أعمدة

«الدختر تومس».. توثيق للتاريخ الاجتماعي

فيلم «الدختر تومس» الوثائقي هو: «توثيق للتاريخ العُماني في جزئية مهمة جدا، وهي الجانب الاجتماعي».

هكذا علّق معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام، على فيلم «الدختر تومس» الوثائقي الذي أنتجته وزارة الإعلام وعُرض على مسرح الوزارة بحضور نخبة من كبار الشخصيات والإعلاميين والمُشتغلين بالدراما والسينما والمهتمين.

قدم الفيلم شخصية الدكتور «ويلز توماس» الذي عاش في عُمان خلال الفترة من ١٩٣٩ إلى ١٩٧٠م، وعرفه العُمانيون بـ«الدختر تومس» كطبيب أمريكي عاد إلى مسقط بعد دراسته للطب في بلاده الولايات المتحدة الأمريكية، ليستكمل بذلك عمل والده الطبيب أيضا الذي تُوفي في عُمان متذكرا المرضى الذين عالجهم والده.

كما قدم الفيلم الوثائقي «الدختور طومس» إنسانا متواضعا اقترب من الناس فأتقن لغتهم فأحبهم وأحبوه في مرحلة بالغة الصعوبة غابت فيها أبسط الخدمات الطبية بعد وقفات طبية له في البصرة والبحرين والكويت، هناك حيث التقى الحُكام وألِف الشعوب، وأسس معهم علاقات إنسانية رائعة.

المادة الفيلمية النادرة التي تم العثور عليها بصعوبة لتلك المرحلة كما ذكر المشتغلون على الفيلم، وثقت للوضع الاجتماعي الذي كان سائدا، وأظهرت بجلاء حالة البؤس التي عاشها الإنسان العماني نتيجة لغياب الخدمات الطبية التي كان يُستعاض عنها بالأدوية المحلية والأعشاب، وطرق العلاج التقليدية كالكي والشعوذة.

كما قدمت صورة واضحة لقسوة المعيشة، وغياب مقومات الحياة الأساسية، كالطرق ووسائل النقل ووسائل النظافة الشخصية، وأرّخت في الوقت ذاته لبدايات مهنة «التمريض» في عُمان.

وأنا أتابع الفيلم -خاصة تلك المشاهد التي قُصد منها المقارنة بين فترة وجود الدكتور توماس، وما أعقبها من تطور مذهل في الخدمات الطبية بعد نهضة عُمان الحديثة في العام ١٩٧٠- شرد ذهني في تصور الوضع السائد حينها، وكيف عانى أجدادنا ويلات الجوع والفقر والمرض مُستحضِرا ما نعيشه اليوم من ازدهارِ للخدمات بمختلف المحافظات والولايات خاصة في المجال الطبي.

يريد الفيلم أن يقول إن الدكتور ويلز توماس «الإنسان» هو الذي أسس خلال فترة وجوده لمفهوم الخدمات الطبية بمسماها الحديث في سلطنة عُمان من خلال إنشائه «مستشفى طومس» في مطرح؛ إذ عرّج في جزئية مهمة منه على زياراته العلاجية الميدانية التي كانت تأخذه إلى خارج مسقط ومطرح، وشملت نزوى وبعض مدن ساحل الباطنة والشرقية وظفار والبريمي، كما لم يغفل المرضى الذين كانوا يفِدون إليه من دول الخليج العربية.

إن التوجه نحو صناعة وإنتاج أفلام توثق للحياة الاجتماعية، لا شك غاية في الأهمية، «ليس لأنه يُدون للجُزء المنسي» من حيوات الشعوب التي «لن تتطور في تجربتها إلا بمعرفة تاريخ مجتمعها والأجيال التي سبقتها» كما ذكر معالي الدكتور وزير الإعلام، إنما لأنه يوثق لمراحل تطور المجتمعات، ويحفظ هويتها الوطنية، ويبني ذاكرتها الجماعية، ويساعد على فهم الأزمات، واتخاذ القرارات الصحيحة عدا ما يوفره من مادة خصبة للقائمين على الدراسات من العلماء والباحثين.

عُمر العبري كاتب عُماني