التمكين الرقمي في موسم الحج 2026
السبت / 5 / ذو الحجة / 1447 هـ - 22:07 - السبت 23 مايو 2026 22:07
تعد إدارة الحشود مجالا واسعا في إدارة الأمن؛ فالحشود ليست مجرد تجمعات ذات طابع خاص يحتاج إلى إدارة وتنظيم، بل تندرج ضمن ممارسات قد تقود إلى المخاطر، من خلال السلوكيات التي تعتمد على القوة أو التضليل أو العدوانية، أو الاستفزاز، وغير ذلك مما يستدعي إيجاد استراتيجيات واضحة وخطة محددة لإدارة تلك الحشود وفق مبادئ تم تصنيفها اليوم باعتبارات عالمية وبروتوكولات ذات أبعاد أمنية عالية الدقة والتنظيم.
إن الحشود بوصفها تجمعات ذات طابع عفوي وغير منظم في غالبها، تحتاج إلى إدارة قادرة على حماية سلامتها وأمنها، ولذلك فإن هذه المسؤولية تقع على عاتق الدولة أو المؤسسة المنظمة لتجمعات هذه الحشود؛ حيث يتم إعداد خطط لإدارتها وفق معطيات إدارية وتنظيمية تؤدي إلى تمكين المشاركين من التحكُّم في المواقف والظروف بشكل احترافي يضمن سلامة الناس وأمنهم، بناء على مبادئ إدارية، بدءا من التخطيط والتحضير، والتركيز على إدارة التحكم بالإجراءات والتقنيات وتوظيفها لدعم تلك الخطط، وليس انتهاء بالتقييم والمراجعة والتطوير.
فالتخطيط يقوم في الأساس على مبدأ السلامة للناس، باعتباره جوهر هذا النمط من الإدارات، ولهذا فإن توظيف تقييم المخاطر والتهديدات ورصد مواطن الضعف والإخفاق، يعمل على تعزيز خطط إدارة تلك الحشود وحمايتها، وفهم الجوانب النفسية لعوالمها وخلفياتها، بناء على اتجاهات المتحتشدين (اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية، أو دينية ...)، وبالتالي فإن التخطيط الاستباقي يمكِّن من التحكُّم في إدراة تلك الحشود وتوجيهها بحسب الإمكانات اللوجستية والتقنية المتاحة.
ولعل تجمعات موسم الحج من أكبر الحشود السنوية في العالم، التي تقودها المملكة العربية السعودية بكل اقتدار موسما بعد آخر، وتأتي أعمال التوسعة المستمرة التي شهدت مؤخرا المرحلة الثالثة، لرفع الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام إلى (1.85) مليون مصلٍ، بما يشمل مساحات المصلى، والمرافق (6 طوابق للصلاة)، وخدمات التنقل المختلفة لتعزيز انسيابية الحركة، وتسهِّيل القدرة على إدارة هذه الحشود والأفواج التي تزور الحرم خاصة في مواسم الحج.
فهذا التطوُّر في التوسعة المستمرة يقوم على أُسس هذه الإدارة، وضمن معطيات وإجراءات تعين ضيوف الرحمن على أداء مناسك الحج بكل يسر من ناحية، وتوفِّر للقائمين عليها سُبل إدارة ذات رؤية واضحة وسهلة التنفيذ والمراقبة، وقابلة للتقييم.
وقد وفَّرت التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لمهندسي إدارة الحشود نماذج تقنية وبرامج يمكن أن تقود العديد من الأزمات، لذا فإن موسم الحج يعتمد في التخطيط اليوم على (الإدارة الاستباقية التنبؤية المعززة بالذكاء الاصطناعي، والخرائط التفاعلية وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة وتحليلاتها)، وغير ذلك من البرامج التي تسعى إلى إدارة أكثر جودة وقدرة على استيعاب الأزمات واحتواء المواقف، مما يضمن سلامة الحجاج وتيسير أدائهم للطقوس الدينية.
وحسب مؤتمر صحفي فإن إدارة الحشود (أفواج الحجاج) اليوم تقوم على أنظمة ديناميكية مرنة، بما يُطلق عليه (الرؤية الشاملة والموحدة)، تعمل على الشبكة الرقمية؛ بحيث تكون حركة النقل (الحافلات والقطارات)، وحركة الحجَّاج مغطاة رقميا، ترسل بياناتها لحظيا إلى مراكز تحكم مركزية، بما يتيح نمذجة الحشود، إضافة إلى الخرائط الذكية ونظم المعلومات الجغرافية المعتمدة على البنية التحتية الذكية، إضافة إلى تطبيق (نُسك)؛ الذي يعمل على توجيه الحجاج ديناميكيا في مسارات، كما تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبوء بالازدحم قبل حدوثه، وبالتالي القدرة على احتوائه.
إن هذه التقنيات وغيرها التي تم اعتمادها في إدارة الحشود خلال موسم الحج، تكشف قدرة المنطقة وإمكاناتها في الاستفادة من مجالات الذكاء الاصطناعي وبرامجه ونماذجه، التي يمكن أن تمثِل قاعدة أساسية للتخطيط الاستباقي والقدرة على احتواء الأزمات، فهذه التجربة في إدارة المخاطر والتنبؤات الذكية، وخوارزميات التحليل والرصد وتطبيقات ومنصات السلامة والأمن، تقدِّم نموذجا ذكيا لإدارة الحشود وإدراة المخاطر، في أنساق تكاملية توفِّر حماية للحُجاج وفق مسارات منظمة وميسَّرة وآمنة.
ولأن المملكة العربية السعودية عبر ذلك كله تبتغي خدمة حجاج بيت الله الحرام، فإن الدول الإسلامية في العالم توفِّر لحجاجها في بعثات الحج السنوية ما تستطيعه لحمايتهم وتوفير الخدمات التي تسهِّل عليهم أداء مناسكهم؛ فبعثة الحج العمانية توفِّر للحجاج العمانيين الخدمات الطبية وإدارة النقل والتفويج، من خلال الالتزام بأعلى معايير الأمن، مما يضمن حمايتهم وسلامة أرواحهم؛ كما تعتمد برامج منظمة لعمليات التفويج، لتجنب أي تداخل في أوقات أداء المناسك، وقد بلغ إجمالي عدد الحُّجاج لهذا العام أكثر من (14) ألف حاج - حسب (إحصاءات الحجاج 2026م) الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات -، وهي أعداد تحتاج إلى إدارة مبنية على التخطيط والتحكُّم والتنظيم والقيادة الآمنة.
وعليه فإن أنظمة إدارة الحشود اليوم تعتمد مجموعة من التقنيات التي تمكِّنها من التخطيط الاستباقي، وفق رؤية قادرة على كشف المخاطر والتحديات، لذا فإن التجارب الرائدة في المنطقة خاصة إدارة أفواج موسم الحج، يمكن الاستفادة منها في العديد من المناسبات خاصة في الفعاليات الكبرى؛ كالمعارض، والمهرجانات والأحداث الرياضية وغير ذلك، مما يستدعي التخطط الاستباقي وبناء مدن ذكية مؤقتة، قادرة على التنبوء، بحيث تكون الإدراة تقنية وفق الخرائط الذكية وتحليل البيانات.
فنموذج إدارة الحشود في موسم الحج على خصوصيته، يُشكِّل أهمية كبرى من حيث قدرته على الاحتواء، وشمولية البيانات وربطها وفق منظومة المدن الذكية المؤقتة، الأمر الذي يمكن أن يتكامل مع نماذج أخرى تُقدَّم في المنطقة بشكل عام أو في عُمان خاصة في مواسم المهرجانات السياحية الكبرى، ومواسم المباريات الرياضية الكبرى، إضافة إلى ما تنظمه الجهات المختصة بالأنظمة المرورية ومخارج الطوارئ وغير ذلك، وهي نماذج ذات قدرة على إدارة الحشود وفق مرئيات وتخطيط وتكامل أمني ولوجستي يعتمد على أنظمة تواصل تقنية واستراتيجيات تنظيمية واضحة، فتكامل هذه النماذج والاستفادة من التجارب، يضمن قدرة على إدارة المخاطر بشكل أكثر مهنية.
إن إدارة الحشود اليوم في علاقتها بالأنظمة الرقمية خاصة برامج الذكاء الاصطناعي ونماذجه، يمكن أن تشكِّل نقلة نوعية في التخطيط الاستباقي، وإدارة الأزمات واحتوائها، لذا فإن التوسُّع في إدراج هذه البرامج وإدماجها في العملية التخطيطية سيسهِّل على المنظمين عمليات التنفيذ والمراقبة وإحصاء البيانات وتحليلها، وبالتالي القدرة على تقييم هذه الفعاليات والمناسبات ومراجعتها وتطويرها بما يتيح للزوار والمستفيدين خدمات أفضل وأكثر جودة من ناحية، ويوفِّر لهم حماية وأمن من ناحية أخرى.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.