بريد القراء

في فلسفة الحياة والرحيل.. السيئون لا يموتون !

 

جدلية الحديث حول 'الموت والحياة' قائمة منذ سنين طويلة، البعض يتفقون تمامًا مع رؤية الكاتب الراحل عبدالرحمن منيف عندما قال: 'إن أغرب شيء في هذه الحياة يا صاحبي، أن الناس السيئين لا يموتون.. يعيشون أكثر مما يجب لكي يفسدوا حياة الآخرين.'.


والبعض الآخر لا يتفقون مع منيف في تلك النظرة، وإن كانوا أحيانًا يجدون نماذج مشابهة لما يصنعه الأشخاص السيئون الذين يفسدون على الغير حياتهم، إلا أن نظرة التعميم تظل ناقصة وغير منصفة نهائيًا.
الحكمة في نظرة منيف الأحادية مبعثها هو تصور بأن الموت يختار بدقة أصحاب القلوب الطيبة فقط، أما السيئون فهم مؤجلون بجرمهم، ومستثنون من ذلك المصير إلى وقت أبعد وليس نهائيًا!.
تأتي الآراء أحيانًا ووجهات النظر من مبعث الشعور الإنساني والنظريات المعقدة في فلسفة الحياة والرحيل المبكر لبعض الناس، ورغم النماذج المتباينة التي تنتشر في المجتمعات، أصبحنا نتوقع كل شيء ومن أي شيء، ولهذا فإن بعض آراء الفلاسفة تذهب أحيانًا إلى كشف بعض الحقائق الأكثر عمقًا في أمر الموت.


'نحن الكائن الحي الوحيد الذي يدرك حتمية الموت، لذا لا يجوز أن نؤجل السعادة إلى زمن قادم، يجب أن نكون سعداء الآن'. الكاتب والمترجم الروسي ميخائيل شيشكين.


بعض الآراء التي تُبنى وتنتشر تأتي من خلال زاوية الانعكاس الشخصي المؤثر الذي يسببه الموت في بعض الشخصيات التي نتأثر بها في حياتنا وربما كانت محورًا مهمًا في المجتمع، سواء كان هذا الأمر حميدًا أو ذميمًا، فعندما نفقد أشخاصًا كانوا عظماء في حياتنا نرى بأن الموت كان قاسيًا على أرواحنا لأن أثر من أخذته المنايا مؤثر وفقدانه خسارة كبيرة، أما عندما يموت أحد الأشقياء فإن نظرتنا لموتهم عبارة عن مكافأة لهم على أعمالهم القبيحة!.
وهذا ما دفع الكاتب والشاعر البريطاني جون رونالد تولكين إلى القول: 'كثير ممن يعيشون يستحقون الموت، وبعض ممن يموتون يستحقون الحياة، هل لك أن تمنحهم إياها؟ إذن لا تتعجل إصدار أحكام بالموت على أحد.'.
أعلم بأن ثمة تناقضًا في هذه النظرة، لكن لا يزال الكثير من الناس يرددون ولا يشككون في أمر الموت خاصة عندما يفقدون الأشخاص الرائعين.


وبما أننا أحد المؤيدين كثيرًا في ملاحظة أن الفقد يأتي كثيرًا لمن هم لا يستحقون الرحيل مبكرًا على أقل تقدير، وإن كان الموت هو الحقيقة الثابتة التي لا جدال فيها في هذه الحياة، ورغم كل الدلائل والحتميات في مسألة الموت، إلا أن بعض الخسائر البشرية 'موجعة' لأنها كانت بحق نماذج مضيئة، وفقدانها جعلنا أكثر حزنًا على هذا الرحيل المبكر، لكن نحن نؤمن بأن الفناء هو القدر الذي يطرق جميع أبواب الجميع دون استثناء أو تأجيل.


أعتقد بأن ملايين البشر في أماكن كثيرة من العالم اتحدوا على سؤال واحد وهو: لماذا يموت 'الأخيار' من الناس مبكرًا، بينما يعيش 'الأشرار' لفترة أطول؟
اجتهد الناس في إيجاد السبب، البعض ذهب إلى عوامل نفسية، والبعض الآخر لم يجد تفسيرًا حقيقيًا لهذه الملاحظة، لكن الثابت هو أننا أكثر تركيزًا مع الأشخاص الأكثر تأثيرًا علينا، أما الأشخاص الهامشيون فنحن لا نراهم.
أعتقد بأن أمر الأعمار الطويلة لا علاقة له بـ'التصرفات الشخصية'، فليس هناك قاعدة ثابتة أو مؤكدة تدل على أن الفعل هو المتحكم في عمر الإنسان.


لكن المؤكد بأن الأثر الذي يتركه الإنسان الطيب يجعل الناس يتمنون لو أنه لم يرحل، بينما الأثر السيئ يجعلهم يعتقدون بأنه قد رافقهم مدة أكبر من الأول، وبذلك يتخيلون بأن الأشخاص السيئين يعيشون سنوات أكبر في الحياة.