار أصدقاء كان ضمنهم الصديق الشاعر الراحل محمد الحارثي الذي كان في كل مرة ألتقيه يقول لي «ما غايتك تصدر مجموعة؟»، وهو يذكرني بضرورة أن أصدر مجموعتي الأولى. وكنت مترددا هل أسميها «اللون البني» وهو عنوان جامع، تطفو معانيه على مختلف قصص المجموعة، أم بعنوان جاذب «قمر السكران» إحدى قصص هذه المجموعة. ذات يوم كان زائرا لمسقط الشاعر المعروف سعدي يوسف، ضمن مهرجان شعري عربي كانت تشرف عليه بلدية مسقط ضمن مهرجانها السنوي، وكان حينها الشاعر يقيم في دمشق ويعمل مستشارا لدار المدى الناشئة وقتها. وفي أحد اللقاءات أباح لي بمتابعته للقصص التي أنشرها في جريدة القدس العربي، كما ذكره أمجد ناصر الذي كان ضمن المشاركين في هذا المهرجان، بأني نشرت كذلك بحثا كاملا بعنوان «شاعرية المكان عند سعدي يوسف» على حلقات في الصفحة الثقافية التي كان أمجد يشرف عليها بالقدس العربي، وأخبرته بأنه ليست لدي مجموعة قصصية مطبوعة بعد، فاقترح عليّ حين بأنه يذهب إلى دمشق أن يقترح على فخري كريم مسؤول دار المدى أن يطبع لي، فما كان مني إلا أن أعطيته بعد يوم من ذلك اللقاء الحزمة الأولى من قصصي، وأتذكر أنها كانت تحت عنوان «قمر السكران»، وحين سافر سعدي إلى دمشق تواصلت معه، حيث سبق وأن أعطاني رقم هاتف دار المدى، رد عليّ بداية أحد موظفي الدار ثم بعد تكرار المحاولات سمعت صوت الشاعر سعدي يوسف الضعيف والمتميز، يخبرني بأن هناك موافقة على نشر مجموعتي الأولى في دار المدى. شعرت بانتشاء حقيقي بأن تنشر لي دار المدى، وأتذكر أني قطعت مسافة طويلة ماشيا من بيتنا إلى شاطئ بحر السيب، كنت أمشي متسرنما وكان من نتائج تلك المسافة الطويلة من المشي المحلق (قرابة سبعة كيلو مترات) أن أقرر التسمية الجديدة للمجموعة «اللون البني»، فاتصلت ثانية بدار المدى وأعربت لهم عن رغبتي في تغير العنوان، بدل ذلك المنتمي إلى أحد قصص المجموعة «قمر السكران» إلى عنوان أكثر رمزية وربما شاعرية وبه إشعاع دلالي «اللون البني» فهذا اللون بتدرجاته الفاتحة والغامقة موجود ومتجلي واقعيا في كل تفاصيل حياتنا (وشعريا أيضا) البني هو لون الطين والقرية البعيدة؛ ولم لا، لون الطفولة، ولون جلودنا ولون الخشب حولنا، نحن إذن محاطون باللون البني بدون قياس.

وقد كتبت في الصفحة الأخيرة من المجموعة ما يشبه العبارة التالية: «كتبت هذه القصص بين الرباط ومسقط، فرب قصة سقط رأسها في الرباط واكتملت ولادتها في مسقط، والعكس صحيح»، وقد كتب لاحقا الناقد حسن المودن الفقرة التالية ملخصا المسرى السردي السري لقصص كاتب هذه السطور: «الكتابة في قصص محمود الرحبي نشاط غريب مقلق، فهي تنطلق من الواقع المعيش المألوف، ومن خلاله تسير بك إلى لقاء الغرابة واللامعقول: في ذواتنا ودواخلنا، في فضاءاتنا العائلية والاجتماعية، في تفاصيل الحياة اليومية، في أزمنة الماضي وأزمنة الحاضر، في ثنايا الذاكرة وقصايا النسيان».

محمود الرحبي قاص وروائي عماني