الصراع القادم على الممرات المائية الآسيوية
السبت / 5 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:24 - السبت 23 مايو 2026 21:24
في أواخر فبراير، تحرّك الحرس الثوري الإيراني لإغلاق مضيق هرمز، مطلقا تحذيرات جاء فيها أن «كل من يحاول العبور، سيُشعل أبطال الحرس الثوري والبحرية النظامية سفنه». ومن خلال استهداف السفن بالطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن وزرع الألغام، خنقت طهران صادرات النفط من الشرق الأوسط، ودفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع الحاد.
استخدمت السيطرة على الممرات المائية، منذ زمن طويل، لإحباط الخصوم وتشكيل النتائج الاستراتيجية. ففي عام 1951، وبعد أن أمّمت طهران صناعتها النفطية، استخدمت المملكة المتحدة الضغط البحري لمنع إيران من تصدير النفط. وخلال «حرب الناقلات» عام 1984، زرعت إيران ألغاما في مضيق هرمز، وضيّقت على السفن ردا على الهجمات العراقية. ومع ذلك، ظل مضيق هرمز مستخدما طوال هذين الصراعين.
تكشف أزمة هرمز الراهنة بوضوح أن إغلاق المضائق صار أسهل، وأن تبعاته باتت أوسع مدى. فالتقنيات المنخفضة الكلفة نسبيا، بما في ذلك أنظمة المراقبة الساحلية، والصواريخ المضادة للسفن المنصوبة على اليابسة، والطائرات المسيّرة، والزوارق السطحية غير المأهولة، والألغام، أصبحت تتيح للدول الأضعف تعطيل الحركة على نطاق واسع وفرض أكلاف على خصوم أقوى. وفي الوقت نفسه، ضاعف تركز التجارة العالمية وتدفقات الطاقة عبر عدد محدود من المسارات الضيقة أثر الأزمات الموضعية.
والأهم أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ثم تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقا بفرض حصار على مضيق هرمز، تشير إلى استعداد أكبر لدى القوى الكبرى لتحميل العالم أكلافًا اقتصادية واسعة، والتعامل بخفة مع القانون الدولي، بما في ذلك القواعد المنظمة للعبور.
ثم إن الممر المائي لا يحتاج إلى إغلاق فعلي كي يسبب ألمًا واسعًا، فمجرد التهديد بالتعطيل يكفي لرفع أقساط التأمين، وتحويل مسارات الشحن، وإرباك أسواق السلع الأساسية.
بالنسبة إلى آسيا، تبدو المخاطر أعلى بكثير؛ فبينما يشكل هرمز في الأساس نقطة اختناق للطاقة، تقف الممرات المائية الآسيوية فوق خطوط التجارة العالمية، والطاقة، وسلاسل إمداد أشباه الموصلات.
ومن خلال إظهار قابلية تحويل نقطة اختناق إلى سلاح، حتى من جانب قوة أضعف، وإظهار استعداد الدول القوية لفرض أكلاف واسعة وتحملها، قد تشجع أزمة هرمز تكتيكات مشابهة في أنحاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد يتخذ ذلك شكل قيود أمريكية على المرور عبر مضيق ملقا، أو حصار صيني لمضيق تايوان، أو منع أمريكي ـ فلبيني للوصول عبر مضيق لوزون.
وقد يمتد الضغط على نقاط الاختناق الرئيسية هذه إلى ممرات مائية ثانوية. فالتطورات الأخيرة في الأرخبيل الإندونيسي، التي مرت إلى حد كبير بعيدا عن الأنظار، توحي بأن واشنطن وبكين باتتا تتوقعان الاضطرابات بقدر أكبر، وتناوران للتنافس على الممرات البحرية الثانوية في آسيا.
إلقاء كتاب القواعد جانبًا
بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية في أواخر فبراير، لم تكتف إيران بالرد عبر هجمات عسكرية مباشرة. فقد أنشأ الحرس الثوري الإيراني أيضا نظام رسوم بالغ التنظيم في مضيق هرمز، يفرض على السفن تقديم الوثائق ودفع مبالغ مالية للسماح لها بالعبور.
ومع أن تقارير غير مؤكدة تحدثت عن دفع سفينة واحدة على الأقل مليوني دولار لعبور المضيق، فقد أعلنت شركات شحن كثيرة تمسكها بعدم دفع الرسوم، مستندة إلى «مبدأ الملاحة القائمة على القانون الدولي».
في منتصف أبريل، وبعد انهيار المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق، أعلن ترامب أن البحرية الأمريكية ستفرض حصارا على «كل السفن، أيا كانت، التي تحاول دخول مضيق هرمز أو الخروج منه».
أثار هذا الإعلان مخاوف قانونية فورية، سواء بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أو بموجب قانون النزاعات المسلحة في البحر، الذي ينظم الحرب البحرية والتعامل مع السفن المحايدة.
ففي المضائق التي يبلغ عرضها 24 ميلا بحريا أو أقل، مثل مضيق هرمز البالغ عرضه 21 ميلا بحريا، يمنح نظام «المرور العابر» بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار السفن والطائرات حق الملاحة والتحليق دون عوائق. ورغم أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى هذه الاتفاقية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994، فإنها تقبل عموما أحكامها الأساسية بوصفها انعكاسا للقانون الدولي العرفي.
وحتى أثناء النزاع المسلح، تحتفظ الدول غير المحاربة بحقوقها البحرية. فقانون النزاعات المسلحة في البحر لا يعترف إلا باستثناءات محدودة يجوز بموجبها للأطراف المحاربة إيقاف السفن وتفتيشها عند الاشتباه في أنها تحمل بضائع محظورة.
وقد ضيّقت التوجيهات العملياتية الصادرة لاحقا عن القيادة المركزية الأمريكية نطاق توجيه الرئيس. فالحصار سيطبّق بصورة محايدة على سفن جميع الدول الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، مع عدم عرقلة حرية الملاحة للسفن العابرة للمضيق من الموانئ غير الإيرانية وإليها.
وباعتماد هذا التطبيق المحايد على سفن جميع الدول المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة لها، مع الحفاظ على حقوق العبور للسفن المتنقلة من الموانئ غير الإيرانية وإليها، صيغ أمر القيادة المركزية الأمريكية بعناية كي يكون قابلا للدفاع عنه قانونيا.
في المقابل، تتعارض الإجراءات الإيرانية والموقف الأقصى الذي تبناه الرئيس الأمريكي بوضوح مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وقانون النزاعات المسلحة في البحر. فالحظر الشامل على عبور السفن في المضيق لا ينسجم مع حق المرور العابر، ولا يجيزه قانون النزاعات المسلحة في البحر. كما أن عدم دفع رسوم العبور لا يشكل أساسا قانونيا لاستهداف السفن المحايدة.
مضائق خطرة
في آسيا، تبدو عواقب تحويل المضائق إلى أدوات ضغط أشد من أي مكان آخر. فمضيق ملقا، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 1.5 ميل بحري، تمر عبره نسبة تصل إلى 40 في المائة من التجارة العالمية و80% من واردات الصين من الطاقة، وتجاوزه يقتضي تحويل المسار عبر الممرات المائية الثانوية في إندونيسيا أو الدوران حول أستراليا، بما يضيف زمنا وتكلفة ومخاطر كبيرة. وفي عام 2003، وصف الرئيس الصيني هو جينتاو تعرض الصين لاحتمال حصار هذا الطريق بأنه «معضلة ملقا».
وتزيد الأحداث الأخيرة في هرمز حدة هذا القلق. ومن المرجح أن تكثف بكين خططها لتقليل اعتمادها على مضيق ملقا، من خلال توسيع خطوط الأنابيب البرية عبر ميانمار وروسيا وآسيا الوسطى، وزيادة وصولها إلى موانئ المحيط الهندي، وتطوير طرق الشحن في القطب الشمالي.
سيترك تعطيل هذا الشريان الحيوي تداعيات على دول تتجاوز الصين بكثير. فمضيق ملقا هو الممر البحري الرئيسي الذي يربط مراكز التصنيع في شرق آسيا بأسواق أوروبا والشرق الأوسط. وإغلاقه سيقطع سلاسل إمداد عالمية حيوية، ويطلق صدمات اقتصادية كلية، ويلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكي. في السابق، كان من المعقول افتراض أن واشنطن ستتردد في تعطيل المرور عبر المضيق، بالنظر إلى العواقب الاقتصادية الواسعة.
غير أن أزمة هرمز توحي بأن مثل هذه الاعتبارات باتت أقل وزنا؛ فقد نُفذت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران مع اكتراث محدود بالتداعيات الأوسع، بما في ذلك أثرها في الحلفاء والشركاء، فيما ساهم الحصار الأمريكي، حتى بصيغته الأضيق التي وضعتها القيادة المركزية الأمريكية، في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميا.
تبرز أزمة هرمز أيضا كيف يمكن تحويل المضائق إلى مصدر عائد مالي وأداة نفوذ. ومع أن الدول المشاطئة لمضيق ملقا لا تملك حافزا لإغلاق الممر المائي، فإن فرض رسوم على العبور، ربما تحت غطاء رسم بيئي، مسألة أخرى. تستحوذ سنغافورة على الحصة الأكبر من القيمة التجارية للمرور عبر مينائها وخدمات إعادة الشحن، لكن حكومة قومية أو شعبوية في إندونيسيا أو ماليزيا قد تقرر استخلاص ريع من الشحن التجاري.
ومؤخرا، ألمح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض رسوم عبور، قبل أن يسارع وزير الخارجية إلى التراجع عن التصريح.
الحافة العملياتية
كما هي الحال في مضيقي هرمز وملقا، فإن الاضطرابات في مضيق تايوان، الذي تمر عبره 20 في المائة من التجارة البحرية العالمية، ستهدد التجارة العالمية. غير أن الحصار في مضيق تايوان يطرح خطرا من طبيعة مختلفة.
فما زالت تايوان المنتج المهيمن عالميا لأشباه الموصلات المتقدمة، وسيقيد الحصار وارداتها من الطاقة والمواد الخام، ويوقف صادرات الرقائق الحيوية لسلاسل الإمداد العالمية. وعلى خلاف الصين، التي تبني طرقا بديلة لتقليل اعتمادها على مضيق ملقا، لا تملك تايوان ممرا جغرافيا بديلا. فموانئها الكبرى تتركز على ساحلها الغربي المواجه للمضيق، فيما يعقّد داخلها الجبلي حركة النقل بين الشرق والغرب. وفي حال وقوع حصار، ستصاب صناعات التكنولوجيا والإنتاج الدفاعي في أنحاء العالم بالشلل. ووفق بلومبرج، قد يتبدد ما يعادل 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وفوق قدرتها على إحداث اضطراب اقتصادي واسع، تمنح هذه الممرات المائية مزايا عسكرية وعملياتية مميزة.
وكما يبيّن هرمز، فإن السيطرة على الأراضي المجاورة تمنح أفضلية كبيرة، خصوصا في المضائق الضيقة. فمن خلال الرادارات الساحلية، والصواريخ المنصوبة على اليابسة، والطائرات المسيّرة، والزوارق السطحية غير المأهولة، وزوارق الهجوم السريع، والألغام، أظهرت إيران قدرتها على تقييد الوصول وفرض أكلاف على قوة عسكرية متفوقة، بما يعقّد أهداف الحرب الأمريكية الأوسع.
وقد شكّلت هذه الحقائق التكتيكية بالفعل أنماط الانتشار العسكري في آسيا. فالتطورات في هرمز تثبت وجاهة استراتيجية الصين في منع الوصول وحرمان المنطقة، المعروفة اختصارا بـ A2/AD، والتي تسعى إلى تقييد عمليات الخصوم وتعقيدها في المياه المحيطة بالصين عبر طبقات من الصواريخ والقوات البحرية والجوية وأنظمة المراقبة.
كما تثبت وجاهة مقاربة تايوان المسماة «النيص»، التي تركز على أنظمة متناثرة ومتحركة مصممة لصد الغزو. ومع أن مضيق تايوان أوسع كثيرا من هرمز، إذ يبلغ عرضه نحو 70 ميلا بحريا عند أضيق نقطة، ومن ثم يحتاج إلى قدرات أطول مدى، فإن المبدأ الأساسي ينطبق عليه أيضا. فالمضائق أصول استراتيجية يمكن تحويلها بفاعلية إلى سلاح. وفي الجنوب، ركزت المناورات الأمريكية ـ الفلبينية على تطوير قدرات منع محلية في مضيق لوزون، الذي يربط بحر الصين الجنوبي بالمحيط الهادئ، ويسمح عمقه بعبور الغواصات دون رصد.
ويمثل المضيق بوابة حيوية للشحن التجاري والحركة البحرية العسكرية بين شرق آسيا والمحيط الهادئ الأوسع، وسيغدو مسارا بديلا أساسيا إذا تعطل العبور عبر مضيق تايوان. وقد ردت بكين أخيرا على هذه المناورات بتدريبات بالذخيرة الحية، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق.
وبما أن مضيقي تايوان ولوزون أوسع من 24 ميلا بحريا، فإنهما يحتويان على ممرات متصلة ضمن المناطق الاقتصادية الخالصة، حيث تنطبق حريات أعالي البحار. إن فرض حصار على هذه الممرات، أو التدخل غير المبرر في العبور من خلالها، يشكل انتهاكا واضحا للقانون الدولي. ومع ذلك، فإن الأنشطة العسكرية في المضيقين وحولهما تشير إلى أن القيمة الاستراتيجية للسيطرة على الوصول إليهما قد تطغى، في لحظة أزمة، على القيود القانونية.
الضغط الأرخبيلي
كل اضطراب في المضائق كثيفة الحركة يزيد الضغط على المسارات الثانوية، ويخلق مواطن ضعف جديدة؛ فإذا تعرض مضيق ملقا لقيود، فسيتعين على حركة الملاحة أن تتحول عبر الأرخبيل الإندونيسي، بما في ذلك مضيق سوندا بين سومطرة وجاوة، ومضيق لومبوك، وهو أخدود بحري عميق بين بالي ولومبوك. ويبدو أن بكين وواشنطن باتتا تتوقعان بقدر أكبر احتمال تعطل نقاط الاختناق الرئيسية، وتتحركان بهدوء لاكتساب أفضلية في هذه المياه.
ففي أوائل أبريل، اكتشفت جاكرتا مركبة غير مأهولة تحت الماء، يشتبه في أنها صينية المنشأ، في مضيق لومبوك، بما يوحي بتزايد الاهتمام الصيني بهذا الممر المائي.
ينظم العبور في المياه الأرخبيلية نظام المرور في الممرات البحرية الأرخبيلية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو نظام يضمن الملاحة والتحليق المستمرين ودون عوائق في «الوضع الطبيعي»، أي أن الغواصات يمكن أن تبقى مغمورة، عبر الممرات التي تحددها الدولة، أو عبر المسارات «المستخدمة عادة للملاحة الدولية». وخارج هذه الممرات، تتمتع السفن، دون الطائرات، بحق «المرور البريء» فقط، وهو حق يمكن تعليقه عندما يكون ذلك «ضروريا» للأمن، كما يوجب على الغواصات أن تطفو إلى السطح.
إن تركّز الحركة في ممرات متوقعة يجعل السفن والطائرات أسهل تتبعا واستهدافا. وإدراكا لهذه الثغرة، سعت واشنطن إلى اتفاق شامل مع إندونيسيا يتيح التحليق فوق أراضيها لضمان الوصول إلى طرق بديلة. وتبدو الحساسيات المحيطة بهذا الاتفاق شديدة. ففي منتصف أبريل، وقبل أيام قليلة من الموعد المقرر لتوقيع الاتفاق العملياتي، سرّبت وسيلة إعلام هندية خبر الاتفاق. وحذّرت وزارة الخارجية الإندونيسية وزارة الدفاع من أن الاتفاق قد يخلق «انطباعا بأن إندونيسيا منخرطة في تحالف»، وقد يورطها في «وضع نزاع إقليمي»، بما في ذلك نزاع في بحر الصين الجنوبي. وبات مصير الاتفاق الآن غير واضح. أما بكين، فقد حذرت من أن هذا الترتيب قد ينتهك ميثاق رابطة دول جنوب شرق آسيا.
المرور الآمن
لا تستطيع الدول التي تعتمد على حرية العبور أن تفترض أن القواعد المنظمة للممرات المائية الاستراتيجية ستصمد تلقائيا عندما تتعرض للهجوم. على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها أن يتحركوا على نحو عاجل لتقليل مواطن الضعف في نقاط الاختناق الآسيوية.
ينبغي لواشنطن وحلفائها وشركائها أن يعززوا بدرجة أكبر الوعي بالمجال البحري وقدرات الاستجابة في تايوان ودول بحرية رئيسية أخرى، من بينها إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، التي تستضيف منشآت لوجستية أمريكية، وذلك لرصد وردع الأنشطة الهادفة إلى تعطيل الممرات المائية الاستراتيجية، مثل زرع الألغام.
وينبغي لواشنطن وحلفائها أيضا أن ينسقوا العمليات البحرية المصممة للحفاظ على العبور عبر المضائق المتنازع عليها أثناء الأزمات. وسيبعث ذلك برسالة مفادها أن محاولات تقييد العبور ستقابل برد جماعي.
ولمعالجة تركز الحركة البحرية، خصوصا عبر مضائق ملقا وتايوان ولوزون، ينبغي لواشنطن أيضا أن تعمل مع حلفائها وشركائها على تطوير الموانئ الثانوية العميقة في الفلبين وفيتنام وعلى الساحل الشرقي للهند. فإذا تعطلت الملاحة في مضيق ملقا، فستتحول هذه الموانئ إلى محطات مهمة للتزود بالوقود للسفن التي ستُحوّل مساراتها عبر الأرخبيل الإندونيسي.
كما يجب مضاعفة الجهود الأمريكية الهادفة إلى توزيع إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة على دول حليفة، مثل ألمانيا واليابان، من أجل تقليل الاعتماد العالمي على إنتاج الرقائق المتركز في تايوان.
ولتعظيم الردع، يمكن لواشنطن وحلفائها أن يلتزموا مسبقا بفرض عقوبات اقتصادية ردا على أي تعطيل غير قانوني للعبور عبر الممرات المائية الكبرى في آسيا.
كثير من هذه الإجراءات بدأ بالفعل، غير أن أحداث مضيق هرمز تؤكد طابعها العاجل. ويتطلب تنفيذها رأسمالا دبلوماسيا، وهو مورد بات شحيحا في ظل تدهور علاقات واشنطن بحلفائها وشركائها، بما يقوض التحالفات اللازمة للحفاظ على الوصول المفتوح. وإلى جانب هذه التدابير الجماعية، ينبغي لواشنطن أن تعزز موقفها القانوني والدبلوماسي بالانضمام أخيرا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي توصية طالما جرى تجاهلها، من دون أن تفقد أهميتها. كما يجب على الولايات المتحدة أن تجعل خطابها وممارستها منسجمين مع القانون الدولي. ومن شأن هذه الخطوات مجتمعة أن تعزز صدقية الولايات المتحدة عندما تعترض على الأفعال التي تقوض الحقوق البحرية، وأن ترسل إشارة إلى التزام متجدد بالقواعد المنظمة للممرات المائية الاستراتيجية.
لقد اكتشفت طهران ما تملكه في مضيق هرمز من نفوذ رخيص وسريع ومدمر. والإنذار الموجه إلى آسيا حقيقي.
ففي غياب دفاع مستدام عن حقوق العبور وحرية البحار، ورد قوي على من يقوضونها، قد تتكرر ديناميات مشابهة في أنحاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبالنظر إلى الحجم الهائل من التجارة العالمية المعتمدة على المرور المتواصل عبر نقاط الاختناق الإقليمية، فإن تحويل الممرات المائية الآسيوية إلى أسلحة سيطلق عواقب كارثية.
لين كوك تشغل كرسي لي كوان يو في معهد بروكينغز.
عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»