حياة من ورق
السبت / 5 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:03 - السبت 23 مايو 2026 20:03
في الطريق إلى الخوير كنتُ أستعيد قصتي «الحياة ورق» التي مضى على كتابتها نحو 23 عاما وأنا أتساءل في نفسي: تُرى ماذا فعل سعد عماد بالقصة؟ هل كان وفيًّا لحكايتها التي اختزلتْ حياة إنسان من ولادته حتى موته في صفحتين؟ أم سيضيف لها ما يتطلبه العرض المسرحي من إضافة أو حذف؟ شخصيًّا لا أظنها ستكون مسرحية جيدة إذا ما التزم بكل ما ورد في الحكاية، ولذا، فإني حرصتُ أن أكتب له في رسالة الموافقة على تحويلها إلى مسرحية أن له مطلق الحرية أن يضيف إليها أو يحذف منها ما يشاء.
وصلتُ إلى جامعة التقنية والعلوم التطبيقية في الثانية عشرة والنصف ظهرا تمامًا، أي الموعد نفسه الذي حُدِّدَ لبدء العرض، فكان أن اتصلتُ بالمؤلف وأنا قَلِقَ أن تكون المسرحية قد بدأتْ، لكن سعد الذي خرج إليَّ ليقودني إلى المسرح طمأنني أنه ما زال ثمة وقت، وحملني إلى قاعة انتظار فيها بعض أساتذة الكلية ينتظرون العرض بدورهم. غادر سعد لأن لديه عملًا آخر في الكواليس، بعد أن ناولني «مطوية» العرض التي جاءت على هيئة صفحة من جريدة. أحببتُ هذه الطريقة في كتابة أسماء طاقم المسرحية وطُرُقهم الظريفة في التعريف بأنفسهم، مثلًا كتب المخرج المعتصم الرواحي: «أتمنى ألّا أفشل بسبب حماسي الذي يبدو أكبر في المرآة، أجريتُ تسعة وتسعين اتصالًا فاشلًا بمؤلف المسرحية، وعندما رد قال لا داعي للقلق إن الحياة من ورق». إحدى الممثلات عرّفت نفسها بأنها تهوى الخياطة والطبخ وتمثيل دور المديرة على إخوتها الصغار! قلتُ في نفسي: «إنهم مختلفون إذن، وهذا أمر مبشِّر». بعد قليل جاء المخرج ليأخذنا في جولة قصيرة في معرض فني مستوحى من أجواء المسرحية، يقول إنهم كانوا حريصين على أن يضعوا فيه الاسكتشات الأولية للرسومات لكي يكون المعرض عفويا، وبعدها أرانا اللوحة الإعلانية المبتكرة للعرض التي تضمنت كولاجًا من الصور مستوحاة من القصة. هنا قلتُ لنفسي: «أظن أن هذا كاف، فحتى لو جاءت الطبخة بعد قليل غير مكتملة النضج فإن هذه المُقبِّلات تكفيني».
لكن الطبخة كانت ناضجة، ولم يخيّب العرض أملي: نصّ قادر على شد المتفرج منذ الجملة الأولى لبطل المسرحية الذي اختار له عماد اسمًا ذكيًّا هو «سعيد»، وإخراج احترافي يعرف كيف يوزّع الممثلين والسينوغرافيا والإضاءة على الخشبة، وممثلون امتلكوا الحضور الأخاذ على المسرح صوتًا وأداء حركيًّا إلى درجة تثير التساؤل بإعجاب: «هل حقًّا هؤلاء طلبة هواة؟»، والأهم من هذا إيقاع العمل الذي ظل مشدودًا طوال مدة العرض دون شعور بترهّل أو ملل.
فيما يخص التأليف، أعجبني أن سعد عماد التقط الفكرة الأساسية وعَمَّقَها، مانحًا إياها جسدًا مسرحيًّا أوسع. كانت قصتي تقوم على التكثيف الشديد، إنسان بلغ حده الأقصى من اليأس بسبب الورق الذي رافقه طيلة حياته، من شهادة الميلاد إلى اللحظة التي اعتلى فيها الطابق العاشر ليلقي بنفسه منه، محتجًّا على هذه الحياة «الورقية»، أما النص المسرحي فقد وسّع هذه الرؤية، وابتكر شخصيات ومواقف وحوارات جعلت الفكرة أكثر قابلية للفرجة. بدلا من الطابق العاشر اختار سعد أنشوطة معلقة أعلى خشبة المسرح يستعد سعيد ليضع رقبته فيها، وامتلأت الخشبة بالورق الذي يتحكم بمصير سعيد، ومنح هذه الشخصية عمقًا إنسانيا سهّل على مؤديها (تيمور السلطي) تجسيدها بنجاح (عرفتُ بعد العرض أنه فاز عن هذا الدور بجائزة أفضل ممثل في المهرجان المسرحي الجامعي في نزوى). كانت الحوارات عميقة وتحمل أبعادا فلسفية واضحة، وحتى في الحالات القليلة التي خرج فيها الممثلون عن النص يشعر المرء أنه خروج مدروس للتخفيف من ثقل الحوارات أكثر مما هي الرغبة في إضحاك الجمهور.
وفيما يتعلق بالإخراج، فقد بدا المعتصم الرواحي واعيًا بأن النص يحتاج إلى خفة في الحركة، وذكاء في توزيع العناصر البصرية، لكي لا تتحول فكرته إلى خطاب مباشر. لذلك جاءت الخشبة حيّة، متحركة، قادرة على الانتقال السلس بين المراحل العمرية المختلفة للبطل، من غير أن يفقد المتفرج خيط الحكاية. والإضاءة الحمراء صنعت أجواء ترقب وانتظار، خاصة في مشهد النهاية الذي نُفِّذ بذكاء، ومفردات السينوغرافيا كانت مرنة قابلة للتغيير بسهولة دون أية عوائق، وبعضها كان مجرد تخطيطات بسيطة كافية لإقناع المشاهد أن هذا دُرْج مثلًا، وذاك مكتب، وتلك سبورة. لكن براعة المخرج تبدت أكثر في قدرته على إدارة الممثلين واستخراج أكبر قدر ممكن من طاقاتهم التمثيلية.
خرجتُ من العرض وأنا منتشٍ وأنا أحدث نفسي أن المسرحية أخذت قصتي القصيرة إلى مكان أبعد مما تخيلتُ حين كتبتُها. ولا أخالني مبالِغًا إن قلتُ إن المسرحية أجمل من القصة بكثير.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني