في العيد .. المجالس العائلية تجدد الروابط الإنسانية وتواجه العزلة الرقمية
الثلاثاء / 8 / ذو الحجة / 1447 هـ - 15:50 - الثلاثاء 26 مايو 2026 15:50
استطلاع- ليلى الحسني 'تصوير: عبدالواحد الحمداني'
يرى مختصون اجتماعيون أن المجالس العائلية في أيام العيد تمثّل مساحة اجتماعية ثرية، تسهم في توطيد العلاقات بين أفراد الأسرة، كما تُعد قناة حيوية لنقل القيم والعادات والتقاليد من جيل إلى آخر بصورة طبيعية وعفوية، من خلال الممارسة والتجربة والتفاعل المباشر، بما يعزز الحفاظ على الهوية الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
وقال عبدالله بن سالم الهاشمي، الأخصائي التربوي والأسري: إن المجالس العائلية في العيد ليست مجرد تجمعات شكلية أو حضورًا اجتماعيًا عابرًا، بل هي فضاء إنساني تتجدد فيه مشاعر الألفة والمحبة وصلة الرحم.
فهي تمنح أفراد الأسرة فرصة ثمينة للالتقاء بعيدًا عن ضغوط الحياة وانشغالاتها اليومية، وتعيد إلى العلاقات دفئها وصدقها، كما تُعزز روح الانتماء الأسري وتُقوي الروابط التي قد تضعفها مشاغل الحياة وتباعد الأيام.
وأضاف أن العيد في جوهره يحمل معاني التسامح والعفو وفتح صفحات جديدة، ولذلك يُعدّ من أنسب الأوقات لطيّ الخلافات ولمّ الشمل؛ فالأجواء العائلية المفعمة بالبهجة والراحة النفسية تسهم في تليين القلوب وكسر الحواجز، وقد تكون كلمة صادقة أو مبادرة ودّ بسيطة كفيلة بإنهاء سنوات من الجفاء. كما أن كبار العائلة يضطلعون بدور محوري في تقريب وجهات النظر، ونشر روح الألفة، وإعادة دفء العلاقات بين أفراد الأسرة، بما يعزز وحدة النسيج العائلي وتماسكه.
التحديات
وأشار الهاشمي إلى أن أبرز التحديات التي تواجه التواصل داخل الأسرة اليوم تتمثل في الانشغال المتزايد بالأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والعالم الرقمي ككل، إلى جانب ضغوط الحياة وتسارع وتيرتها، وهو ما أسهم في تقليص حضور اللقاءات العائلية وضعف تكرارها. كما أن تراجع الحوار بين الأجيال وتباين الاهتمامات أوجدا فجوة في التواصل الأسري، وأصبح البعض يميل إلى العزلة الرقمية بدلًا من الجلسات العائلية المباشرة التي تعزز القرب الإنساني.
وأوضح الهاشمي أنه يمكن تشجيع الأبناء على المشاركة في الزيارات العائلية من خلال إشراكهم في التحضير لها، وتعريفهم بقيمة صلة الرحم وأثرها العميق في الدين والمجتمع. كما أن جعل المجالس أكثر قربًا من اهتمامات الشباب، ومنحهم مساحة للحوار والمشاركة، عوامل تصبّ في تعزيز اندماجهم وشعورهم بأهمية دورهم داخل الأسرة. ويظل للقدوة الأسرية أثر بالغ؛ إذ إن حرص الوالدين على صلة الرحم والتواصل العائلي يرسّخ هذا السلوك في نفوس الأبناء ويحوّله إلى ممارسة دائمة.
وأشار إلى أن كبار الأسرة يمثلون ركيزة أساسية في تماسكها؛ فهم من يصنعون أجواء الترحيب والاحتواء، وينقلون القيم والعادات الأصيلة للأجيال. كما أن حضورهم يمنح المجالس هيبة ودفئًا خاصًا، ويؤدي دورًا مهمًا في جمع القلوب وتقريب وجهات النظر، فضلًا عن سرد القصص والتجارب والأخبار التي تعزز الروابط الأسرية وتغرس معاني الانتماء والسمت العماني.
وأضاف أن تفعيل دور المجالس الأسرية يمكن أن يسهم في إحياء ثقافة الحوار الهادئ، وتعزيز الإنصات المتبادل، وعدم الاكتفاء بالمجاملات الاجتماعية، بحيث تتحول إلى مساحة إيجابية لطرح قضايا الأسرة والمجتمع بأسلوب راقٍ وبنّاء، وتبادل الخبرات والتجارب بما يعزز قيم التفاهم والتعاون والتكافل الاجتماعي.
واختتم الهاشمي بالتأكيد على أهمية تحقيق توازن واعٍ بين الخصوصية الأسرية وصلة الرحم، بحيث لا تكون العلاقات العائلية على حساب خصوصية كل أسرة، بل قائمة على الاحترام والدعم والمودة.
كما أن تنظيم الزيارات، واحترام أوقات وظروف الآخرين، يسهم في استدامة العلاقات بصورة صحية ومريحة للجميع، ويعزز استمرار التواصل دون ضغط أو إرباك.
الروابط الإنسانية
تقول الريان الغافري، عضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية: إن إشراقة صباح العيد في عُمان تتجاوز حدود الشعائر والمظاهر الاحتفالية التقليدية لتستقر في عمق “المجلس العُماني” أو “السبلة”، حيث تلتقي الأجيال على امتداد المسافات التي فرضتها انشغالات الحياة وتسارعها.
وترى أن هذا اللقاء السنوي المتجدد ليس مجرد تقليد اجتماعي متوارث أو عادة عابرة، بل هو مساحة إنسانية نابضة تتجدد فيها الروابط، وتُبعث من خلالها قيم التكافل والتعاون والتآلف المجتمعي. فمع انشغال الإنسان في تفاصيل العمل أو الدراسة وضغوط الحياة اليومية، يأتي العيد ليمنح الأفراد فرصة “انفصال إيجابي” عن الأعباء، والعودة إلى دفء العلاقات الأولى، عبر لقاءات يغلب عليها طابع العفوية، وتبادل التهاني، واسترجاع الذكريات التي تشكل ذاكرة المجتمع.
وأشارت إلى أن المجالس العائلية تسهم في تعزيز الشعور بالأمان والانتماء خلال أيام العيد، ويتجلى ذلك في التفاصيل المشتركة التي يعيشها أفراد الأسرة معًا، بدءًا من وحدة المظهر واللباس التقليدي؛ فعندما يرى الفرد الجميع، من الأطفال إلى كبار السن، يرتدون الدشداشة والمصر والخنجر بالنسبة للرجال، والملابس التقليدية لدى النساء، يتعزز لديه الإحساس بالانتماء إلى كيان اجتماعي واحد، وتتعمق مشاعر الاعتزاز بالهوية العُمانية.
وأضافت أن هذه المجالس تؤدي دورًا محوريًا في تلبية إحدى أهم الاحتياجات النفسية في هرم ماسلو، وهي الحاجة إلى الانتماء؛ إذ تمثل هذه التجمعات مرساة وجدانية تعزز هوية الفرد، خاصة لدى الأطفال والأجيال الناشئة. فمن خلال الاستماع إلى قصص الأجداد، والتعرف على تاريخ العائلة، وتبادل الذكريات والمواقف المشتركة، يتشكل لدى الفرد وعي عاطفي راسخ وشعور عميق بالانتماء إلى أسرته ومجتمعه. كما يولد هذا الانتماء إحساسًا متناميًا بالأمان، لكون الفرد يشعر بأنه جزء من شبكة دعم اجتماعي متماسكة تسنده نفسيًا وماديًا في مختلف الظروف.
وأوضحت أن العصر الرقمي بما يحمله من تواصل افتراضي متسارع قد أسهم في اتساع دائرة العزلة الاجتماعية لدى بعض الأفراد، وهنا تبرز أهمية اللقاءات الأسرية في كسر هذه العزلة. فالتواصل الإنساني المباشر خلال العيد، بما يحمله من مصافحات وأحاديث ودّية وضحكات الأطفال ودعوات الكبار، يشكل تفاعلات حية قادرة على إذابة جليد الوحدة، وكسر الحواجز النفسية التي قد تفرضها ضغوط العمل أو الدراسة أو الاغتراب.
وبيّنت أن الأنشطة المرتبطة بالعيد في المجتمع العُماني، مثل الزيارات العائلية والتجمعات في الفعاليات التقليدية كـ“هبطة العيد” والمشاركة في فنون مثل “الرزحة”، تسهم في تجديد النشاط النفسي ورفع الحالة المعنوية للأفراد. كما أن الأجواء الإيجابية، والابتسامات المتبادلة، والأحاديث الودية، تنعكس بصورة مباشرة على الصحة النفسية، وتخفف من التوتر والضغوط اليومية، بما يجعل العيد مساحة لاستعادة التوازن النفسي والروحي.
ومن جانبها، تقول سارية الغنيمي، باحثة اجتماعية وعضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية: إن “المجلس” أو “السبلة” أو “الديوانية” هي مسميات متعددة لمكان واحد حاضر في كل بيت عُماني، يشكل أحد أهم روافد التنشئة الاجتماعية منذ الطفولة، ويمثل بيئة حاضنة لاكتساب القيم والعادات والتقاليد والسمت العُماني الأصيل. وتضيف أن المجالس تُعد من أبرز المظاهر الاجتماعية التي تعكس قوة الترابط الأسري والمجتمعي، خصوصًا خلال الأعياد والمناسبات التي تشهد تلاقي الأهل والأقارب والجيران، حيث لا يقتصر العيد على كونه مناسبة دينية فحسب، بل يتحول إلى مساحة متجددة لتعزيز صلة الأرحام وترسيخ قيم التكافل والتواصل المباشر بين أفراد المجتمع.
وأشارت إلى أنه رغم التطور التقني وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فإن المجالس العائلية ما تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها مساحة حقيقية للحوار الإنساني وتبادل المشاعر والتقارب الوجداني؛ إذ يمنح الحضور الواقعي الأفراد شعورًا أعمق بالثقة، ويعزز القيم الاجتماعية والدينية من خلال التفاعل المباشر القائم على حسن الاستقبال وكرم الضيافة وتبادل الأحاديث والأخبار، إلى جانب ما يعرفه المجتمع العُماني بـ“العزام”، وهو ما يعكس أصالة المجتمع ودفء تواصله الإنساني.
وأضافت أن المجالس تعزز روح التعاون والتكافل الاجتماعي، سواء عبر تبادل الدعم أو الاهتمام بأحوال الآخرين ومساندتهم في مختلف الظروف. ويتجلى ذلك في مبادرات اجتماعية عفوية، مثل فتح بعض المجالس من قبل الجيران لاستقبال ضيوف الأقارب أو المشاركة في استقبال الضيوف، في مشهد يعكس عمق الترابط الإنساني في المجتمع العُماني. كما أن المجالس لا تقتصر على نطاق الأسرة فقط، بل تمتد لتشمل الجيران والأصدقاء وأبناء الحي، بما يجسد طبيعة المجتمع العُماني القائمة على الألفة والتواصل المستمر.
مشاعر الانتماء
وقالت هنية الصبحي، عضوة جمعية الاجتماعيين العُمانية: إن المجالس في عُمان ارتبطت تاريخيًا بالبنى القبلية والريفية والحضرية، وشكّلت عبر مختلف المراحل فضاءً اجتماعيًا للتواصل بين الأعيان وأفراد المجتمع، وميدانًا لإدارة شؤون الحياة اليومية وفضّ النزاعات وبحث القضايا العامة. ومع تشكّل الدولة الحديثة، تطور مفهوم “السبلة” من كونه فضاءً تقليديًا للوجاهة والوساطة إلى رمز وطني يعكس عمق التماسك الاجتماعي، مع استمرار أدواره الاجتماعية الأصيلة والمتجددة.
وأضافت أن المجالس تؤدي دورًا محوريًا في بناء الثقة بين أفراد المجتمع، وتعزيز مشاعر الانتماء وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي، من خلال توسيع شبكات الدعم المتبادل وقت الحاجة، وهو ما يُعد أحد المكونات الأساسية لما يُعرف
بـ“رأس المال الاجتماعي” ببعديه الترابطي والجسري. وأشارت إلى أن منظومة الضيافة وما يرتبط بها من تبادل الأدوار وتحمّل التكاليف بين أفراد المجتمع المحلي، لا سيما
في المناسبات الاجتماعية كالأعراس والأعياد وحالات العزاء، تمثل رسالة اجتماعية راسخة تعكس روح المسؤولية الجماعية، والحرص على تعزيز اللحمة المجتمعية واستدامة الترابط بين الأفراد.
الترابط الأسري
وتقول منى بنت سعيد العبري: إن المجالس العائلية في المجتمع العُماني ذات قيمة اجتماعية عالية، وتمثل ركيزة أساسية داخل كل منزل وفي كل قرية، إذ تسهم في تعزيز الترابط الأسري من جهة، وتقوية التلاحم المجتمعي في الحي أو القرية من جهة أخرى. وتوضح أنها تمثل مساحة حيوية يطرح فيها الأفراد أفكارهم ويناقشون قضاياهم ويشاركون همومهم وأفراحهم، كما تمنح الفرد شعورًا بالانتماء إلى كيان اجتماعي داعم حاضر في كل وقت وحين، بما يجعلها رمزًا للألفة والتكافل بين الناس.
وأضافت أنها تحرص على أن يكون ابنها حاضرًا في مجالس الرجال بشكل منتظم برفقة والده، باعتبارها بيئة تربوية غنية يتعلم منها العادات والتقاليد بصورة عملية متكررة، بدءًا من آداب الحديث وفنون الضيافة، وصولًا إلى الاطلاع على تجارب كبار العائلة في حل المشكلات واتخاذ القرارات، مؤكدة أن المجالس العُمانية تمثل “مدارس اجتماعية” تتناقل القيم بين الأجيال.
وأشارت إلى أهمية دور الوالدين في تشجيع الأبناء على حضور المجالس العائلية الرجالية والنسائية، لما لها من أثر مباشر في غرس القيم الأخلاقية والاجتماعية، وتخفيف الاعتماد المفرط على الأجهزة الإلكترونية التي أدت لدى بعض الأبناء إلى عزوف عن المشاركة في هذه اللقاءات. كما شددت على ضرورة تحفيز الأبناء عبر التشجيع والثناء وجعل أجواء المجالس أكثر جاذبية وتفاعلًا، خاصة في ظل تسارع نمط الحياة وسيطرة الوسائط الرقمية.
ولفتت إلى ظهور بعض الورش والدورات التي تُعنى بتعليم الأطفال العادات والتقاليد، معتبرة ذلك مؤشرًا على وجود حاجة لتعزيز هذا الجانب، رغم أهميته، مؤكدة في الوقت ذاته أن التعلم الحقيقي لا يكتمل إلا من خلال التجربة الحية داخل المجالس والتفاعل المباشر مع الواقع الاجتماعي، بما يرسخ القيم ويجعلها أكثر ثباتًا وعمقًا في سلوك الأجيال الناشئة.