بريد القراء

رفيق من ورق"1"

 

مكتبة مدرستي الابتدائية القديمة، حيث الصمت والسكون.
ذلك الصمت الذي كان يبدو ككيانٍ مستقلٍ بذاته، كثيفًا، كأنه مادة غير مرئية تملأ المكان وتعيد تشكيله على مهل.


كنت ألج إلى المكتبة بشغف جميلٍ، أشقُّ غياهب الصمت
القابع فيها. هذا الصمت الذي كان لا يشبه الفراغ، بل كان يُشبه الامتلاء الخفيّ، كأنّ المكتبة تحتفظُ بكل ما قيل فيها منذ سنوات طويلة، وتعيدُ بثّهُ في صورة هدوء عميق لا يُفسر
. حتى وأنا أكتب الآن يُداهمني ذلك الشعور من جديد؛ رائحة الورق تمتزج بالغبار الخفيف والهواء الساكن، فتخلق إحساسًا بأن المكان ليس حاضرًا بالكامل، بل يعيش بين طبقات زمنية متداخلة.
نوافذ الغرفة العالية يدخل منها الضوء طويلًا ومائلًا، كأنه يتردد قبل أن يلمس الأرض، ثم يستقر على الطاولات والرفوف في هدوء يشبه التأمل.


هناك، في ركن قصي كنت أختار مكاني، أسند ظهري على الجدار ووجهي مقابل النافذة، حيث يبدأ عالم آخر في الظهور.
الأشجار العالية تقف بثبات هادئ، وأوراقها تتحرك ببطء كأنها تتنفس، العصافير تزقزق بإيقاعها المستمر الذي كان يشعرني بحياة مختلفة؛ كتلك التي تحكي عنها أمي في أماسي الشتاء، أو مُعلمتي في لحظات الصفو، أو جدتي التي كانت دائمًا تبتهل إلى الله أن تكون هي ومن تُحب من ساكنيها، إنها الجنة.
كان هذا الركن هو جنتي، وفي تلك الجنة بدأت علاقتي الأولى مع الحياة ومع الكتاب.


كان الكتاب هو: ' آسيا وجداول الربيع ' لإيفان تورجنيف.
كان الكتاب رقيقًا كالمكان، فدخلت إليه ووجدت داخله عالمين يتفتحان في داخلي ببطء، كأن الصفحات لا تُقرأ، بل تفتح على مشاعر لم أكن أعرفها بعد.
ومنذ اللحظة الأولى التي ولجت فيها إلى المكتبة، وتعرفت على هذا العالم الساحر، شُغفت بالمكتبة والمكان، فدأبتُ على الانتظام في الزيارة، وكان قلبي يضبط إيقاعه
على هذا الموعد وحده.


كنت أصل إلى المكتبة، أقطع الممرّ ذاته، ألتفت نحو الركن، وأجلس في المكان نفسه تمامًا، ثم أفتح الكتاب من حيث توقفت في اليوم السابق، وكأنني لا أستأنف قراءة، بل أستأنف الحياة.
ومع الوقت، أصبحت زيارة المكتبة يشبه موعد صلاة؛ لها طقوسها وشعائرها، ففي طريقي إلى الركن القصي، يتكون شعور خفيف لا يمكن وصفه بسهولة ؛ ليس استعجالًا، بل هو ترقُّب للدخول في هذا العالم الخاص.
وحين كنت اتخذ مكاني يبدأ التحول، الصوت الخارجي يخفت، والزمن يتراجع، ويصير عالمي هادئًا، رقيقًا، هامسًا.


في هذه الأجواء الساحرة، كان شيٌ جميل وبديع يتكون بصمت رفيق من ورق.
لم يكن الكتاب الذي أختلي مجرد نص يُقرأ، بل كان يتحول رويدًا رويدًا إلى حضور مرافق، إلى كيانٍ صغير يجلس إلى جانبي بصمت، كأنه يعرف طريقتي في التردد والإنصات؛ لا يكلمني ومع ذلك يفهمني بطريقته الخاصة، لا يقطع وحدتي، بل يمنحها شكلًا ومضمونًا، ويضفي عليها بعدًا أكثر رقة وجمالًا.


مع تتابع الأيام، صار هذا الرفيق الصامت جزءًا من طقسي اليومي، أذهب إليه، أربت على قلبه، أرفعه عاليًا، أغمض عيني وأقبله، أمرر أصابعي على صفحاته، ثم أبدأ في الدخول إليه، وبعد برهة أجده وكأنه ينتظرني عند النقطة ذاتها، لم أكن بعد أعرف حينها معنى وضع الفواصل في القراءة، ومع ذلك كنت أصل سريعًا وكأن بيننا موعدًا غير مكتوب كل صفحة في الكتاب كانت تعلمني كيف أجوب العالم وكيف أعبره دون أن أضيع.
ومع اقتراب نهاية اليوم، حين تبدأ الشمس بسحب خيوطها الذهبية إيذانًا بالرحيل، كان يتوزعني شعور مركب بين الرغبة في البقاء والخوف من انقضاء اللحظة.


وفي لحظة الإياب كنت أجد العالم الحقيقي يسحب نفسه بهدوء، بينما العالم الذي وجدته في الكتاب يزداد حضورًا في داخلي.
في ذلك الركن، بين نافذة عالية، وصمت كثيف، وكتاب يتحوّل إلى رفيق، بدأت أفهم شيئًا لم أكن أعرفه من قبل: أن بعض العوالم لا نذهب إليها، بل تعيش فينا ونعود إليها دائمًا.
'يتبع '