أفكار وآراء

المواطنة العالمية بين طومس وعُمان

هل كان الطفل الأمريكي المرافق والده إلى سلطنة عمان في بداية القرن التاسع عشر الميلادي يدري أن قلبه سيتعلق بأرضها أبدا؟ هل كان يعلم أن مشهد مرضى الجذام المعزولين عن الدوائر الاجتماعية، المتلفعين بأغطية تقيهم حرَّ الشمس وأعين الناس معا، سيبقى حافزًا في ذاكرته لطموح يغذي عودته لأرض عمان بعد ما يزيد عن عقدين أعدّ فيهما نفسه ليكون طبيبا كوالده؟

هل كان ليعطيها ما يقارب الأربعة عقود من عمره وطموحه وحياته وأحلامه لولا أنه أحبها وركن إليها؟ ثم هل كان ليحبها لولا أنها أحبته اندماجا تواصليا مع أهلها الذين حملتهم إليه الحاجة لخدمات صحية كانت عزيزة شاقة عليهم، وهم يتوافدون عليه يحملهم الألم وأمل الشفاء من كل محافظاتها، بل ومن دول مجاورة كذلك؟

قصة أطلعتنا عليها وزارةُ الإعلام عبر إطلاق الفيلم الوثائقي «الدختر طومس»، توثيقا تاريخيا لا لسيرة الدكتور الأمريكي ويلز تومز وحسب، Dr. Wells Thoms، بل لذاكرة جمعية تليق بعمان في تقديرها للإخلاص وصنع الأثر. ولعل السرد التوثيقى المتضمن في هذا الفيلم أحالني لأفكار عديدة يتعلق بعضها بصانع الأثر ، ويلتبس الأمر هنا مع سؤال من هو المؤثر؟ وما هي دائرة صنع الأثر؟ أهو الطبيب الأمريكي القادم إلى بلاد لا يعرف طبيعتها، ولا لغة أهلها ولا ثقافة مجتمعها؟ أم المجتمع المفتوح على الآخر، المتسامح المتعايش مع الجميع الذي استطاع استيعاب هذا الطبيب الأمريكي وعائلته، ثم استبقاءه بحسن الخلق وسخاء التواصل، والامتنان المتبادل بين الطرفين؟

فكرة أخرى خطر لي مناقشتها في هذه المقالة بعد تأمل تعليقات غفلت عن الأثر الإنساني العميق لهذا الطبيب مستغرقة في طبيعة عمله تحت مظلة تبشيرية(على الأقل في البداية) هنا لا بد من وقفة مستفهمة عن إمكانية إلغاء الأثر لمجرد تقاطع المسارات، أو اختلاف الرؤى؛ إذ هل يمكن نسف كل ما قدم الرجل ووالده من عمل إنساني لأهالي المنطقة في أحلك الظروف اقتصاديا واجتماعيا، وحتى طبيعيا حيث اختلاف المناخ وصعوبة التأقلم افتراضيا؟

لا أدري لماذا تبادر إلى ذهني حينها دور العمانيين في نشر الإسلام في آسيا وإفريقيا بسبب التجارة؛ إذ لم تكن رحلاتهم تلك رحلات فتوحات إسلامية لكن حسن أخلاقهم صادف قبولا لدى أهالي بلاد عبروها أو سكنوها، فهل يمكن حذف أو تهميش دورهم في نشر الإسلام لتقاطعه مع نيتهم الأصل في التجارة؟ والعكس صحيح، هل يمكن أثر العرب الحضاري في الأندلس بربطه بمنطلق ديني ؟!

لا بد هنا من تأكيد على أن أغلب الإرساليات التبشيرية للشرق اتخذت غطاء طبيا أو تعليميا للوصول إلى العامة في محاولة لتوجيههم وتحويلهم دينيا.

ورغم بساطة الناس وعفويتهم في ذلك الوقت المغلق المنقطع عن المصادر المعرفية وأدوات التكنولوجيا الحديثة، إلا أن ثوابتهم كانت راسخة، ليست محل رهان مادي أو رهن حاجة طبية كانت أو اجتماعية.

فمع استقبال المرضى حينها ما تيسر من خدمات كان لها أثر كبير، قد يصل إلى إنقاذ حياتهم، إلا أنهم كانوا يعودون من رحلاتهم تلك مؤمنين بأن االله وحده من سخر أسباب العلاج وأن «طومس» وعيادته ما هم إلا وسائل سخرها الله لعلاجهم والتخفيف من معاناتهم، ولا أجد من الإنصاف إغفال إنسانيته وإخلاصه في عمله لسبب يتعلق بدينه وملته، حتى إن كان منطلق تلك الإنسانية وذلك الإخلاص دينيا بحتا طالما أنه توافق وخدمة الإنسان ونفعه(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).

اندماج الطبيب الأمريكي بتسامح الشعب العماني هو ما دفعه لمنحها أربعة عقود من عمره عطاء متصلا وعملا دؤوبا، وهو كذلك ما دفعها لمنحه السلام والمحبة حتى مع أمنيته الأخيرة في عودة رفاته إليها بعد وفاته.

فكرة أخرى راودتني عند مشاهدة الفيلم تتعلق بمفهوم المواطنة العالمية، أو الإنسانية global citizenship التي يتجاوز بها المرء ارتباطه بوطن محدد جغرافيا، وهوية مرتبطة بمحددات جغرافية أو تاريخية أو حتى فكرية إلى وطن واحد يعنى بالإنسان، يعنى بالتأثير والتأثر الاجتماعي والثقافي، فيه يتجه الإنسان إلى تفعيل المواطنة العالمية تعبيرا عن ثقافة الانفتاح الفكري والانتماء إلى المجتمع الدولي والإنساني وتحمل المسؤولية تجاه المصلحة العامّة في مختلف أنحاء العالم. استغرقت أثناء متابعة الفيلم في ضرورة تهيئة المجتمع (الشباب خاصة) للمواطنة العالمية، خاصة في زمن الانفتاح المعلوماتي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما تحمل من أثر في تقريب البشر، وآثار في إمكانية زعزعة القيم وهلهلة الثوابت، ضرورة تعزيز المواطنة العالمية لتعميق الوعي بالتجارب الإنسانية المعاصرة، وكيفية التفاعل مع معطياتها، والالتزام بمبادئ التعاون والسلام العالمي، واحترام التنوع الإنساني بكل أشكاله، وتعزيز كافة أشكال الانتماء وطنيا عربيا، إسلاميا، وإنسانيا عالميا، ضرورة تعزيز الشعور بالانتماء إلى مجتمع عالمي يتسامى فوق الحدود القطرية أو القومية، تتجلى فيه الإنسانية مشتركا عالميا، مترجمين كل ذلك سلوكيا عبر مواقف مدنية تواصلية ساعية لبناء عالم أجمل ومستقبل أفضل، وصنع أثر لا يفنى لعمانيين في كل مكان.

ختاما: قصة «الدختر طومس»تُعلمنا صناعة الأثر حيث لا تكون البدائل أكثر رفاهية، وأوفر ترفا، لكنها تنقش بعمر كامل من التضحيات في محيط بدائله شاقة، ومعطياته صعبة، وتحدياته مستمرة، واختباراته متعاقبة، تعلمنا ضرورة الإيمان بالمشاركة وصولا للتكامل(المستشفى الذي تبرع فيه السلطان بالأرض، والتاجر الهندي بالمال، وتومس بالاختصاص، وزوجته بالإدارة)، تعلمنا ضروة إدماج المقيمين في مجتمع نثق بمكمن قوته، بأثره العميق في سكانه؛ مواطنين ومقيمين وزائرين، وهذا الإدماج حاصلٌ لا محالة مهما حجبته اليوم وسائل التشتيت وقنوات العزلة؛ فلا بد من تجاوزها وصولا لمجتمع واحد يؤمن بعضه ببعض ويقوى بالجميع.

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية