أكثر الأيام عتقًا من النار
الاثنين / 7 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:52 - الاثنين 25 مايو 2026 21:52
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز في سورة الحج: 'وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ' صدق الله العظيم.
في هذا اليوم الأغر، يقف حجاج بيت الله الحرام على صعيد جبل الرحمة بعرفة طاعة لله، واسترشادًا بسنة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، يقفون في مشهد إيماني عظيم، وموقف إنساني لا يتكرر في العام إلا مرة واحدة، فهذا الحدث العظيم ما هو إلا ترسيخ لمعاني الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده في نفوس المسلمين في صورة «حكم وعبر» لا تنسى، فهذا الموقف يفتح ضفاف أبواب التفكر والتأمل في مسارات الحياة الدنيا وما فيها من آمال تبنى، وأمنيات تتوق لها النفس، وأوجاع لا تخبو إلا بالفناء الذي كتبه الله على الإنسان.
فكم من مشتاق حدث نفسه يومًا بأداء فريضة «الحج»، لكن الأجل عاجله، ورحل قبل أن تطأ قدمه الأراضي الطاهرة! هي أقدارنا التي لا مفر منها، وسنة الله التي لا اعتراض عليها، فكم من متأمل نال ما تأمل، فكتب الله له الحج مع إخوانه الذين يقفون اليوم في باحة عرفة.
إن الله تعالى يقسم الأرزاق كيفما يشاء، وهو الذي يجيب الدعوات، ويغفر الزلات، ويكفر الخطايا، ويتوب على العاصين، ويثيب المجتهدين، ويمنح ويمنع ما يريد، فكل شيء في هذا الكون بأمره، فله الحمد والشكر والثناء على كل شيء خلقه في هذا الوجود.
وذكر سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام للسلطنة، في فتواه حول الوقوف بعرفات، أن الوجود بها للدعاء والذكر، وبدايته من بعد الزوال وأداء فرضي الظهر والعصر قصرًا وجمع تقديم، ونهايته غروب الشمس، كل ذلك في اليوم التاسع من ذي الحجة، ومن أدرك قبل غروب الشمس الوقوف بعرفات قدر ما يأتي بالباقيات الصالحات فقد أدرك عرفات إجماعًا، واختلف فيمن أدرك ذلك ليلًا في ليلة النحر، والصحيح أن من أدرك الوقوف بعرفات ليلًا أو نهارًا، ثم وقف بجمع ليلة النحر، وأدرك ثم صلاة الغداة، فقد أدرك الحج، لحديث عروة بن مضرس المشهور».
بمعنى أن رحلة الحاج في يوم عرفة مليئة بالذكر والتسبيح والتهليل، ثم تأتي «النفرة»، فيبيت الحجاج ليلتهم في مشعر مزدلفة، وذلك اقتداء بسنة النبي محمد صلوات الله عليه وسلم.
ورد في السنة النبوية الشريفة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد تم حجه».
ولهذا اليوم مكانة عظيمة في نفوس المسلمين، فما أجمله من مشهد تتجسد فيه هذه الجموع الطيبة وهم يقفون على جنبات صعيد عرفة الطاهر! جاؤوا من كل فج عميق ليشهدوا سويًا وقوفهم المبارك، وقد تحللوا من زينة الدنيا، وتخلوا عن ثيابهم الغالية، وعطورهم النفاذة، هنا في هذا المكان يتساوى الفقير مع الغني، والكل سواسية بردائهم الأبيض.
مشهد اليوم جميل للغاية، ومؤثر في النفس بأصوات الحجيج وهم يتناثرون كحبات اللؤلؤ الثمين بين ثنايا عرفات، هؤلاء الحجيج جاؤوا بقلوب مؤمنة بالله من أماكن متفرقة من العالم «العربي والإسلامي والغربي»، جمعتهم عقيدة التوحيد: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأرشدتهم تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف إلى أن هذه الطاعة هي الركن العظيم من أركان الإسلام الخمسة.
أصواتهم تزلزل أماكن وقوفهم في هذا المشعر المبارك، وأيديهم مرفوعة نحو هامات السماء، وعيونهم ملأى بالدموع، وقلوبهم واجفة طائعة متضرعة إلى الله بأمل القبول والغفران.
قال صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».
هؤلاء هم حجاج بيت الله الحرام، جاؤوا إلى عرفات مهللين مكبرين، سائلين الله تعالى أن يتقبل منهم صالحات أعمالهم، وأن يكفر عنهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر.
إن مشهد الحجيج وهم على عرفات يذكرنا بسنوات من الذكريات التي لا تموت في عقولنا، نتذكر أحبتنا وهم يقفون مع إخوانهم في هذا المشهد العظيم، نتذكر قدسية المكان وأهميته لكل من أراد إتمام نسك الحج، ونتذكر بأن راية التوحيد ستظل ترفرف على بلاد المسلمين إلى يوم الدين.
إن صعيد عرفات الطاهر ليس مكانًا عاديًا أو بقعة جغرافية لا تختلف عن غيرها من بقاع الدنيا، فعرفات مكان تتجسد فيه حلاوة الإيمان، والبعد عن زخارف الدنيا ومتاعها الزائل، والتحلل من كل ما يعلق في النفس من أفعال أو أقوال لا ترضي الله تعالى.
يوم عرفة فضله عظيم في الإسلام، حيث يعتبر أكثر الأيام عتقًا من النار، فقد روى الإمام مسلم في «صحيحه» عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟».
وفي يوم عرفة، تتجسد أسمى معاني الوحدة والاتحاد بين المسلمين، إذ يقف الملايين على صعيد واحد، بقلوب متآلفة وغاية واحدة، لا فرق بينهم في لون أو لغة أو مكانة، تجمعهم راية التوحيد، وتوحدهم مشاعر الإيمان والطاعة والخضوع لله تعالى.
فهذا المشهد العظيم يؤكد أن الإسلام دين يجمع ولا يفرق، ويرسخ قيم الأخوة والمحبة والتكاتف بين أبناء الأمة الإسلامية، الذين يلتقون في هذا اليوم المبارك على كلمة واحدة ودعاء واحد، راجين رحمة الله ومغفرته ورضوانه.