كيف تبني عُمان صمودها الاتصالي أثناء الأنواء المناخية؟
السبت / 5 / ذو الحجة / 1447 هـ - 15:47 - السبت 23 مايو 2026 15:47
في الأنواء المناخية، تصبح شبكات الاتصال جزءًا من قدرة المجتمع على التماسك، ومن قدرة المؤسسات على إدارة الاستجابة، ومن قدرة الخدمات الأساسية على مواصلة عملها، وتكشف تجربة قطاع الاتصالات مع الأنواء المناخية عن انتقال واضح من إدارة الخدمة إلى بناء الصمود الرقمي؛ عبر استثمارات في البنية الأساسية، وتوسيع شبكات الألياف البصرية والاتصالات المتنقلة، وتعزيز خيارات الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية، وتطبيق خطط استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث. وتأتي هذه الجهود منسجمة مع شعار «شرايين الحياة الرقمية - تعزيز القدرة على الصمود في عالم موصول»، حيث تغدو استمرارية الشبكات عنصرًا مباشرًا في استقرار الحياة اليومية وجاهزية الدولة للتعامل مع الظروف الاستثنائية.
تحول استراتيجي
وفي هذا السياق، قال د. سعود بن حميد الشعيلي مدير عام السياسات والحوكمة – رئيس البرنامج الوطني للفضاء بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إن «نظرة سلطنة عُمان لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات شهدت تحولًا نوعيًا خلال السنوات الماضية؛ إذ لم يعد يُنظر إلى القطاع باعتباره قطاعًا خدميًا يقتصر دوره على تمكين الاتصال وتقديم الخدمات الرقمية فقط ، بل أصبح ممكن ومحرك اساسي لكافة مكونات الاقتصاد الرقمي مثل الامن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتجارة الالكترونية والفضاء وغيره من مكونات الاقتصاد الرقمي كما يعتبر عنصرًا رئيسيًا في دعم استمرارية الأعمال والخدمات الأساسية أثناء الأزمات.
وأشار إلى أن هذه النظرة تأتي من واقع الاعتماد المتزايد على الشبكات الرقمية في تشغيل الخدمات الحكومية، والقطاعات الاقتصادية، والخدمات الصحية، والتعليمية، والمالية، وأنظمة الإنذار والتواصل المجتمعي. ومن هذا المنطلق، تعمل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات ، بالتكامل مع هيئة تنظيم الاتصالات والشركات المرخصة والجهات المعنية ضمن المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، على تعزيز جاهزية البنية الرقمية، ورفع موثوقية الشبكات، وضمان توفر خدمات الاتصالات في مختلف الظروف، بما يدعم الأمن المجتمعي واستقرار الخدمات الحيوية واستدامة الحياة اليومية».
استثمارات رقمية
وحول أبرز المشاريع التي عززت قدرة البنية الرقمية على الصمود أثناء الأنواء المناخية والحالات الاستثنائية، أوضح الشعيلي أن سلطنة عُمان عملت خلال السنوات الماضية على تنفيذ حزمة من الاستثمارات والمشاريع الاستراتيجية التي عززت قدرة البنية الرقمية على الصمود أثناء الأنواء المناخية والحالات الاستثنائية. ومن أبرز هذه الجهود التوسع في شبكات الألياف البصرية، وتطوير شبكات الاتصالات المتنقلة، ورفع كفاءة البنية الأساسية للاتصالات، حيث بلغ إجمالي الاستثمارات في قطاع الاتصالات خلال عام 2024 ما يقارب 250 مليون ريال عُماني، بنسبة نمو بلغت 5% مقارنة بعام 2023.
وأضح بأن إدخال حلول الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية أسهم في تعزيز خيارات الاتصال، ولا سيما في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية الصعبة أو المناطق التي تتطلب حلولًا بديلة أثناء الظروف الاستثنائية. وفي هذا السياق، صدر المرسوم السلطاني رقم 42/2023 بإصدار ترخيص من الفئة الأولى لشركة ستارلينك مسقط لإنشاء وتشغيل نظام اتصالات فضائية لتقديم خدمات الاتصالات العامة الثابتة، ثم منحت هيئة تنظيم الاتصالات الموافقة لبدء تقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية في سلطنة عُمان في مارس 2025.
وأكد بأن هذه الجهود تتكامل مع تعزيز مسارات الربط الاحتياطية، ورفع جاهزية محطات الاتصالات، وتطوير مراكز البيانات والحوسبة السحابية، وتطبيق خطط استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث، بما يضمن استدامة الخدمات الرقمية والاتصالات في مختلف الظروف».
مرونة رقمية
وفي حديثه عن مفهوم “المرونة الرقمية”، أشار الشعيلي إلى أن المرونة الرقمية تنعكس في خطط التحول الرقمي الوطنية من خلال بناء منظومة رقمية قادرة على الاستمرار، والاستجابة السريعة، والتعافي الفعّال أثناء الأزمات، بحيث لا تكون الخدمات الرقمية مجرد أدوات لتسهيل الإجراءات، بل منصات أساسية لاستدامة الخدمات الحكومية والاقتصادية والاجتماعية في مختلف الظروف.
وأضاف بأن هذه المرونة تقوم على عدد من المرتكزات، من بينها جاهزية البنية الأساسية الرقمية، وتعدد مسارات الاتصال، وتأمين البيانات والخدمات الحيوية، وتعزيز الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، وتفعيل خطط استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث. كما تزداد أهمية هذا المفهوم مع توسع الاعتماد على الخدمات الرقمية، حيث تصبح قدرة الأنظمة على العمل أثناء الأزمات مؤشرًا مهمًا على نضج التحول الرقمي وجودة الحوكمة المؤسسية في إدارة المخاطر».
دروس الأنواء
وفيما يتعلق بالدروس المستفادة من التجارب السابقة مع الأنواء المناخية، قال الشعيلي إن التجارب السابقة مع الأنواء المناخية، ومن بينها إعصار شاهين والحالات المدارية الأخرى، أظهرت عددًا من الدروس المهمة لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات. وفي مقدمة هذه الدروس أن استمرارية خدمات الاتصالات لم تعد مسألة تشغيلية فقط، بل أصبحت متطلبًا وطنيًا يرتبط بقدرة الجهات الحكومية وفرق الطوارئ والمجتمع على التواصل وتبادل المعلومات واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وأردف بأن تلك التجارب أكدت أهمية تنويع مسارات الربط، وتوفير مصادر طاقة احتياطية، ورفع كفاءة فرق الاستجابة الفنية، وتعزيز التنسيق المسبق بين الجهات ذات العلاقة، إلى جانب أهمية وجود خطط واضحة لاستمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث. وقد أسهمت هذه الدروس في تطوير الجاهزية الحالية من خلال تحسين آليات الرصد والاستجابة، وتحديث خطط الطوارئ، ورفع مستوى التنسيق بين الوزارة والهيئة والشركات المرخصة والجهات الوطنية المعنية، بما يعزز قدرة القطاع على التعامل مع الحالات المناخية الاستثنائية بكفاءة أعلى».
استقرار مجتمعي
وأكد الشعيلي أن الوزارة تنظر إلى استمرارية شبكات الاتصالات باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز الأمن والاستقرار المجتمعي، وليست مجرد خدمة تقنية. فاليوم أصبحت الخدمات الحكومية، والأنشطة الاقتصادية، والخدمات الصحية والتعليمية والمالية، وأنظمة التواصل أثناء الطوارئ، جميعها مرتبطة بشكل مباشر بقدرة الشبكات على العمل بكفاءة واستقرار.
وقال: تعمل الوزارة، بالتكامل مع هيئة تنظيم الاتصالات والشركات المرخصة وكافة الجهات ذات العلاقة ضمن المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، على ضمان استمرارية خدمات الاتصالات ورفع موثوقيتها، بما يضمن تدفق المعلومات الحيوية، ودعم عمل القطاعات الأساسية، وتمكين المجتمع من الاستجابة والتفاعل في مختلف الظروف كما تولي الوزارة أولوية لتعزيز جاهزية الشبكات، وتطوير خطط الاستجابة، ورفع كفاءة البنية الرقمية، بما يدعم استدامة الخدمات الحيوية، ويحافظ على انتظام الحياة اليومية، ويعزز قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة الحالات الطارئة بكفاءة ومرونة».
جاهزية استباقية
من جانبه، قال عمر بن عبدالله القتبي نائب الرئيس لقطاع تنظيم الاتصالات في هيئة تنظيم الاتصالات، إن «قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات يمثل أحد المكونات الحيوية في المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، باعتباره ممكّناً أساسياً لاستمرار التواصل بين الجهات المعنية والمجتمع، وداعماً لعمليات الإنذار والاستجابة والتعافي. وقد عززت هيئة تنظيم الاتصالات هذا الدور من خلال إصدار وإعتماد لوائح وخطط تنظيمية تُلزم المرخص لهم بالجاهزية وضمان إستمرارية الأعمال وسرعة إجراءات إعادة الخدمات المتأثرة ، حيث أصدرت الهيئة لائحة تنظيم إدارة الحالات الطارئة للمرخص لهم بالقرار رقم: (107/2022)، كما أصدرت المتطلبات الأساسية لإعداد خطة إدارة الحالات الطارئة للمرخص له بالقرار رقم: (1152/2/8/2023-1) في تاريخ 16 يناير 2023م ، ولاستكمال المنظومة التشريعية فقد أصدرت الهيئة خطة قطاع الاتصالات في إدارة الحالات الطارئة بالقرار رقم: (1152/2/8/2023-58).
وأضاف : تقوم الهيئة بهذه الأدوار بإعتبارها منظم لقطاع الاتصالات وعضو في قطاع الخدمات الاساسية تحت مظلة المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، حيث أن هذا القطاع معني بضمان استدامة الخدمات الأساسية كالطرق والكهرباء والمياه والاتصالات والوقود وغيرها من الخدمات الأساسية ، وتترأس الهيئة القطاع الفرعي للمنظومة المعني بقطاع الاتصالات ، بعضوية شركات الاتصالات والجهات المعنية.
خطط الطوارئ
وأشار القتبي إلى أن جاهزية قطاع الاتصالات تدار من خلال منظومة تنظيمية واستباقية تشمل إلزام المرخص لهم بتنفيذ الخطة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة وخطة قطاع الاتصالات، وتحديث خطط الطوارئ بشكل سنوي ، مع توفير الموارد البشرية والفنية، وتجهيز فرق الطوارئ وتدريبها. كما تلزم اللائحة المرخص لهم بإجراء تمارين عملية سنوية وتمارين طاولة مرتين سنويًا على الأقل ، إضافة إلى تجهيز مراكز عمليات رئيسية واحتياطية في مواقع جغرافية مختلفة.
كما أن إدارة الجاهزية للحالات الطارئة تكون متناغمة مع المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة من خلال قطاع الخدمات الأساسية بالمنظومة.
وتؤكد الهيئة أن هذه الجاهزية لا تقتصر على وجود الخطط، لكنها تشمل مراجعة وتقييم خطط الطوارئ لدى شركات الاتصالات المرخصة بشكل سنوي؛ إضافة الى تنفيذ تدقيق على خطط الطوارئ لدى شركات الاتصالات للتأكد من جاهزيتها لمواجهة الأزمات وضمان استمرارية الخدمات واستعادتها بسرعة وكفاءة».
تحديات فنية
وفيما يتعلق بالتحديات الفنية أثناء الأنواء المناخية، أوضح القتبي أن التحديات الفنية تتمثل في احتمال تأثر الأبراج والمحطات بفعل الرياح والأمطار، وانقطاع الكهرباء عن المواقع، وتضرر مسارات الألياف البصرية بسبب السيول أو الأعمال الميدانية المصاحبة، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع المتأثرة. لذلك تشدد الهيئة على توفير مصادر طاقة احتياطية، ومولدات متنقلة، ومسارات وأنظمة احتياطية، وتوزيع جغرافي للمرافق الحيوية. وقد ورد في تغطية تفعيل خطط الطوارئ أثناء الحالة المدارية (شاهين) أن الإجراءات شملت جاهزية فرق الطوارئ على مدار الساعة، والتأكد من توفر المولدات الكهربائية في المحطات الرئيسية وتوفير مولدات متنقلة للمحطات الإضافية».
تنسيق وتشغيل
وحول آليات التنسيق أثناء الحالات الطارئة، قال القتبي: يتم التنسيق من خلال قطاع الاتصالات الفرعي ضمن قطاع الخدمات الأساسية في المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، حيث تتابع الهيئة مع المشغلين حالة الشبكات، وتوجّه بتفعيل خطط الطوارئ، وتطلب التقارير والمعلومات قبل وأثناء وبعد الحالة الطارئة. كما تلزم اللائحة المرخص لهم بتوقيع اتفاقيات لتبادل الموارد ومشاركة الإمكانيات، وتفعيل خدمات التجوال المحلي فورًا عند طلب الهيئة. كما تشمل آليات الاستجابة حلولًا فورية مثل التجوال المحلي، وإعادة توجيه حركة الاتصالات، وبث التحذيرات عبر الهواتف النقالة لضمان ووصول التنبيهات للمواطنين والمقيمين بسرعة وكفاءة».
مؤشرات الاستمرارية
وأشار القتبي إلى أن «الهيئة تعتمد على مؤشرات عملية تشمل استمرار الخدمات الحرجة، وسرعة استعادة الخدمات المنقطعة، وجاهزية مراكز العمليات، وتوفر الطاقة الاحتياطية، وقدرة مراكز الاتصال على استيعاب مكالمات المشتركين، وفعالية التنسيق بين المشغلين والجهات الوطنية، وتنص اللائحة على أن من أهدافها الحفاظ على استمرارية خدمات الاتصالات الضرورية أثناء الحالة الطارئة، وضمان إعادة الخدمات إلى طبيعتها بأسرع وقت ممكن. كما تلزم المرخص لهم بإعطاء الأولوية للمحطات الرئيسية في المناطق ذات التجمعات السكانية الأعلى عند استعادة الخدمات».
حياة رقمية
وأكد القتبي أن «انقطاع الاتصال اليوم أصبح أكثر تأثيرًا مما كان عليه قبل سنوات، لأن الاتصالات لم تعد خدمة مساندة فقط، بل أصبحت شريانًا أساسيًا للخدمات الحكومية، والتعليم، والصحة، والدفع الإلكتروني، والتنبيهات، وإدارة فرق الاستجابة. لذلك انتقل التعامل مع الانقطاع من كونه خللًا فنيًا محدودًا إلى كونه تحديًا وطنيًا يمس استمرارية الحياة الرقمية والخدمات الحيوية، وقد أكدت الهيئة إلى أن القطاع أصبح عنصرًا محوريًا ضمن المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة في ظل الاعتماد المتزايد على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات، وأنه يستند إلى بنية أساسية متطورة وتشريعات حديثة وخطط متكاملة لاستمرارية الأعمال.
وختم حديثه بالتأكيد على أن تجربة سلطنة عُمان في إدارة قطاع الاتصالات أثناء الأنواء المناخية تعكس انتقالًا واضحًا من الاستجابة التقليدية إلى نموذج أكثر نضجًا يقوم على الجاهزية المسبقة، والحوكمة التنظيمية، والتنسيق الوطني، والاستثمار في البنية الأساسية المرنة. وبذلك يصبح قطاع الاتصالات بالفعل أحد «شرايين الحياة الرقمية» القادرة على دعم الصمود الوطني في عالم موصول.