مضاعفة الاهتمام بالبحث العلمي
السبت / 5 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:24 - السبت 23 مايو 2026 21:24
من يطّلع على تاريخ الأمم والحضارات، وخصوصا منذ الثورة الصناعية الأولى وإلى ثوراتنا الصناعية والتقنية الحالية، يجد أن عنصر التفوق يُعزى إلى التقدم العلمي والبحث والتطوير، التي بُذلت لأجلها جهود كبيرة، واستُثمرت الأموال لبلوغ غايات علمية وبحثية، وتحقيق مخرجات صناعية ناتجة عن هذه الأبحاث، رفعت من مستويات تلك الدول، وجعلتها في مصاف الدول المتقدمة، وأخرجت بعضها بسرعة نسبية من مصاف الدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة. والأمثلة على هذه الدول كثيرة؛ ولعل من أبرزها الصين والهند وكوريا الجنوبية، التي استطاعت في غضون عقود بسيطة أن تتحرر من عقدة «العالم الثالث».
وإن كان هذا المصطلح يحمل في طياته خبايا عنصرية تدل على تفوق الإنسان الأبيض، ولكنها -على كل حال- استطاعت أن تتحرر، وأن تتجاوز بعلمها بعض المستويات الغربية.
يعيدنا هذا إلى أهمية الاهتمام بالبحث العلمي، وبشكل عام بالعلم والمعرفة؛ ومع محاولة فهم استراتيجيات بعض هذه الدول في سبيل تحقيق المخرجات المطلوبة والنتائج المرجوة لبلوغ مستويات صناعية ذات طابع استقلالي، نحتاج إلى أن ندرس قواعد تحويل المعرفة إلى اقتصاد وتطبيقها، أو ما يسمى باقتصاد المعرفة المعني بتحويل المعرفة إلى مال.
هذا ما ترجوه الدول التي تبذل أيضا جهودها في سبيل الاستثمار في التعليم والجامعات والبحث العلمي -رغم أن نتائجه بطيئة- وما زالت تسير ـ في بعض الدول ـ في اتجاهات غير مقنعة أو غير قوية بما يكفي.
أما الدول العربية؛ فما زالت بأجمعها -وبدرجات متفاوتة حال أفردت- ضمن دائرة الدول النامية، وبعضها ضمن دائرة الدول المتأخرة، وإذا جمعناها جميعا في إطار استثماراتها في المعرفة والعلم، وخصوصا البحث العلمي، نجد أن النسبة دون 1% في معظم التقديرات.
لكن ما يهمنا في مقالنا الحالي، الحديث والتركيز على الاستثمار العُماني في البحث العلمي، وفهم ميكانيكية هذا الاستثمار، وإدراك المسار الذي يسير فيه. فوفقا للإحصائيات المتوفرة، نجد أننا بدأنا نرفع ـ مقارنة بالسنوات الماضية ـ من نسبة الإنفاق على البحث العلمي والتطوير من الناتج المحلي، فبلغنا في عام 2026 نسبة 0.42%.
ومع تقسيم هذه النسبة على المساهمين في هذا القطاع -أي قطاع البحث العلمي والتطوير- نلحظ أن أغلب التمويل يأتي من القطاع الخاص بنسبة تصل إلى 46%، تليه الحكومة بنسبة 33%، بينما تصل نسبة مساهمة قطاعات التعليم إلى 21%، وهذه الثلاثية بنسبها الحالية لا غبار عليها ونعتبرها ظاهرة صحية مع أهمية الدفع برفع نسبة الإنفاق بمجمله ونسبة مساهمة القطاع الخاص كما سنوضح لاحقا.
تُطلعنا أيضا تجارب الأمم والدول المتقدمة التي خطت خطوات متقدمة في البحث العلمي والاستثمار فيه، وجنت ثماره في صور صناعية وطبية واجتماعية وعسكرية.
على أن النسبة التي تستحق أن تُعد نسبة جيدة للإنفاق على البحث العلمي والتطوير من إجمالي الناتج المحلي ينبغي ألا تقل عن 2%، وأن الجزء الأكبر من هذه النسب في كثير من الدول يأتي من مساهمة القطاع الخاص الذي يعوّل عليه مسؤولية التطوير والبناء بوجود التشجيع الحكومي ومؤسسات التعليم ودعمهما.
وفي ظل تركيزنا على مسألتنا العُمانية، يحق لنا أن نتساءل: لماذا لا نسعى -مبدئيا- إلى تجاوز نسبة 1% من إنفاقنا على البحث العلمي والتطوير، ثم نسعى مستقبلا إلى بلوغ 2%؟ وما المعوقات التي تمنعنا من ذلك؟
لعلنا مع التوضيح الأسهل من وجهة النظر الاقتصادية والمالية والاستثمارية نجد أننا لا نملك المبررات الاقتصادية الكافية لضخ الأموال في البحث العلمي والتطوير؛ فنفتقد الصورة الكبيرة التي ينبغي أن تنصهر فيها الطموحات العلمية مع الطموحات الصناعية والاقتصادية، بحيث يلتقي العقل العلمي مع العقل الاقتصادي والاستثماري في بوتقة واحدة؛ لتوليد رؤية وطنية واضحة توجّه بوصلتها نحو بناء صناعات متقدمة ومستقلة في مختلف القطاعات.
وينبغي أن تتولد هذه الرؤية والرغبة من وجود قراءة واعية للعالَم الآخذ في التطور السريع، وقراءة واعية للمستثمر ورغباته، وبما يصب في المصلحة العامة ولو بعد سنوات؛ ولهذا، من المهم أن تلتقي كل هذه الطموحات، وأن يُعاد صياغتها بطريقة تتجاوز الأطر التقليدية التي تسعى فقط إلى مواءمة المنظومة العالمية في مجالات التعليم والبحث العلمي، وأن تتجاوز كذلك مطبات التقليد غير الواعي؛ فتبني رؤيتها المستقلة التي لا ينبغي أن تكون أقل من رؤى الأمم المتقدمة.
فماذا ينقصنا لكي نبني مشروعا علميا وبحثيا، ثم نطوره ونكثف فيه الجهد والمال؛ ليحقق لنا مصنعا أو منتجا متقدما في مجال ما؟ ولماذا من النادر أن تجد في بلداننا العربية بعمومها منتجات متقدمة تُصنع محليا، أو منتجات قد لا يُسمح لك أحيانا بشرائها من الخارج؟ ما الذي يمنعنا من فعل ذلك؟
ولماذا لا يكون هذا النوع من المشروعات استثمارا وطنيا مشتركا بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي ـ الذي قد نراه ممثلا في جهاز الاستثمارـ إضافة إلى قطاع التعليم الذي سيبني لنفسه مستقبلا لامعا في التعليم العالمي؟ فمخرجاته ستشهد بذلك، وكذلك مختبراته، التي ستفيد أجيالا قادمة وباحثين آخرين.
أتذكّرُ، في نقاش مماثل مع أحد الأصدقاء المهتمين بالمعرفة والبحث في حقولها، أننا كنا نتناول فكرة تفريغ بعض المنتجين للمعرفة -غزيري الإنتاج- سواء في البحث العلمي أو في التأليف، ويشمل ذلك العلوم الإنسانية والعلوم التقنية أو الطبيعية، وإن كان هناك من يرى بأن المقصود بالبحث العلمي والتطوير ينصرف ـ في المقام الأول ـ إلى العلوم الطبيعية والتقنية؛ فإن ذلك صحيح نسبيا، كون العالَم اليوم يتقدم حضاريا من جهة العلم التقني والرقمي الذي يصب في تطوير المخرجات الصناعية بمختلف أنواعها.
لكن هذا لا يعني أن نلغي بقية المعارف الإنسانية الأخرى -وأهمها الدينية والفلسفية والأدبية واللغوية والاجتماعية والنفسية- فكلها أيضا تصب في صالح البناء الحضاري.
لدينا الكثير من الباحثين الذين يستحق بعضهم أن يوصف بغزيري الإنتاج، وفي الحقيقة، فإن هذه الغزارة لو مُنحت وقتا إضافيا، يُسحب من الوقت الذي يقضيه الباحث في وظيفته الروتينية التقليدية ـ التي قد تكون بعيدة عن مجاله العلمي والمعرفي ـ لرأينا إنتاجه يتضاعف أضعافا كثيرة عمّا هو عليه الآن.
وبالتالي فإن ذلك يتطلب أن يكون لهذا المُنتِج والباحث المعرفي تمويلٌ شهري يُمنح له يعادل راتبه أو يزيد عليه؛ ليُعفى من المهام الوظيفية التي تعوق بعضهم، وإن كنا لا نعمم؛ فبعضهم لا تعوقه الوظيفة حال توافقها مع مجاله المعرفي وتخصصه.
ولتنظيم ذلك، يمكن أن يكون الأمر قائما على معادلة واضحة وشروط محددة: ماذا ستنتج؟ وكم ستنتج في كل عام؟ أو على الأقل: كم يمكن أن تنتج لو قمنا بتفريغك، وموّلنا معيشتك بشكل جيد ومرضٍ؟ بحيث يُمنح عاما أو عامين أو أكثر، بحسب ما يمكن لهذا الشخص أن ينتجه، وليجد في الوقت نفسه التشجيع والمكافأة، ولنضف معه تمويل طباعة مؤلفات هؤلاء المنتجين ودعم نشرها على غرار تمويل أبحاثهم العلمية والإنسانية؛ حيث ينبغي أن تشمل مثل هذه العروض الداعمة للمعرفة جميع المنتجين في حقول المعرفة سواء العلمية التقنية أو الإنسانية.
نقول ذلك وفق واقع نلمسه بما في ذلك البيئات الأكاديمية التي بحاجة إلى مزيد من الاهتمام فيما يتعلق بمنتسبيها من الباحثين؛ إذ من الصعب لبعض المهتمين بالبحث العلمي في بعض البيئات الأكاديمية أن يخصص وقتا كافيا لمشروعاته البحثية بسبب ارتباطاته الكثيرة في الأعمال الإدارية -رغم أهميتها- وساعاته التدريسية الكثيرة التي تعوق مسيرته البحثية؛ فلا بد من التوازن ومراعاة بعض هذه الفئات غزيرة الإنتاج في الجانب البحثي.
هذا جانب يستحق منا أن نراه بوضوح، وأن نسلط الضوء على مخرجاته المحتملة، والواقعية أيضا. إلى جانب ذلك، ينبغي أن تُشجَّع مؤسسات القطاع الخاص على بذل مزيد من الجرأة في الاستثمار في قطاع البحث العلمي وتمويل الباحثين وعدم وضع كل الحمل على التمويل الحكومي. في سلطنة عُمان، ما يجعلنا متفائلين من تقدمنا في مجال البحث والتطوير وتبني كل ما يصل بهذا المجال ويضاعف من نتائجه المرجّوة، هو أننا نمتلك رؤية وطنية «عُمان 2040» صبت اهتمامها الكبير بقطاع البحث العلمي وما يتفرّع منه سواء في دعم التقنيات المتقدمة والاقتصاد الرقمي والثقافة، ولهذا سنسعى معا من أجل رفعة هذا الوطن.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني