كينز ومينسكي واقتصاد عدم اليقين
الاحد / 6 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:40 - الاحد 24 مايو 2026 21:40
لقد كان مينسكي هو من كشف التناقض العميق بين «اقتصاديات كينز» و«المدرسة الكينزية» التي هيمنت على تدريس وممارسة الاقتصاد الكلي لمدة جيل كامل على الأقل، والتي لا تزال مدمجة في النماذج المعاصرة لما يُعرف بـ«الاقتصاد الكينزي الجديد».
أكمل مينسكي درجة الدكتوراه في جامعة هارفارد تحت إشراف جوزيف شومبيتر، الذي ألهم مفهومه عن «التدمير الخلّاق» فهمَ كيفية قيام الابتكار التكنولوجي بدفع التحولات الاقتصادية، وقد برز مينسكي بوصفه «اقتصاديًا غير تقليدي» أي معارضًا للعقيدة الكينزية السائدة التي طوّرها في معهد MIT الحائزان على جائزة نوبل بول صامويلسون وروبرت سولو.
وخلال معظم مسيرته المهنية في جامعة واشنطن في سانت لويس، طوّر مينسكي قراءة لأعمال كينز تختلف جذريًا عن تلك التي صاغها صامويلسون وسولو. ففي «التركيب الكلاسيكي الجديد» الذي قدماه، كانت السياسة الاقتصادية الكينزية كفيلة بضمان التشغيل الكامل للموارد. وعندها يمكن تطبيق الاقتصاد الجزئي التقليدي القائم على كفاءة الأسواق، خاليًا من حالة عدم اليقين التي تملأ أعمال كينز الأصلية. وقد أطلقت عالمة الاقتصاد جوان روبنسون على هذا النهج اسم «الكينزية المزيّفة».
كنتُ بدوري منغمسًا إلى حدٍ كافٍ في فكر كينز نفسه، بحيث إنني بدلًا من تدريس «التركيب الكلاسيكي الجديد»، شرعت في إجازة امتدت 35 عامًا كمستثمر في رأس المال المخاطر. وكان احتكاكي الجاد الوحيد مع الأوساط الأكاديمية خلال تلك السنوات عندما التقيت مينسكي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
وقد تعمّقت العلاقة عندما انضم إلى معهد ليفي للاقتصاد، الذي يقع على مسافة قريبة من مدينة نيويورك بشكل ملائم. وقد قام مينسكي برعاية ورقة بحثية قدمتها في الاجتماع السنوي لـ«جمعية الاقتصاد التطوري» في ديسمبر 1985.
تناولت تلك الورقة البحثية، «ممارسة الرأسمالية: ملاحظات حول ممارسة رأس المال المخاطر»، دراسةً لاختلاف أنماط «الفاعل المالي» في أعمال فرناند بروديل، وكارل ماركس، وشومبيتر، وكينز، مع رسم أوجه التشابه بين كل منهم ودور المستثمر المحترف في رأس المال المخاطر في العصر الحديث. وقد شكّلت تلك الورقة البذرة التي نمت لاحقًا لتصبح كتابي ممارسة الرأسمالية في اقتصاد الابتكار، الذي نشرته بعد ما يقرب من 30 عامًا، في عام 2012.
وما زلت، متتبعًا للمسار الذي رسمه كينز، أركز على اقتصاديات الابتكار، حيث يتم الاستثمار عند حدود التكنولوجيا دائمًا في ظل ظروف من عدم يقين جذري وأوضاع مالية متقلبة.
وكما يوضح إل. راندال راي في كتابه الممتاز الصادر عام 2015، لماذا يهم مينسكي، فإن الرسالة الأهم لدى مينسكي هي أن انشغال الاقتصاديين المفرط بتحديد شروط التوازن يتجاهل حقيقة جوهرية ووجودية: إن الاستقرار نفسه يولّد عدم الاستقرار.
وقد سعى مينسكي إلى شرح ما اعتبره «نظرية كينز في الاستثمار لتقلبات الطلب الحقيقي، ونظرية مالية لتقلبات الاستثمار الحقيقي». وبدأ ذلك من خلال تحليل دقيق لما سماه «الحكمة التقليدية، والتفسير القياسي لكينز»، وهو التفسير الذي ساهم في حجب ما أنجزه كينز فعليًا وأعاق الثورة في النظرية الاقتصادية التي أطلقها.
طوال كتابه الصادر عام 1975 بعنوان جون ماينارد كينز، يكرر مينسكي مرارًا استشهاد كينز بمفهوم عدم اليقين بوصفه العامل الأساسي الذي يحدد القرارات الاقتصادية والمالية. وقد علّق قائلًا: «كينز من دون عدم اليقين يشبه إلى حد ما هاملت من دون الأمير».
وكما كان كينز نفسه قد أكد في تعليق له عام 1937 في المجلة الفصلية للاقتصاد، فإن عدم اليقين يُعد في جوهره حالة أنطولوجية في بنية الكون: «بمصطلح - المعرفة غير اليقينية- ... لا أقصد مجرد التمييز بين ما هو معلوم على وجه اليقين وما هو محتمل فقط. ... إن المعنى الذي أستخدم به المصطلح هو ذلك الذي تكون فيه احتمالية اندلاع حرب أوروبية غير مؤكدة، أو سعر النحاس ومعدل الفائدة بعد عشرين عامًا، أو تقادم اختراع جديد، أو موقع مالكي الثروات الخاصة في البنية الاجتماعية عام 1970. في هذه الأمور لا يوجد أساس علمي يمكن من خلاله تكوين أي احتمال قابل للحساب. نحن ببساطة لا نعلم.»
ما تفعله النقود
تنتقل هذه الحجة من مستوى الميتافيزيقا إلى المجال اليومي للاقتصاد المالي بمجرد أن ينتقل كينز (ومينسكي) إلى الحديث عن النقود. من السهل ملاحظة ما توفره النقود من راحة بوصفها وسيطًا للتبادل، إذ إنها تلغي شرط «تطابق الرغبات» المتزامن الذي كان سيكون ضروريًا في غيابها لتحفيز التبادل التجاري. لكن لماذا يحتفظ الناس بالنقود كأصل، أي كشيء يتم اكتنازه، في حين أنه لا يدرّ أي دخل؟ لقد تساءل كينز: «لماذا قد يرغب أي شخص، خارج مصحة للمجانين، في استخدام النقود كمخزن للثروة؟» والإجابة، بطبيعة الحال، هي أنها توفر تأمينًا ضد كل ما لا يمكن معرفته مسبقًا.
تتميّز النقود عن غيرها من الأصول بسيولتها القصوى، وهي صفة تقترن بغياب العائد منها. وينطلق وصف كينز لـ«تفضيل السيولة» من إدراكه أن أسعار الفائدة تمثل «العلاوة» التي يجب تقديمها لحثّ المستثمرين على عدم الاحتفاظ بالنقد. لكن تفضيل السيولة لا يمكن أن يكون دالة مستقرة، لأنه ليس خاصية للأصل نفسه، بل هو خاصية لظروف السوق التي يصبح فيها تحويل أصل معين إلى نقد أمرًا مرغوبًا ذاتيًا أو ضروريًا موضوعيًا.
وكما يعرف كل من عمل في الأسواق المالية، فإن السيولة تحمل صفة مفارِقة: فهي تكون أقل توفرًا كلما زادت الحاجة إليها. ومن هنا يصبح تفضيل السيولة أحد السبل التي من خلالها يتغلغل عدم اليقين في قرارات الاستثمار.
أما الدافع لامتلاك أي أصل غير النقود فينبع بالطبع من العائد الذي يحققه لمالكه. وبالنسبة لعائد الأصول الرأسمالية، يتبع مينسكي كينز في استخدام مصطلح ألفريد مارشال «شبه الريع»، والذي يدمج بين عدم اليقين بشأن حجم العوائد المستقبلية وبين توقع درجة السيولة التي قد تتاح لمالك الأصل إذا احتاج إليها.
ثم ينتقل مينسكي إلى معالجة سعر الطلب على الأصول الرأسمالية، أي التجسيد المادي للاستثمار. وهنا ينتقد كينز لأنه قد يسبب بعض الالتباس عبر تناوله العلاقة بين الاستثمار والمتغيرات التي تحدده (دالة الاستثمار) في إطار أسعار الفائدة في المقام الأول بدلًا من أسعار الأصول. ذلك لأن تسعير الأصول الرأسمالية هو الموضع الذي يصبح فيه عدم اليقين بشأن عوائدها المستقبلية عاملًا حاسمًا.
مرّ الاقتصادي جون هيكس عبر الباب الذي تركه كينز مفتوحًا عندما قدّم بديلًا مبسّطًا إلى حدٍّ جذري ومُضلِّل لاقتصاديات كينز. فقد جادل هيكس في ورقة نشرها عام 1937 في مجلة Econometrica بأن الاستثمار يمكن التعامل معه كدالة بسيطة عكسية مع سعر الفائدة، وأنه يتساوى مع الادخار في حالة التوازن.
كما اختزل تفضيل السيولة إلى دالة طلب بسيطة على النقود، تقابل في حالة التوازن عرضًا محددًا للنقود تفرضه السلطة النقدية. وقد عُرفت هذه الصياغة باسم «IS-LM»، وقد أدت عمليًا إلى إبعاد التوقعات وعدم اليقين ليس فقط عن مركز المسرح، بل حتى عن كواليسه.
ومع الأسف، أصبحت هذه الصيغة التلخيص شبه العالمي لما يُعرف بالاقتصاد الكينزي.
ما الذي يحرك الاستثمار؟ بالنسبة لي، يكمن جوهر تحليل مينسكي لاقتصاد كينز في شرحه للعملية التي يتم من خلالها تحديد الاستثمار. هذه العملية تتضمن ثلاثة أنواع من الأصول: النقود، والديون (أو «العقود التي تُبادل النقود الحاضرة بنقود مستقبلية»)، والأصول الرأسمالية الحقيقية («المتّسمة بعوائد متوقعة قد تتغير لأسباب متعددة»). ويكتب مينسكي: «إن تحديد الاستثمار، إذن، هو عملية من أربع مراحل في النظرية العامة. فالنقود والديون تحددان - سعر الفائدة-؛ والتوقعات طويلة الأجل تحدد العائد—أو التدفقات النقدية المتوقعة—من الأصول الرأسمالية والاستثمار الجاري...؛ ويؤدي كل من العائد وسعر الفائدة إلى تحديد سعر الأصول الرأسمالية؛ ويستمر الاستثمار حتى تصل “سعر العرض” لإنتاج الاستثمار إلى القيمة المرسملة للعائد. إن إطار IS-LM البسيط ينتهك تعقيد عملية تحديد الاستثمار كما تصورها كينز. وفي الأدبيات، تم تجاهل الألغاز المتعلقة بتحديد الاستثمار التي طرحها كينز بدلًا من حلها.» وبعد أربعة عقود من تقديمه لصياغة IS-LM، نشر هيكس مقالًا بعنوان «IS-LM: تفسير»، عرض فيه الأسباب المختلفة التي جعلته «يشعر بعدم الرضا» عن هذه الصياغة التي أصبحت لاحقًا التمثيل القياسي للاقتصاد الكينزي. وقد أكد أن العوامل المركزية التي يجسدها نموذج IS-LM هي علاقات توازنية، والتي يجب بحكم تعريفها أن تستمر عبر الزمن: «يجب أن تكون التوقعات متسقة ذاتيًا... ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا كانت التوقعات صحيحة... وبالتالي فإن التوازن عبر الزمن يفترض اتساقًا بين التوقعات والتحقق الفعلي.» المشكلة، بطبيعة الحال، هي أنه «لا معنى للسيولة إلا إذا كانت التوقعات غير يقينية». وبذلك يكون هيكس قد انتزع حجرًا أساسيًا من أسس «التركيب الكلاسيكي الجديد»، مقدّمًا- ولو متأخرًا- نقدًا لم يقدّمه لا كينز نفسه، الذي أُبعد أولًا بسبب أزمة قلبية خفيفة، ثم انشغل تمامًا بتمويل المجهود الحربي ضد قوى المحور، ولا تلاميذه من بعده.
بالنسبة لكينز، فإن هشاشة أي توازن عابر بين العلاقات التي تحدد معًا معدل الاستثمار تتجلى بوضوح في الدور المركزي لـ«التوقعات طويلة الأجل»، وهي توقعات تخضع دائمًا لمراجعات سريعة مع تحوّل المستقبل المجهول إلى حاضر دائم التشكل. وكما كتب مينسكي لاحقًا: «كل إشارة لدى كينز إلى التوازن يُفترض أن تُفهم بوصفها إشارة إلى مجموعة عابرة من متغيرات النظام التي يتجه الاقتصاد نحوها؛ ولكن... مع تحرك الاقتصاد، تحدث تغييرات يُنتجها النظام ذاته تؤثر في مجموعة المتغيرات التي يتجه نحوها الاقتصاد».
وبعبارة أبسط: «إن جوهر نظام كينز يتكوّن من تحليل للتمويل الرأسمالي في سياق عدم اليقين، ومن كيفية تأثير هذا التمويل على تقييم عناصر مخزون الأصول الرأسمالية، وبالتالي على وتيرة الاستثمار». (التأكيد في الأصل.) وبالنظر إلى الطبيعة السلبية نسبيًا للعلاقة بين الاستهلاك والدخل المتاح (دالة الاستهلاك)، فإن تقلبات الاستثمار هي التي تقود تقلبات الطلب الكلي والاقتصاد ككل. وهنا نجد، في خلاصة الأمر، نظرية الاستثمار للطلب الكلي والنظرية المالية للاستثمار.
من هذا المنظور، فإن الصلة المفترضة بين الإنتاجية التقنية لرأس المال «K» (أي مخزون رأس المال الكلي) كما تُحدَّد في دالة الإنتاج النيوكلاسيكية، وبين معدل الاستثمار، تصبح مشوشة بفعل تذبذب العائد المتوقع من الأصل (مع أخذ عدم اليقين وتفضيل السيولة في الاعتبار)، وكذلك بفعل التباين بين معدل الخصم المطبق على العوائد المتوقعة من امتلاك أصول معينة ومعدل الفائدة النقدي.
وعلاوة على ذلك، فإن كلًا من سعر الطلب وسعر العرض للأصول الرأسمالية يُقاسان بوحدات نقدية اسمية، وكذلك الديون التي يتحملها المستثمرون لتمويل عمليات الشراء.
لقد دأب التقليد الكينزي-النيوكلاسيكي على تاريخ طويل من تجاهل حقيقة أن أسواق العمل القائمة فعليًا لا تسمح لأصحاب العمل والعمال إلا بالتفاوض حول الأجور النقدية. وبالمثل، في الأسواق المالية الفعلية، تُقوَّم الالتزامات الدَينية بالوحدات الاسمية. أما الأجور الحقيقية التي تُدرج في دوال الإنتاج والمعادلات الكلية فلا تظهر إلا لاحقًا، بعد وقوع الأحداث.
وقد ساهم هذا الخلط في ترسيخ الاعتقاد ـ وهو اعتقاد معيب جذريًا ـ بأن السبب الجوهري للبطالة المستمرة هو ارتفاع الأجور النقدية، بما يعني ضرورة خفضها لتقليل البطالة. وتستخدم كل من الاقتصاديات النيوكلاسيكية والكينزية الجديدة مفهوم «جمود الأجور» لتبرير سياسات تهدف إلى تعزيز الطلب الكلي، متجنبة بذلك الدخول في صراع اجتماعي واقتصادي حاد لفرض خفض الأجور.
نظريًا، لو كانت الأجور والأسعار مرنة بالكامل، لما كانت هناك حاجة إلى تدخلات تهدف إلى تحفيز الطلب في أوقات الركود.
وعلى النقيض من ذلك، فهم مينسكي كينز بشكل صحيح على أنه يقصد أنه في عالم تُبرم فيه عقود الديون بالوحدات النقدية الاسمية، فإن المرونة النزولية للأجور النقدية والأسعار لن تؤدي إلى الاستقرار، بل ستُهدد بإطلاق دوّامة انكماش الديون المدمّرة (كما وصفها إرفينغ فيشر)، وهي الدوّامة التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الفترة 1930- 1933.
وبالنسبة لكل من كينز ومينسكي، فإن «جمود الأجور» ليس خللًا في النظام كما يصوره التيار الاقتصادي السائد، بل هو في الواقع سمة بنيوية للنظام نفسه.
فرضية عدم الاستقرار المالي تتعمق إعادة صياغة مينسكي لـ النظرية العامة من خلال ربطه بين اقتناء الأصول وامتلاكها وبين الالتزامات التي تُتحمَّل لتمويل شرائها. فالوحدات الاقتصادية لديه تشبه «مصارف صغيرة» تدفع ثمن الأصول عبر إصدار التزامات مالية. وهي تقف عند تقاطع التدفقات النقدية القادمة من الأصول التي تمتلكها، وتلك التي تلتزم بدفعها لدائنيها.
وقد استند مينسكي إلى تحليل كينز الذي ميّز بين «مخاطر المستثمر أو المقترض... المتمثلة في احتمال ألا يحقق العائد المتوقع الذي يأمله»، وبين «مخاطر المقرض» المرتبطة بالتخلف الطوعي أو غير الطوعي عن السداد من جانب المدينين. ويكتب مينسكي: «إن الحقيقة الأساسية المتعلقة بكل من مخاطر المقترض ومخاطر المقرض هي أنها تعكس تقييمات ذاتية». ثم يقتبس عن كينز: «خلال فترات الازدهار، يميل التقدير العام لهذين النوعين من المخاطر... إلى أن يصبح منخفضًا بشكل غير معتاد وغير حكيم».
وهنا يمكن العثور على جذور «فرضية عدم الاستقرار المالي» التي اشتهر بها مينسكي. ففي ورقة عمل لمعهد ليفي للاقتصاد عام 1992، قدّم قضيتين أساسيتين. الأولى: «الاقتصاد يحتوي على أنظمة تمويل يكون فيها مستقرًا، وأنظمة أخرى يكون فيها غير مستقر». والثانية: «على مدى فترات الازدهار الممتد، ينتقل الاقتصاد من علاقات مالية تُنتج نظامًا مستقرًا إلى علاقات مالية تُنتج نظامًا غير مستقر».
وتذكّر القاعدة هنا بأن الاستقرار نفسه يولّد عدم الاستقرار: إذ يتقدم النظام الائتماني والاقتصاد الحقيقي (أو يتدهوران) عبر مراحل متتالية من ارتفاع الثقة وزيادة الميل إلى المخاطرة.
المرحلة الأولى، وهي المرحلة المحافظة، تُسمّى تمويل التحوّط (Hedge Finance): وفيها تكون التدفقات النقدية التشغيلية للمقترضين كافية لخدمة الديون القائمة وسدادها عند استحقاقها. وتكون عمليات الشركة نفسها بمثابة تحوّط فعّال ضد التزامات خدمة الدين وسداده. ومع تحقّق توقعات المقترضين والمقرضين عبر الخبرة، ينتقل الطرفان تدريجيًا إلى مرحلة التمويل المضاربي (Speculative Finance). في هذه المرحلة يكون التدفق النقدي التشغيلي كافيًا لتسديد الفوائد في مواعيدها، لكن أصل الدين يجب تجديده وإعادة تمويله لتجنب التخلف عن السداد، وبالتالي يصبح معرّضًا لظروف السوق المتغيرة: وهنا تكمن الطبيعة المضاربية.
وأخيرًا، ينتقل النظام إلى مرحلة تمويل بونزي (Ponzi Finance)، حيث يُجبر المدينون على الاقتراض لدفع الفوائد المستحقة عليهم للمقرضين المتساهلين، وذلك للحفاظ على «وهم» القدرة على السداد.
وقد قام مينسكي بتفعيل البنية الالتزامية التي تولدها هذه الشركات من خلال مفهوم «قيود الموازنة». ومن خلال نموذج دقيق، يبيّن كيف أن صرامة قيود الموازنة على مستوى الشركة وعلى المستوى الكلي تعتمد على مدى قدرة الاستثمارات على التمويل من التدفقات النقدية التشغيلية مقابل التمويل الخارجي. كما أن موضع وشدة تقيّد هذه القيود يعتمد بدوره على قدرة الشركة على الوصول إلى السيولة، سواء من النقد المتوفر حاليًا أو من إمكانية تسييل الأصول.
داخل الاقتصاد الكلي النيوكلاسيكي السائد، ولّدت الأزمة المالية العالمية عام 2008 موجة من الردود التي استدعت مينسكي بشكل صريح في كثير من الأحيان. لكن حتى قبل وقوع الأزمة، كان بإمكان أي شخص مُلمّ بتحليل مينسكي للهشاشة المالية أن يلاحظ ظاهرة كانت قد ظهرت في سوق الاستحواذات الممولة بالديون (LBO) بحلول عام 2006، أي قبل انهيار بنك ليمان براذرز بعامين كاملين.
وقد انتشرت إعادة اكتشاف مينسكي على نطاق واسع في صورة عبارة شائعة: «لحظة مينسكي». لكن مينسكي نفسه كان قد عرّف عملية ممتدة وليست لحظة مفاجئة، وكانت المرحلة التي بلغها النظام في عام 2006 يمكن استنتاجها من حقيقة أن البنوك كانت تموّل عملاءها عبر أدوات دين من نوع «PIK-Toggle».
وهذا يعني أن المدينين يمكنهم خدمة التزاماتهم عبر إصدار المزيد من الديون (PIK اختصار لـ - الدفع عينيًا بدلًا من النقد-)، وأن قرار القيام بذلك كان متروكًا بالكامل لتقدير المقترض (وهو معنى كلمة Toggle). ولم يكن هناك دليل أوضح على أن النظام كان قد دخل مرحلة «تمويل بونزي».
وعلاوة على ذلك، كانت الأسواق على درجة من الثقة في الوهم الذي صنعته لدرجة أنه كان بالإمكان شراء عقد خيار بيع (put) على مؤشر S&P 500 لمدة ثلاث سنوات - أي رهان على انخفاض المؤشر- بتكلفة لا تتجاوز 2% سنويًا.
وقد أكدت تجربتي الشخصية كمستثمر في رأس المال المخاطر صحة أطروحات مينسكي. وكما قال موجهي الذكي والمُحفِّز فريد أدلر: «سعادة الشركات تعني تدفقًا نقديًا إيجابيًا». فحين تتمكن الشركة من سداد ديونها لأن عملاءها يدفعون لها نقدًا أكثر مما تكلفه عملية تطوير وتسليم ما تبيعه، فإنها تتحرر من الاعتماد على المستقبل المالي غير المستقر وغير القابل للمعرفة في جوهره.
وبالنسبة لمستثمر رأس المال المخاطر الذي يمول الشركات الناشئة، فإن اقتراب «قيد البقاء» عند مينسكي- أي النقطة التي تُستنزف فيها كل مصادر النقد من العمليات، وإصدار الأوراق المالية، وبيع الأصول- يشكل تهديدًا واقعيًا دائمًا. أما الفقاعات الدورية التي تبدو وكأنها تُزيل هذا التهديد مؤقتًا فهي تمثل جوهر عدم اليقين: أنت تعلم أنها ستنفجر، لكنك لا تعرف متى.
رأسمالية الدولة الكبيرة في النظرية العامة، حلّل كينز ديناميكيات «رأسمالية الدولة الصغيرة». ففي عام 1929، لم يكن القطاع العام في الولايات المتحدة يتجاوز نحو 4% من الدخل القومي، وكان نصف هذا الرقم تقريبًا يعود إلى الحكومة الفيدرالية (وخاصة خدمات البريد والجمارك، إضافة إلى قوات مسلحة محدودة جدًا)، بينما كان النصف الآخر للحكومات الولائية والمحلية (وكان أكبر مكوّن فيها رواتب المعلمين). ثم تضاعفت حصة الحكومة الفيدرالية بين انهيار وول ستريت عام 1929 وتنصيب فرانكلين د. روزفلت عام 1933، لكن ذلك حدث لأن الانكماش في الدخل القومي الاسمي وصل إلى نحو 50%، نصفه كان «حقيقيًا» والنصف الآخر نتيجة الانكماش الانكماشي للأسعار. وفي الوقت نفسه، كانت حكومات الولايات مُلزمة دستوريًا بموازنة ميزانياتها، فاضطرت إلى خفض الإنفاق مع تراجع الإيرادات الضريبية. وهكذا ارتفعت حصة الحكومة الفيدرالية إلى 4% بينما كانت إدارة هوفر تمتص بشكل سلبي كارثة الانكماش والديون.
خلال صيف عام 1964، كنتُ مساعدًا بحثيًا لدى ليستر تشاندلر في جامعة برنستون، وهو أحد أعلام التمويل المصرفي التقليدي (وقد نشر لاحقًا كتاب السياسة النقدية الأمريكية 1928- 1941، وهو تصحيح مهمل لعمل ميلتون فريدمان وآنا شوارتز التاريخ النقدي للولايات المتحدة). في ذلك الوقت، كان مجلس مستشاري الرئيس الاقتصاديين في البيت الأبيض يروّج لمفهوم «عجز ميزانية التشغيل عند التوظيف الكامل» لتبرير خفض الضرائب، وقادني تشاندلر إلى تقدير تقريبي لحجم العجز الفيدرالي في عام 1933 الذي كان من شأنه أن يكون متسقًا مع التوظيف الكامل. وبحسب ما أذكر، كان الرقم الذي توصلنا إليه يقارب ثلاثة أضعاف إجمالي الإنفاق الفيدرالي في عام 1932، وهو عام كان فيه صافي الاستثمار في القطاع الخاص سالبًا (لأن الإنفاق الاستثماري الجديد كان أقل من استهلاك رأس المال القائم). وكانت الخلاصة بسيطة: من أجل تثبيت الاقتصاد، كان على الحكومة أن تصبح أكبر بكثير.
في الواقع، وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، حين تناول مينسكي سؤال ما إذا كان يمكن أن يحدث «ذلك»- أي الكساد العظيم- مرة أخرى، كان القطاع العام الأمريكي قد أصبح كبيرًا بما يكفي لتعويض تقلبات الاستثمار، بفضل التلازم بين نشوء دولة الرفاه (من الضمان الاجتماعي إلى ميديكير) ودولة الحرب المرتبطة بالحرب الباردة. ولشرح الدور التثبيتي «للدولة الكبيرة»، حدد ثلاثة إسهامات متكاملة للعجز المالي الكبير في اقتصاد يعاني من ضغوط مالية. أولًا، أنه يعزز الطلب الكلي عبر زيادة الدخل والتوظيف؛ ثانيًا، أنه يولد تدفقات نقدية تحمي الشركات من خطر التعثر نتيجة انخفاض استثماراتها وارتفاع الادخار التحوطي لدى الأسر؛ وثالثًا، أنه يوفر أدوات استثمار منخفضة المخاطر للمستثمرين متجنبي المخاطر.
يواصل مينسكي قائلًا: «إن تأثير الحكومة الكبيرة على الاقتصاد أقوى وأكثر شمولًا بكثير مما تسمح به الرؤية التقليدية، التي تتجاهل تدفقات التمويل النقدي والآثار المرتبطة بمحافظ الأصول الناتجة عن عجز الحكومة. فالرؤية التقليدية تركز فقط على التأثير المباشر وغير المباشر للإنفاق الحكومي... على الطلب الكلي. أما الرؤية الموسعة فتأخذ في الاعتبار التدفقات النقدية التي تحتاجها القطاعات الأخرى للوفاء بالتزاماتها، وكذلك الحاجة إلى أصول آمنة في المحافظ الاستثمارية بعد حدوث اضطراب مالي».
وقد امتد تصور مينسكي ليشمل ما هو أبعد من مجرد التصحيح الكلي الاستقرار الذي أتاحه التاريخ للولايات المتحدة. فقد سعى إلى توسيع أكثر شمولًا لترتيب «الصفقة الجديدة»، يتميز بالتنظيم العام لمشروعات كبرى كثيفة رأس المال والدين، وبالتوفير المباشر للوظائف للعمال العاطلين.
وعلى الرغم من أن ميزانيات الدفاع الضخمة أصبحت عاملًا استقرارياً مهمًا، فإنه كان يرى أنها تمثل بديلًا ضعيفًا للاستثمارات ذات الجدوى الاجتماعية. ومن المؤسف أن أجندة مينسكي السياسية تبدو اليوم خارج دائرة التطبيق، في ظل إصرار الإدارة الأمريكية الحالية على تقويض قدرة الدولة على الوفاء بمسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية.
إرث مينسكي لم يكن لنسخة مينسكي من اقتصاديات كينز تأثير يُذكر على التيار الاقتصادي السائد خلال حياته أو في السنوات التي تلتها. لكن الأزمة المالية العالمية عام 2008 أطلقت عملية ما تزال مستمرة-وإن كانت بشكل إشكالي وغير منتظم- إعادة بناء علم الاقتصاد، وقد يكون لمينسكي وأفكاره دور فيها في المستقبل.
وقد استجاب الاقتصاديون لأزمة 2008 بطريقتين. الأولى هي «التحول التجريبي» نحو تحليل جوانب محددة من السلوك الاقتصادي. وكأن طيفًا واسعًا من الباحثين قالوا: «كنا نظن أننا نفهم كيف يعمل العالم. لكن الأزمة المالية العالمية تشير إلى أننا كنا مخطئين. علينا أن ندرس كيف يعمل العالم فعليًا».
أما الاستجابة الثانية فهي إعادة ربط- أو «زواج قسري» بين الاقتصاد والتمويل. فقد كان علم المالية الحديث قد وجد موطنًا أكاديميًا في كليات إدارة الأعمال الكبرى، بينما كانت نماذج الاقتصاد الكلي السائدة تستبعد إلى حد كبير إمكانية أن تؤثر التطورات في الأسواق والمؤسسات المالية على المتغيرات الحقيقية مثل التوظيف والاستهلاك. وكنتيجة مباشرة تقريبًا لأزمة 2008، ظهر مجال جديد هو «الاقتصاد الكلي المالي»، والذي يدمج- بشكل صريح إلى حد مادروس مينسكي.
وبعد الانهيار، كان من بين الاقتصاديين الذين أعادوا اكتشاف رؤى مينسكي ريتشارد كو من معهد نومورا للأبحاث، والحائز على جائزة نوبل بول كروغمان، حيث عاد كلاهما إلى «العقود الضائعة» في اليابان بعد عام 1990 لتوصيف الركود الكبير بعد 2008 بأنه «ركود ميزانيات عمومية». وبناءً على دروس الأزمة المالية العالمية، نشر باتريك بولتون وهوي تشن ونينغ وانغ عام 2011 ورقة بحثية تحلل قيود الموازنة على مستوى الشركة، واقترحوا «نموذجًا للاستثمار الديناميكي والتمويل وإدارة المخاطر للشركات المقيدة ماليًا»، مع التركيز على «الأهمية المركزية للقيمة الحدية الذاتية للسيولة (النقد وخطوط الائتمان) في قرارات الشركات».
في الآونة الأخيرة، تمت دراسة التداعيات الكلية لقيود الاقتراض كما حلّلها مينسكي من قبل عدد متزايد من الاقتصاديين، حيث تُظهر هذه الدراسات عمومًا كيف أن مثل هذه «الاحتكاكات» تعمل على تضخيم الانكماشات الاقتصادية، كما حدث في الركود الكبير. لكن إحدى الأوراق البحثية التي أعدّها نونو كويمبرا وهيلين راي تطوّر عملية داخلية تنشأ من خلالها الهشاشة المالية- كما اقترح مينسكي- خلال مرحلة الازدهار من الدورة المالية-الاقتصادية. وتكتسب هذه الورقة أهمية خاصة لأن راي قد تم تعيينها مؤخرًا في منصب استراتيجي هو المستشارة الاقتصادية ورئيسة الإدارة النقدية والاقتصادية في بنك التسويات الدولية، «البنك المركزي للبنوك المركزية». وبالتالي، بعد 30 عامًا من وفاته، يبدأ مينسكي وقراءته لكينز في دخول التيار السائد في علم الاقتصاد.
ومن أكثر المجالات راهنية لدراسة كيفية عمل العالم فعليًا اليوم هو الطفرة الاستثنائية في الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي، لتمويل بناء البنية التحتية المادية اللازمة لتدريب ونشر نماذج اللغة الكبيرة. وتستند هذه الاستثمارات إلى توقعات طويلة الأجل إشكالية بشأن التطبيقات التجارية والمربحة ماليًا للذكاء الاصطناعي التوليدي.
والسؤال في إطار الاقتصاد المالي هو ما إذا كانت التدفقات النقدية الناتجة عن هذه التطبيقات ستكون كافية وبالسرعة الكافية- لتبرير الاستثمارات التي تم الالتزام بها بالفعل، سواء على مستوى السوق ككل أو بالنسبة للاعبين الفرديين. وفي المقابل، فإن تمويل هذه الطفرة، الذي كان يعتمد سابقًا على التدفقات النقدية التشغيلية لعمالقة التكنولوجيا ذوي الطابع الاحتكاري، بات يتحول بشكل متزايد نحو إصدار متسارع للأوراق المالية الدَينية. وهذه الظاهرة برمتها تدعو بقوة إلى تحليلها بروح مينسكي الكينزية.
ومن الأخبار الإيجابية أن الاقتصاديين يزداد اهتمامهم بدراسة كيفية تفاعل نظام مالي معقد مع اقتصاد حقيقي معقد بدوره، منظم عبر شبكات إنتاج واستهلاك تتطور ديناميكيًا. وهو مشروع كان مينسكي ليُسهم فيه كثيرًا، لا سيما من خلال إبراز العنصر المركزي في اقتصاد كينز: عدم اليقين الذي لا يمكن تجنبه والذي يحيط بكل الالتزامات الاقتصادية والمالية.
ويليام إتش. جينواي أستاذ منتسب في الاقتصاد بجامعة كامبريدج ومؤلف كتاب «ممارسة الرأسمالية في اقتصاد الابتكار»
خدمة بروجيكت سنديكيت