لم يكن الفكر العربي في قديم أدبه جافًّا ولا قاحلًا ولا متصحِّرًا ولا محسوسًا مطلقًا كما نعته شقّ مهمّ من الدارسين، وإنّما كان واجدًا لنفسه سبيلًا من الممكن التخييليّ الذي يخرج به عن محض الإعادة والاستعادة لأكوان حالّة متحقّقة، بل حتّى الشعر الجاهليّ الذي دُرس على أنّه يستعيد نظام الحياة في القبيلة العربيّة، وأنّه يُكرّر طللا طالما عاشه الجاهليّ وعانى من وقْعِ أثره، ويصف رحلةً وراحلةً هما سمته وخاصّته، ويركن إلى المحسوس من الصور، ويُصوّر عوالمه التي عاشها؛ هو في واقع الأمر قد فتّح أبوابًا لعوالم من الأسطورة وداخل حيوات لا مرجع لها في واقعه الإحاليّ، وصوّر صراعًا رمزيّا لثور وحشيّ يُعاني صائديه وكلابهم والطبيعةَ وقسوتها.
والأهمّ من ذلك ما فتحه السرد من بعد ذلك في قصص هيّأ أكوانًا متخيّلة وعوالم لا يُمكن ربطها بواقع عيني إحالي مرجعيّ، مثل الأبواب التي طرقها المعرّي في إثارة قصص ما بعد الحياة في «رسالة الغفران». ومثل صناعة فضاء قصصيّ معرفيّ فلسفيّ مجال وقوعه الذهن الإنسانيّ في مختلف نوازعه في حكاية «حي بن يقظان» لابن طفيل، وغير ذلك من أعمالٍ سرديّة بالأساس حاولت أن تخرج إلى تمثّل الممكن الغائب أو المقبل أو الذهنيّ.
غير أنّ هذه الأبواب التي تفتحت لم تُشرَّع في مقبل الأدب، ولم يُتوسَّع في ثناياها، وإنّما آثر القصص -المحمول على التخييل- تتبّع إيقاع الواقع في أدبنا الحديث، وأعرض عن عوالم قصصيّة عصيّة ومحفوفة بالمخاطر لأسبابٍ عديدة أهمّها ضعف الأرضيّة العلميّة التي يُمكن أن تفتح قصص الخيال العلميّ، وتجنّب مواضيع بدايات الكون ونهاياته وعوالم الغيب لما يُمكن أن تعرض له من تصادم مع عقل دينيّ رقيب لا يتقبّل تحويل الغيب ومساحات الدين مجالا للقصص، وأخيرًا هيمنة مشاغل الواقع والحياة اليوميّة على الفكر الإبداعي، وتعطيل العيش في فضاءات تخرج عن هذا الإيقاع.
صحيح أنّ نظرية العوالم الممكنة ذات أبعاد فلسفية استُثمرت نقديا، وصحيح أنها نظرية تحيل إلى عوالم لها في الأذهان صُورٌ وأشكالٌ، ولها في الأخيلة وقائع وأحداث، العالم الممكن -وفقا لتعريف محمد الخبو- «كائن مجرد نصوغُه بالذهن لا وجود له حقيقيّا». وصفة الإمكان فيه متأتيّة من مشابهته لعالمنا الذي نعيش فيه من حيث ما فيه من قوانين.
وهذه المشابهة تقوم على مبدأ النفاذ الذي مقتضاه أن يكون هناك توافق بين القوانين التي تخضع لها الكائنات في العالم الممكن، وتلك التي تحكم العالم الفعلي من نحو التماثل بين الأشياء هنا وهناك، ومن نحو التلاؤم في العلاقات الزمنيّة والمنطقية بين هذه وتلك»، غير أني لا أقصد تمام نظريّة العوالم الممكنة التخييلية التي تنظر إلى كلّ القصص على أنّه من آثار العوالم الممكنة تخييلًا، وإنّما ما يشغل ذهني هو التفكّر في ما صار إليه العقل الإبداعي العربي، وخاصّة منه السرديّ من تصحّر تخييلي في زماننا، وملازمته الواقع ينسخه ويصنع منه أشباها ونظائر، لا تجد عوالم يخوضها الأدب العربي تترك المرجعيّة الواقعيّة الإحاليّة إلاّ في ما ندر في حين أنّ الحضارة الغربيّة -ولست في حيّز المقارنة، وإنّما في حيّز بيان أثر الغالب على المغلوب، وتخيّر المغلوب ما ينسخه من الغالب- قد لامست تخييلا وتخيُّلا عوالم مختلفة تُجافي الواقع ولا تخرج عنه، تفتح أراضي جديدة قد تُلهم العلماء، وقد تُكوِّن أرضيّة تنبُّئيّة لما سيكون.
وهذا الأمر ليس حبيس الأدب فحسب، وإنّما هو شاملٌ كلّ الفنون التي وجدت سبيلها عربيّا في تصوير الواقع وإعادة إنتاجه، ووجدت سبيلها غربيّا في ابتكار عوالم جديدة قد تؤسّس لمجالات إبداعيّة مختلفة.
ارتعبت عندما نبّهني ميشيل فوكو إلى أنّنا لم ندرس تاريخ الجنون في أرضنا، وكيف سندرسه أنثروبولوجيا وفلسفيّا ومعرفيّا، ولم يتحقّق تراكم توثيقي ولا تخييلي لعوالم المجانين، ولا للعقلاء الذين اختصّوا بالمجانين.
لقد جمّع فوكو لإنجاز دراسته عشرات الأعمال الإبداعيّة ومئات الوثائق الإكلينيكية الراجعة إلى القرون الوسطى، فهل فقدنا ذاكرة مجانينا وهم أصحاب عوالم خارجة عن الوهم الأوروبي إيمانًا بالعقل وبقدرته على تكوين عالم مثالي؟ هل لو أردتُ أن أكتب عن فئة اجتماعيّة هشّة في تاريخ حضارتنا أو عن وباء أو مرض أو سجن أو حلم سأجد الوثائق الرسميّة وغير الرسميّة التي تجعلني أتمثّل هذه الفئة وأكتب عنها أو أقص قصّة عن ممكنها؟ ارتعبت أيضًا أنّني لم أجد ميراثًا أدبيّا وفنيّا كبيرًا يتحدّث عن عوالم الموت وما بعد الحياة بالرغم من توفّر نصوصٍ أولى باعثة لممكنات قصصيّة وإبداعيّة تفتح عوالم ما بعد الحياة وتؤثّثها؛ ففي الفقه نصوص ثريّة وفي قديم الأدب أعمال قليلة تخرج عن الحياة إلى ما بعدها، غير أنّ حديث أدبنا آثر السلامة والتفاعل مع عناصر الواقع يعيد حكايتها.
في حضارة الغرب -ولستُ أفضّل أدبها ولا أرفعه، وإنّما أنا أفهم آلية أدب يصنع المستقبل، ويسهم في تشكيل وعي يخرج عن النسخ والمسخ إلى ابتكار حيوات مختلفة- توفّرت أعمال فنيّة تشكيليّة خرجت عن الانطباعيّة والواقعيّة والرومانسيّة إلى تمثّل البدايات والنهايات وإلى مفارقة العيني والمحسوس لسرد الذهني والتخييلي: ثلاثيّة الهولاندي جيروم بوش لوحة حديقة المباهج الأرضيّة خير مثال على قدرة الفنّان على تمثّل الممكن وإعادة تخييله في صُور وأشكال ورموز حمّالة وفير المعاني تُداخل بين الدينيّ والسحريّ والأسطوريّ والفلكلوري الشعبيّ، وتختزل رصيدًا من السرديّات الموروثة ومدركات شعبيّة وتصوّرات عالمة.
يجمع الفنّان في لوحة قصّة تامّة العناصر يُمكن أن تحمل في ثناياها عوالم من التصوّرات والمدركات، وقس على ذلك تمثّل النهايات، نهايات الكون، المُحاطَة بممكنات علميّة ودينيّة وشعبيّة. هي ممكنات لا يقدر أن يُجمِّع عناصرها، وأن يَصوغ شتاتها، وأن يقصّ ما لم يحدث بعد سوى الفنّان الحقّ السارد الحامل لذهن قادر على تخييل عوالم لم تقع ويحوّلها إلى أكوان واقعة.
لقد أُرهق السرد العربيّ، وما زال يُراوح إشكاليّاته القديمة في صلته بالواقع نأيًا واقترابًا، ولم ينجح في الخروج إلى الممكن، إلى الغيبيّ، إلى المستقبل، بقي السرد العربيّ -عامّة- رهين الماضي، يجترّ قضاياها، التاريخ، العلاقة بالآخر، المشاغل الاجتماعيّة، الإنسان والوجود، الحياة اليوميّة، إرث الاستعمار، ولم ينجح في التخلّي عن المرجعيّات الإحاليّة وابتكار قصص تروي الممكنات العلميّة التي صاغها العقل الغربي الأدبيّ باقتدار، ومستقبل الكون في ظلّ سقوط الإنسانيّة وتداعي الأيديولوجيات الكبرى التي تحمّل الفكر العربيّ رايتها دون أن يُسهم في بنائها، أليست العودة الكونيّة اليوم إلى التصوّف هي رفض لجفاف العقل الغربيّ الذي آمنا به؟ كيف للقصص العربي ألاّ يفتح عينًا على مستقبل الكون، على نهاية الإنسان؟ على العوالم الغيبيّة التي تتحكّم في مساره وحياته؟