عمان اليوم

"عقلية الاعتياد" تهدد روح العبادات.. والتكبير درع نفسي واجتماعي يذيب الفوارق

 

كتبت - مُزنة الفهدي 'تصوير: حسين المقبالي' 

تحمل الأعياد في جوهرها أبعادا عميقة تتجاوز السطحية ومظاهر الفرح العابرة؛ فهي مواقيت ربانية صُممت لتجمع شتات القلوب، وتثبت قيم التلاحم، وتبعث في الأمة روحا جديدة، وتبرز شعيرة 'التكبير' كعطر روحي يربط الأرض بالسماء، ممتدة بجذورها من صدر الإسلام لتتجلى في موروثاتنا الأصيلة كـ'التهلولة' التي تعكس سعة الشريعة وجمال تجذرها، غير أن هذا التدفق الإيماني يواجه اليوم تحديا معاصرا وخفيا؛ تتمثل في 'عقلية الاعتياد' التي تحول الشعائر الحية إلى مجرد سلوكيات آلية وروتين يفتقر للوجدان.
قال الشيخ منذر بن عبدالله السيفي- باحث شؤون دينية بمكتب وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ' يحمل العيد في جوهره أبعادًا تتجاوز مظاهر الفرح السطحية؛ فهو يوم مبارك يجمع شتات القلوب ويوحد كلمة الأمة، ويثبت قيم التلاحم المجتمعي، وتعد شعيرة 'التكبير' العطر الروحي الذي يفوح في هذه الأيام المباركة، ممتدة بجذورها الأصيلة إلى صدر الإسلام؛ حيث كان الصحابة الكرام، يخرجون إلى الأسواق ليرفعوا أصواتهم بالتكبير، فيسمعهم الناس ويكبرون بتكبيرهم، لتتحول الفضاءات العامة إلى واحات ذِكرٍ جماعي تنبض بالهداية والتوحيد وإظهار العبودية لله، وشكره على نعمه الظاهرة والباطنة.'
وأضاف السيفي أنه ليس غريبًا على أهل سلطنة عُمان، الذين تمسكوا بالسنة النبوية وجعلوها منهج حياة، أن يمنحوا التكبير مكانا أثيرا في مواسم الخيرات، ويتجلى هذا التمسك البديع في موروث 'التهلولة' أو 'التيمينة'، وهو عُرف ديني ومجتمعي متبع في عُمان منذ أكثر من ألف عام، ومع إشراقة أول أيام ذي الحجة وحتى اليوم التاسع منه، يخرج الفتية والفتيات في حاراتهم وطرقاتهم، لتصدح حناجرهم الغضة بالتسبيح والحمد والثناء على الله تعالى، مبتدئين بحمد الله على الهداية والتعوذ من الشيطان. موضحا أن هذه الممارسة تعكس سعة الشريعة الإسلامية التي ترفض التضييق على الناس في العادات والتقاليد الإيجابية التي لم يرد فيها منع شرعي، بل تجعل من التكبير مظهرا لإعلان الفرح بطريقة إيمانية تربط العبد بخالقه.
عقلية الاعتياد
وأوضح أن الاصطباغ بالروحانية يمثل في الوقت ذاته امتدادا تاريخيا وتشريعيا لنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يأمر النساء بالخروج في العيدين ليشهدن الخير ويكبرن مع المسلمين، كما يرتبط ارتباطا وثيقا بإحياء سنة الخليل إبراهيم -عليه السلام- في قصة الفداء والتسليم المطلق لأوامر الله تعالى، مما يجعل التكبير استحضارا حيا لمعاني التضحية والعزة.'
وأشار إلى أن هذا التدفق الإيماني يواجه اليوم خطرا خفيا يتمثل في 'عقلية الاعتياد'؛ حيث تتحول العبادات الحية كالصلاة والزكاة والحج والأضحية إلى مجرد عادات وسلوكيات آلية تُفعل دون إدراك للمقاصد الإلهية والنيات الصالحة. إن المنهج الإلهي يسعى لربط الفعل بالقلب، لكن الكثيرين باتوا يمارسون السنن كواجبات صارمة يشقون بها على أنفسهم وغيرهم، متناسين يسر الشريعة ورحمتها؛ فالحج والأضحية مشروطان بالاستطاعة، وانطلاقا من هذا التيسير ينبغي للمسلم أن يستشعر عظمة العبادة لينقلها من مجرد روتين يومي إلى صلة واعية بالخالق، مستصحبا النية الصالحة والخشوع؛ فالعمل الذي لا يحرك الوجدان لا ثمرة مرجوة منه، والوقوف بعرفة إن لم يُذكر الحجيج بالوقوف بين يدي الله يوم القيامة يفقد جوهره، فثمرة العمل وعموده الإخلاص، مؤكدا أهمية هذا الحضور الذهني والقلبي في ضوء ما أثبتته الدراسات المعاصرة من فوائد نفسية وجسدية جمة للمداومة على الأذكار؛ حيث تمنح المؤمن انشراحا في الصدر وطمأنينة في القلب، ويساهم هذا التدبر الروحي في الحد من التوتر والقلق، وزيادة الراحة النفسية، وتحسين المزاج وتدفق الطاقة الإيجابية صباح مساء، فضلا عن الفوائد العضوية المتمثلة في خفض ضغط الدم، وتقليل مخاطر أمراض القلب، مما يجعل الأذكار درعا واقيا يمنح الثبات الروحي في مواجهة ضغوط الحياة وتحدياتها.
أبعاد اجتماعية ونفسية
وأفاد أنه لا تقف آثار التكبير والذكر عند حدود الفرد، بل تمتد إلى أبعادها الاجتماعية والنفسية العميقة التي تؤلف بين قلوب المجتمع؛ فالتكبير في وقته الممتد يشعر المسلم بأجواء المشاعر المقدسة، ويهيئ له السكينة والطمأنينة اللتان تخففان الاحتقان الاجتماعي، مما يدفعه نحو التسامح وإفشاء السلام وتجديد التواصل مع المحيطين به، وحين يخرج المسلمون لأداء صلاة العيد وتصدح أصواتهم بالتكبير، تذوب مشاعر العزلة الفردية ليندمج الجميع في جسد الأمة الواحد، متجردين من الكبرياء والغرور؛ إذ يستشعر الغني والفقير على حد سواء أن الله وحده هو الأكبر والأعظم، مما يكسر الفوارق الطبقية ويعزز روح الإخاء والتضامن المجتمعي ويرسخ هوية الأمة ويربط بين أفراحها، ولحماية هذه الشعائر العظيمة وإحيائها في الفضاءات العامة، تبرز الحاجة إلى أدوار تكاملية تتوزع بين ثلاث مؤسسات رئيسة في المجتمع، تبدأ بالمؤسسات الدينية والدعوية التي يقع على عاتقها توجيه الخطاب التوعوي وخطب الجمعة والمحاضرات للحديث عن المقاصد الإيمانية والمجتمعية للعبادات، فضلا عن رعاية المبادرات التي تعيد إحياء الفعاليات التقليدية كـ'التهلولة' وتقديم الإرشادات التوعوية الميسرة للناس.
واختتم حديثه قائلا: 'تكتمل هذه الجهود بالدور المحوري للمؤسسة الأسرية، باعتبارها الحضن الأول لغرس محبة هذه الشعائر في نفوس الأبناء عبر الممارسة العملية والمشاركة الجماعية، وتخصيص مظاهر احتفالية بهيجة داخل المنزل تربط الأبناء بوجدان مجتمعهم، وتشجيعهم على الانخراط في الأنشطة الخيرية والتهاليل بالمساجد والأحياء السكنية، وتأتي وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لتتوج هذا المثلث المسؤولية، من خلال إنتاج وبث برامج ومواد وثائقية تبرز أهمية التكبير، وتسلط الضوء على العادات والتقاليد الأصيلة التي ورثناها عن الآباء والأجداد في المجتمع العماني، إلى جانب إطلاق حملات توعوية ذكية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإبراز القيم الإيجابية لشعائر العيد، التي تقود في نهاية المطاف إلى بناء مجتمع متراحم، متكافل، ومتسامح يربط أرضه بالسماء وعاداته بالعبادة'.