أول مرة أرى فيها الكعبة المشرفة، كنت محرمًا بالعمرة، ولا يزال ذلك المشهد المهيب قابعًا في قعر الذاكرة، لا يفارقني أبدًا، وتستدعيه الروح كلما جاء ذكر مكة المكرمة والكعبة وأيام الحج المباركة.
زرت مكة بعد ذلك مرارًا للعمرة وللحج، لكن هيبة المكان وقدسيته وروحانيته لم تتكرر كما كانت في المرة الأولى؛ تلك اللحظة التي استشعرت فيها عظمة الكعبة المشرفة، وبناءها المهيب، وكسوتها السوداء، وطواف الناس حولها، والأسئلة والاستفهامات التي صاحبت تلك الزيارة؛ منها المتسائل، ومنها المستفسر عن لماذا وكيف، وعن السبب والغاية.
ولا تزال حيرة البحث عن إجابات لتلك الأسئلة ترافقني حتى اليوم، وإن كنت على يقين من أن من جاء قبلي قد سألها، وسيسألها من بعدي مسلمون كثيرون وغير مسلمين، حجاج لبيت الله الحرام وغير حجاج، وقد لا نجد جميعًا أجوبة شافية لتساؤلاتنا البشرية الناقصة؛ لأن الجواب بكل بساطة أن ما نسأل عنه هو بيت الله، وهو سبحانه أدرى ببيته، وأعلم بما يريد لنا عند زيارة بيته الحرام، وأيضًا ما يُراد لنا من تلك الزيارة.
الحج بوصفه شعيرة مقدسة لم يختص بها المسلمون من أتباع ملة محمد -عليه الصلاة والسلام-؛ فالأمم من قبلنا فرض عليها الحج كما فرضت عليها بقية الشعائر؛ كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها من شعائر الله التي لا تتغير ولا تتبدل في الأرض، فالبشرية في مجملها تشترك في المفهوم الديني للحج ومناسكه، لكنها تختلف في أركانه وسننه وفرائضه كلٌّ حسب شرائعه، والقرآن الكريم يخبرنا عن بدايات الحج وإقامة قواعد البيت الحرام في قصة سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل حين غدا البيت منذ ذلك الوقت مثابة للناس وأمنًا يحجون إليه طلبًا للمغفرة والرضا من رب العالمين.
يستذكر المسلمون الحج كشعيرة دينية عند بدايات العشر من ذي الحجة حين يبدأ حجاج بيت الله الحرام في التوافد إلى المشاعر المقدسة لأداء المناسك التي كتبها الله عليهم منذ الأزل من الطواف والسعي، والوقوف بعرفة والمزدلفة، ورمي الجمرات إلى غيرها من المناسك التي قد لا يستوعب كثير من الحجاج حكمتها كاملة، ولا الأسرار الإلهية الخفية والدفينة وراء سنها كالطواف والرمي والوقوف، فهم مشغولون بأداء المناسك وإتقانها، والحرص على أداء تراتبيتها أكثر من الغوص في أسرارها وأثرها الروحي، واجترار الأسئلة الكثيرة التي قد يحار العقل في إيجاد تفسير قاطع لها.
وما قد يسعف العقل في فهم بعض تلك المناسك ليس سوى محاولة لتفسير الأسباب؛ لماذا حدث ذلك؟ وكيف حدث؟ أما الحكمة الأعمق فقد تبقى أوسع من قدرة الإنسان المحدودة على الإحاطة بها.
بالرجوع إلى بعض الكتابات والتدوينات التي حاولت إيجاد زوايا مختلفة عن الزاوية الدينية في تفسير الحج ومناسكه والمقاصد منه، كتدوينات السير الذاتية وكتابات علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا التي تبحث في تأثير الدين على سلوك الإنسان، حاولت تلك الكتابات إيجاد مقاربات روحية بين الشعيرة الدينية وأثرها على الإنسان بعيدًا عن قدسية الشعيرة وأركانها.
تلك المقاربات والتدوينات حاولت فهم ماهية الحج، وكيف يجتمع ملايين البشر في مكان واحد وبقعة واحدة يؤدون شعائر متتابعة ومتكررة كل عام في مشهد إنساني وروحي يصعب تفسيره بالمنطق المادي المجرد. وقد حاول بعض الكتّاب والباحثين المقاربة بين حج المسلمين، وبين رحلات الحج لدى أتباع الملل والأديان الأخرى ممن يؤدون هم أيضًا طقوسًا مقدسة مفروضة عليهم في كتبهم وتعاليمهم الدينية.
وأستحضر هنا بعض القراءات التي حاولت فهم شعيرة الحج خارج إطارها الإسلامي التعبدي المباشر، والنظر إليها بوصفها ظاهرة إنسانية كبرى تتجاوز حدود اللغة والعرق والجغرافيا.
من بين تلك الأعمال كتاب الطريق إلى مكة للمفكر والكاتب النمساوي البولندي محمد أسد الذي اعتنق الإسلام وقام بأداء مناسك الحج، وتناول في كتابه هذا رحلته الروحية والفكرية إلى الإسلام حتى وصوله إلى مكة المكرمة، ومما خلص إليه الكاتب في كتابه القول: «لو أن المسلمين فهموا الحج على حقيقته لكان هذا اللقاء السنوي بمثابة المؤتمر السياسي والاجتماعي الأكبر في العالم؛ حيث تلتقي العقول لتبحث مشكلات الأمة وتضع الحلول لها. لكنه واأسفاه تحول لدى الكثيرين إلى مجرد عبادة آلية خالية من الروح الجماعية النابضة».
كثيرون شاطروا محمد أسد ما ذهب إليه من أن روح العبادة انتفت عن كثير من المشاعر، واستبدلت بتدين ظاهر يركز على الشكل ويغفل المضمون. وقد لا يكون هذا الحال فقط عند المسلمين وحدهم، وإنما تتقاطع الإنسانية في ذلك من سهولة اتباع العادة وإغفال التدبر؛ لما في ذلك من إراحة للنفس والعقل وشقاء للجسم والبدن.
أتوق إلى العودة إلى المشاعر المقدسة؛ فالنفس تهفو إلى تلك الأماكن التي اصطفاها الله وخصها بالكثير من الرحمات والمغفرة. ففيها تتجدد العلاقة بين الإنسان وخالقه، وتتجدد فيها الرحلة الدنيوية التي تتشابه كثيرًا مع رحلة الآخرة، تلك الرحلة التي يتجرد فيها الإنسان من كل شيء سوى نفسه، ويقف أمام ربه خفيفًا من كل ما أثقله في دنياه إلا من عمله وإيمانه.