عمان اليوم

عوض البلوشي.. رحلة استثنائية من التوحّد إلى منصات التتويج القرآنية

أثناء تكريمه من وزير الأوقاف والشؤون الدينية بعد حصوله على المركز الثاني على مستوى السعودية ودول الخليج العربية
 
أثناء تكريمه من وزير الأوقاف والشؤون الدينية بعد حصوله على المركز الثاني على مستوى السعودية ودول الخليج العربية

اختصر عوض بن خالد البلوشي، البالغ من العمر 13 عامًا، رحلته مع القرآن الكريم في أمنية بسيطة وعميقة، تتمثل في أن يأتي اليوم الذي يتلو فيه آيات من كتاب الله في المسجد الحرام، بعد رحلة حفظ بدأت منذ طفولته الأولى بصوت والدته وهي تسمعه الآيات قبل النوم، وصولًا إلى مشاركات قرآنية على مستوى الخليج العربي.
ويُعد عوض أحد النماذج الملهمة للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد الذين وجدوا في القرآن الكريم مساحة للطمأنينة والتركيز وبناء الثقة، إذ ارتبط بالقرآن منذ سنواته الأولى، وكان صوته يمنحه شعورًا بالأمان والسكينة، حتى أصبحت الآيات جزءًا من يومه وذاكرته وقلبه.


وأوضح عوض البلوشي أن التحديات المرتبطة بالتوحد لم تكن عائقًا أمامه في طريق الحفظ، مشيرًا إلى أنه وجد في ارتباطه بالقرآن الكريم قدرة أكبر على التركيز والاستمرار، وأن أكثر ما كان يؤلمه أحيانًا شعوره بأن بعض الأشخاص يشككون في قدرته على النجاح، وهو ما كان يدفعه إلى العودة أكثر إلى القرآن الكريم ليستمد منه الراحة والقوة والدافع لمواصلة الطريق.
دور الأسرة
وكانت والدة عوض شريكته اليومية في هذه الرحلة، حيث كانت تجلس معه لساعات طويلة للحفظ والمراجعة، وتتابع تفاصيل تقدمه بمحبة وصبر، ويصفها بأنها صاحبة الفضل الأكبر بعد الله فيما وصل إليه؛ لأنها لم تتوقف يومًا عن الإيمان بقدراته، حتى في اللحظات التي كان يشعر فيها بالتعب أو الإحباط.
ويتذكر عوض اللحظة التي شعر فيها بأن القرآن غيّر حياته بصورة مختلفة، وذلك عندما أتم حفظ سورة البقرة كاملة، موضحًا أن شيئًا داخله تبدّل في ذلك اليوم، وأصبح أكثر هدوءًا وصبرًا وقدرة على فهم الحياة والتعامل مع تحدياتها.
تنظيم الوقت
ولم تكن رحلة الحفظ منفصلة عن حياته اليومية، فقد حرص عوض على تنظيم وقته بصورة دقيقة، وخصص ساعات ثابتة للحفظ والمراجعة، مستفيدًا من الأوقات الهادئة صباحًا أو بعد الدراسة، الأمر الذي ساعده على الاستمرار دون أن يشعر بضغط كبير. وقاده هذا الالتزام إلى تمثيل سلطنة عُمان في مسابقة جائزة الأمير سلطان بن سلمان آل سعود لحفظ القرآن الكريم للأطفال ذوي الإعاقة بالمملكة العربية السعودية، بعد تأهله في مسابقات حفظ القرآن الكريم في سلطنة عُمان.
وتمكن عوض خلال مشاركته من تحقيق المركز الثاني في الدورة السابعة والعشرين، ثم المركز الرابع في الدورة الثلاثين، ليضيف اسمه إلى قائمة النماذج المضيئة التي أثبتت أن الإعاقة لا تقف أمام الإرادة والطموح متى ما وجدت الدعم والإيمان بالقدرات.
منصة التكريم وثمرة الصبر
وعن لحظة وقوفه على منصة التكريم، قال عوض بن خالد البلوشي: إن تلك اللحظة كانت شعورًا عميقًا بأن كل ما بذله من جهد وتعب كان يستحق الوصول، مستحضرًا والدته وكل من سانده وآمن بقدراته في مسيرته مع حفظ القرآن الكريم. وأوضح أن سورة الفاتحة تبقى الأقرب إلى قلبه؛ كونها أول سورة حفظها، ولما يشعر به عند قراءتها من طمأنينة خاصة وقرب من الله سبحانه وتعالى. ويرى أن القرآن الكريم علّمه معنى الصبر الحقيقي، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بظروفه أو التحديات التي يواجهها، وإنما بقدرته على الاستمرار وصدق نيته في الوصول.
المسابقات القرآنية .. تكتشف الطاقات
ويؤمن عوض بأن المسابقات القرآنية تؤدي دورًا مهمًا في اكتشاف مواهب الأشخاص ذوي الإعاقة ومنحهم الثقة لإبراز قدراتهم أمام المجتمع، مؤكدًا أن كثيرًا من أصحاب الهمم يمتلكون طاقات كبيرة تحتاج إلى من يمنحها الفرصة والدعم.
ورغم الإنجازات التي حققها في عمر مبكر، لا يزال عوض يحمل حلمًا بسيطًا يرافقه في رحلته مع القرآن الكريم، وهو أن يتلو آيات من كتاب الله في المسجد الحرام.
ووجّه عوض البلوشي رسالة إلى كل شاب يعتقد أن ظروفه أقوى من أحلامه، مؤكدًا أن الطريق قد يكون صعبًا أحيانًا، لكنه ليس مستحيلًا، وأن الإنسان يستطيع تجاوز كثير من التحديات بالإيمان بالله والصبر والعمل المستمر.
كما دعا الجهات الحكومية والقطاع الخاص إلى توفير المزيد من المراكز المتخصصة والبيئات التعليمية الداعمة لأصحاب الهمم، بما يسهم في تنمية قدراتهم واكتشاف مواهبهم، مؤكدًا أن كل طفل يحمل طاقة تستحق أن تجد من يؤمن بها ويفتح لها الطريق.