فيلم "جاك رايان.. شبح الحرب".. دراما مثقلة بصراع الجواسيس ومطاردة الإرهاب
الاحد / 6 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:35 - الاحد 24 مايو 2026 19:35
طاهر علوان
لزمن طويل كانت أفلام الحركة والمطاردات والأجواء البوليسية تمتلك أسباب جذب الجمهور وتفاعله مع أحداثها وأبطالها حتى تم إدخال قصص الجاسوسية والصراعات العابرة للحدود والتي أضافت أبعادا تشويقية منحت الأبطال الافتراضيين جدارة وتمكنا في ملاحقة خصومهم والإجهاز عليهم.
هذا النوع من أفلام المغامرات أوجد أساليب سردية ممزوجة بكثير جدا من المبالغات والدعاية المجانية لاسيما مع تصاعد أحداث عالمية من قبيل الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق وأحداث 11 سبتمبر وغيرها.
وها نحن في هذا الفيلم للمخرج أندرو بيرنشتاين مع صراعات الجواسيس لنتنقل سريعا ما بين ثلاث مدن كبرى ابتداء من دبي، حيث تفشل مهمة لجهاز الاستخبارات البريطاني أو ما يعرف (MI6) لاستخراج معلومات استخباراتية ما تلبث أن تتحول إلى عملية مطاردة عابرة للحدود وحيث يجري التركيز على دبي بوصفها ركنا أساسيا في المعادلة وميدانا فسيحا للمطاردات مع مسحة دعائية مقصودة ومباشرة تجعل تلك المدينة ندا لعواصم كبرى كواشنطن ولندن ونموذجا مثاليا لملاحقة أشباح الإرهاب.
قد ينطوي السياق العام على بعض المبالغة بالحديث عن عصر صراعات الأشباح الذي سوف يعيدنا إلى نوع من الهوس بأفلام الثمانينيات وما بعد حرب فيتنام، وحيث يكون الاقتراض المسبق هو تخرج الولايات المتحدة منتصرة، سواء في الحرب المباشرة أو صراعات الجواسيس وخاصة تحت غطاء الحرب الباردة الذي تجلى في الأفلام التي أُنتجت في تلك الحقبة، بما في ذلك فيلم 'مطاردة أكتوبر الأحمر' عام 1990، الذي شهد الظهور السينمائي الأول لشخصية جاك ريان، محلل وكالة المخابرات المركزية الذي ابتكره توم كلانسي، والذي كان دائمًا ما يقوم بأكثر بكثير من مجرد التحليل.
أما هنا فيعود رايان إلى الواجهة بقوة بعد مسلسل 'جاك ريان' من إنتاج أمازون (2018-2023) وحيث يتم تكريس الممثل جون كراسينسكي، المعروف بدور جيم في النسخة الأمريكية من مسلسل 'ذا أوفيس'، ليرث هذا الدور الذي سبق أن أداه أليك الممثلون بالدوين وهاريسون فورد وبن أفليك.
من هنا يتم تقديم شخصية رايان كموظف مكتب عادي، وهو يتنقل بين طوابق مبنى غير مكتمل، بينما يقضي على الأشرار ببندقية آلية، ولكنه سوف يأتي إلى هذه المهمة التجسسية من وظيفته في وول ستريت التي شغلها بعد تركه عالم العمليات السرية، ها هو محاصر من جميع الجهات من طرف المخابرات المركزية الأمريكية لغرض القيام بمهمة خطيرة وشديدة الأهمية والحساسية وتكون نقطة البداية هي مدينة دبي.
ها نحن مع محلل وكالة المخابرات المركزية والجندي السابق في مشاة البحرية الذي يكون قد ترك حياة التجسس بحثًا عن بعض الهدوء والحياة المدنية المسالمة بعيدا عن الصخب والمطاردات، إذ يحاصره رئيسه السابق، غرير (ويندل بيرس)، ليجنده لمهمة أخيرة بعد اختفاء مصدر معلومات استخباراتية شديدة الأهمية يُنقل رايان على إثرها وعلى عجل إلى دبي ولندن، ليدرك أن الموقف الذي وجد نفسه فيه أعمق بكثير من مجرد المهمة البسيطة التي عرضها عليه غرير، إذ أن عليه إحباط مؤامرة دولية أخرى للحفاظ على السلام وإنقاذ صديقه/رئيسه من محاولة اغتيال أخرى.
هذا الصديق غرير، الذي يحتل منصبا رفيعا ما يلبث أن يجد نفسه في وسط أزمة شخصية واستهداف شخصي بواسطة القناصين وعناصر المخابرات، مما يجعل وجود رايان ضرورة حتمية لكي ينقذ صاحبه ويفكك شبكة مخابراتية مارقة يتم تغطيتها بالحديث عن الإرهاب في مناطق قبلية باكستانية وأفغانية.
على أن أزمة رايان الغارق في حروب المخابرات والمغامر الاستثنائي، ما تلبث أن تتفاقم أكثر عندما يعلم أن رئيسه كان قد ساعد في تأسيس كيانٍ سريٍّ مُشوَّه تحت غطاء ما يعرف بمشروع ستارلينج لمطاردة الإرهابيين وقتلهم دون الوقوع في مشاكل قانونية وخلال ذلك تجسيد فكرة إعادة التاريخ والعودة إلى ذلك الهوس في مطاردة الإرهابيين والإيقاع بهم، متناسين أن الزمن قد تغير، وأن الهوس بالعودة إلى إحباط تنفيذ الهجمات الإرهابية تحت غطاء المخابرات الأمريكية والبريطانية قبل عقدين أو أكثر قد تغير وأن تلك الثيمات والتحديات لم يعد لها وجود إلا في الخيال.
اهتم عدد من النقاد بمراجعة هذا الفيلم ومن ذلك ما كتبه الناقد مات زولر في موقع روجر ايبرت، حيث يقول: 'هذا الفيلم يروي حكاية حنين وندم، تدور حول مجموعة من الرجال فقدوا جميعا ما يمكن أن نسميه (الحب العظيم) والقديم، ذلك الحب الذي كان يمنح حياتهم معنى: إنها قصة الحرب على الإرهاب.
لكنه في الوقت ذاته فيلم يفتقر إلى العديد من السمات المميزة. وحيث يقدم لنا المخرج بيرنشتاين هذا الفيلم وهو منغمس في عملية الإخراج التلفزيوني التي مثلها المسلسل السابق الذي عرض القصة نفسها في هذا الفيلم، وكأننا إزاء مشاهد متواصلة لحلقات المسلسل التلفزيوني ذاته. إنه فيلم عادي، يفتقر إلى اللمسة الفنية أو الجرأة التي يمكن أن تُضفي عليه هوية بصرية خاصة'.
اما الناقدة مونيكا كاستيلو فقد كتبت في موقع أي في كلوب: ' باعتباره إحدى أبرز الشخصيات الأمريكية التي تُنافس جيمس بوند، عاش جاك رايان حياةً حافلة، وجاب العالم للقضاء على عدد من الأشرار الدوليين، ولكن بعد ستة أفلام فقط، أصبح رايان مُملًا وأداؤه متوقعا، دون أي رؤية واضحة لكيفية تطوير ما بعد السلسلة -إنه باختصار، فيلم تجسس تقليدي يفتقر إلى الإثارة والتشويق، أشبه بتمرين تدريبي مع إبراز مبالغ فيه أحيانا لشخصية الممثل كراسينسكي'.
على الجانب التقني وعلى عكس المشاهد الخطيرة في سلسلة 'مهمة مستحيلة' أو حركات الكاميرا السريعة التي تُضفي على أفلام 'جيمس بوند' طابعًا مميزًا، فإن مشاهد الحركة والمطاردات الكثيرة والمتداخلة في هذا الفيلم، تجعل عنصر الحركة عامل تشويش على أصل القصة التي يقدمها الفيلم، فهي لا تنساب بهدوء ونمو متواتر بل إنها في وسط خليط من المهام والتحديات عبر القارات وحدود الدول.
يضاف إلى ذلك النظر إلى شخصية الممثل كراسينسكي نفسه والذي لا يقتصر على كونه نجم الفيلم، بل هو أيضاً مساهم في الإنتاج وكتابة السيناريو، في ظل ذلك نشاهده وهو يؤدي دور رايان بنوع من التحفظ وشيء من البرود، حيث يتأمل زملاؤه في افتقارهم لحياةٍ اجتماعية خارج عالم التجسس.
ختاما، ومع المشاهد الأخيرة من الفيلم، يكتب غرير المسؤول المخابراتي الرفيع، رسالةً إلى الرئيس الأمريكي مفادها أنه 'إذا كانت المُثُل التي تسعى وكالة المخابرات المركزية إلى دعمها 'مبنيةً على الأكاذيب'، فإن مؤسساتنا ستبدأ بالانهيار، مما يجعلنا عُرضةً للانقسام، بل وحتى للاختراق'. انه يقرع جرس الإنذار في زمن العمليات السرية وزمن حروب أمريكا المفاجئة وخطف الرؤساء بوصفهم دكتاتوريين، وكل ذلك في وسط التوترات الجيوسياسية وزمن الحروب الحديثة التي يلامسها الفيلم وسط كثافة المطاردات والرصاص الذي لا ينقطع.
...............
اسم الفيلم: Tom Clancy's Jack Ryan: Ghost War
إخراج: اندرو بيرنشتاينسيناريو: ارون رابين، جون كارينسكي
قصة: نواه اوبينهايم وجون كاربينسكي
تمثيل: جون كارسينسكي، ويندل بيرس، ميكائيل كيلي
مدير التصوير: آرنو كولومر