بريد القراء

في خشوع وتضرع.. حجاج بيت الله الحرام على صعيد عرفات

يوم عرفة هو وقت يقضيه الحاج القاصد «بيته العتيق» في التجلي الأعظم في هذه الرقعة الجغرافية الطاهرة، حيث تتنزل الرحمات، وتغفر الزلات، وتجاب الدعوات.
لهذا كان يوم عرفة يومًا خالدًا في حياة المسلمين والحجاج، حيث تتجرد فيه القلوب من حب الدنيا إلى حب الآخرة، لذا يقف الحاج بين يدي الله بدموع التوبة، راجيًا عفوه ومغفرته ورضاه والجنة، فيعيش المؤمن على صعيد عرفة أجواء ربانية يعجز اللسان عن التعبير عنها، وتعجز الأقلام عن وصفها.


والناظر في مشهد عرفة ومشهد يوم القيامة يجد التلازم والترابط بين المشهدين من حيث وحدة الغاية في تحصيل الفوز بالجنة والعتق من النار.
في هذه الساعات المقبلة، تقف جموع حجاج بيت الله الحرام اليوم بصعيد عرفات الطاهر، لأداء الركن الأعظم من أركان الحج، في مشهد إيماني مهيب، يوجه فيه ضيوف الرحمن مشاعرهم وقلوبهم نحو الله تعالى، متجردين من كل ملذات الدنيا الكثيرة، فموقف عرفات هو بوابة واسعة لمحو عثرات الماضي وبناء مستقبل مشرق بالطاعات والعبادات.


في هذه الأوقات المباركة، يحث العلماء والفقهاء جموع حجاج بيت الله الحرام على اغتنام الفضل العظيم خلال وقوفهم بـ«مشعر عرفات الطاهر»، والإكثار من الثناء على الله وذكره وشكره على ما أنعم عليهم من جود وكرم بأن شهدوا حج هذا العام، ويدعونه سبحانه بأن يوفقهم في رحلتهم الإيمانية، وأن يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، فحين تلهج الألسن بالذكر، وتضج القلوب بالرجاء، تفتح أبواب السماء لتستقبل أصدق الكلمات في أزكى أوقات الاستجابة وأعظم محطات الضراعة.


كما يحث علماء الدين حجاج بيت الله الحرام على الاجتهاد في الدعاء في هذا اليوم العظيم؛ لأن يوم عرفة من مواطن إجابة الدعاء وغفران الذنوب، لهذا وجب على الحاج الإكثار من دعائه، فالقبول والرضا من عند الله وحده.


كما أشارت الوصايا الإسلامية إلى مبدأ التعاون على البر، وإلى تقوى الله بفعل أوامره وترك مناهيه، فإن الله يحب المتقين، وجعل العاقبة للتقوى.
في هذا اليوم يؤدي الحجاج صلاتي الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في مسجد «نمرة» أو في مخيماتهم اقتداءً بالسنة النبوية، ويتفرغون للدعاء والتوبة والاستغفار في هذا الموقف العظيم الذي تتجلى فيه وحدة الأمة الإسلامية.


يُعرف يوم عرفة بأنه محطة لتطهير الروح، يخرج فيها المسلم بصحيفة بيضاء وقلب ملأه التوحيد واليقين، فهو يوم الجبر لكل المنكسرين، ففي هذا الوقت تمتزج الدموع وهي تحفر أخاديدها وأفلاجها وقنواتها في وجوه الحجيج، مع لهج الألسن بالدعاء والتضرع والخشية من العقاب والرجاء بالصفح الجميل، كما تتنوع الأهداف والمرامي بين الحجاج في الدعاء، فمنهم من يدعو لنفسه وأهله، ومن يحمل هموم شعوب وأوطان منكوبة إلى عرفات، لعل الله تعالى يزيح عنهم الغمة، ويفرج عن قلوبهم الكربة، وأن يعيد لهم الأمل في حياة أخرى سعيدة.


ففي هذا اليوم الأغر تجاب الدعوات، وتقال العثرات، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات. وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران. ويُسن صيامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يكفر السنة الماضية والسنة القابلة»، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة.


والسؤال: ماذا بعد هذه الوقفة الإيمانية العظيمة على صعيد عرفات؟
مع غروب شمس هذا اليوم المبارك، تبدأ جموع الحجيج رحلتها إلى مشعر مزدلفة، تغمرهم مشاعر الطمأنينة والسكينة بعد ساعات طويلة من الدعاء والتضرع والرجاء. يتحركون بهدوء ووقار، وقد امتلأت قلوبهم بالأمل في رحمة الله ومغفرته، ليؤدوا هناك صلاتي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ثم يبيتون ليلتهم في أجواء إيمانية مفعمة بالخشوع والتأمل، استعدادًا لاستكمال بقية مناسك الحج في أيام النحر، ابتداءً من رمي جمرة العقبة الكبرى، وصولًا إلى إتمام شعائر الحج كافة. وبعد رحلة إيمانية عظيمة، يعود الحجاج إلى أوطانهم وقد حملوا في قلوبهم ذكرى لا تنسى، ونفوسًا زادتها الطاعة تمسكًا وتجددا وتضرعًا، وأرواحًا ترجو أن تكون قد فازت بالقبول والمغفرة والرضوان.