أفكار وآراء

الحـصـار الـبـحـري فـي احـتـمـالـيـن

اكـتـشـف رئـيـس الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة أن أسـلـوب الحـصـار الاقـتـصـادي والـتـجـاري لإيـران أفـعـل مـن الحـرب وأجـدى إيـذاءً، فـقـرر أن يـعـتـمـده أسـلـوبـاً عـدوانـيـاً رئـيـسـاً - ولـو فـي هـذه المـرحـلـة - أمـلاً فـي خـنـق إيـران اقـتـصـاديـاً، وإجـبـارهـا عـلى الـرضـوخ للـشـروط والـمـطـالـب الأمـريـكـيـة التـي قـاومـتـهـا بـشـدة فـي جـولات الحـرب والـتـفـاوض مـعـاً. لـم تـنـتـظـر إدارتـه اسـتـنـفـاد فـتـرة الأيام السـتـيـن التـي يـسـمـح بـهـا قـانـون صـلاحـيـات الحـرب للـرئـيـس؛ لـكـي تـبـدأ هـذا الحـصـار المـضـروب عـلى المـوانـئ الإيـرانـيـة، بـل شـرعـت فـيـه مـنـذ مـنـتـصـف أبـريـل الـمـاضـي مـنـذ انـهـيـار الـمـفـاوضـات الـتي رعـتـهـا بـاكـسـتـان فـي إسـلام آبـاد بـعـد وقـف إطـلاق الـنـار فـي حـرب الأيام الأربـعـيـن الأمـريـكـيـة- الـصـهـيـونـيـة عـلى إيـران.

قـد يـكـون فـرض الحـصـار البـحـري الأمـريـكـي عـلى الـمـوانـئ الإيـرانـيـة خـيـاراً انـتـقـالـيـاً ألـجـأت أمـريـكـا الـظـروف الجـاريـة، والـقـادمـة فـي أمـدٍ مـنـظـورٍ، إلـيـه. وفـي هـذه الحـال لـن تـلـبـث إدارة تـرامـب أن تـعـود إلـى خـيـار الحـرب مـا أن تـرتـفـع هـذه الأوضـاع الطـارئـة التـي كـانـت كـابـحـة لـهـا. وقـد يـكـون فـرضـه عـلى إيـران فـعـلاً يـنـتـمـي إلـى اضـطـرارٍ اسـتـراتـيـجـي يـمـتـنـع مـعـه عـلى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة اسـتـئـنـاف الحـرب فـي فـتـرة لاحـقـة.

وفـي هـذه الحـال مـن امـتـنـاع خـيـار الحـرب يـكـفـي الاعـتـيـاض عـنـهـا بـه أمـلاً فـي أن يـتـكـفـل بـاسـتـنـزافـهـا اقـتـصـاديـاً وحـمـلـهـا بـالـقـوة عـلى الرضـوخ للـمـطـالب الأمـريـكـيـة.

والـحـق أن الاحـتـمـالـيـن مـعـاً واردان، ويـتـبـادلان الـرجـحـان بـحـيـث مـن المعـسـور الـقـطـع بـأرجـحـيـة أحـدهـمـا عـلـى الآخـر؛ خـاصـةً حـيـنـمـا يـتـعـلـق الأمـر بـسـيـاسـةٍ تـدور بـيـن جـدران الـبـيـت الأبـيـض وداخـل رأس رئـيـسـه بـحـيـث لا تـعـلـم اتـجـاهـاتـهـا ولا مـفـاجـآتـهـا الـبـاغـتـة! لـنـلـق نـظـرةً سـريـعـة عـلى الاحـتـمـالـيـن:

فـي نـطـاق فـرضـيـة الخـيـار الانـتـقـالـي يـبـدو أن الحـامـل عـلى اللـجـوء إلـى أسـلـوب الحـصـار الـبـحـري لـمـوانـئ إيـران هـو اضـطـرار إدارة تـرامـب لأخـذ مـهـلـة الـسـتـيـن يـومـاً الـقانـونـيـة فـي الحـسـبـان وعـدم انـتـهـاكـهـا عـلى الـنـحـو الـذي تـسـتـغـل ضـدهـا مـن المـعـارضـة الـديـمـقـراطـيـة فـي الـكـونـجـرس ومـن الـرأي الـعـام الـنـاقـم عـلى سـيـاسـاتـهـا.

هـنـا قـد لا يـعـتـد بـمـا قـيـل فـي مـداولات الـكـونـجرس عـلى لـسـان هـيـغـسـيـت وزيـر الحـرب عـن تـوقـف عـداد الأيام الـسـتـيـن بـإعـلان وقـف إطـلاق الـنـار إذا مـا تـبـيـن للـقـائـلـيـن بـهـذا الـتـأويـل لـقـانـون الـصـلاحـيـات مـقـدار مـا سـتـلـقـاه الإدارة مـن صـعـوبـة فـي فـرضـه عـلى الكـونـغـرس والـرأي الـعـام؛ وبـالـتـالي فـي انـتـزاع فـتـرة «قـانـونـيـة» جـديـدة لـحـربـهـا. الالـتـجـاء إلـى تـشـديـد الحـصـار فـي هـذه الحـال أجـدى مـن البـحـث عـن اسـتـئـنـافٍ شـبـه مـمـتـنـع للحـرب.

هـذه واحـدة. الـثـانـيـة أن مـن الـقـيـود الـمـضـروبـة عـلى إرادة الحـرب لـدى إدارة تـرامـب انـتـخـابـات الـتـجـديـد الـنـصـفـي الـقـادمـة للـكـونـغـرس؛ حـيـث لا تـبـشـر اسـتـطـلاعـات الـرأي بـمـؤشـراتٍ مـريـحـة لـ «الحـزب الجـمـهـوري» ولاحـتـفـاظـه بـالـغـالـبـيـة فـي الـمـجـلـسـيـن. إن اسـتـئـنـاف الحـرب - رغـمـاً عـن أنـف الـقـانـون والـدسـتـور - مـسـلـكٌ مـحـفـوفٌ بـالـخـطـر، خـاصـةً وأنـهـا الحـرب الـتي نـالـت مـن صـورة إدارة تـرامـب ومـن مـكـانـة الجـمـهـوريـيـن فـي الـنـظـام السـيـاسـي، وأتـت عـلى أوضـاع الأمـريـكـيـيـن الـمـعـيـشـيـة بـالـضـرر والـسـوء نـتـيـجـة ارتـفـاع أسـعـار المـحـروقـات ومـا يـسـتـجـره مـن ارتـفـاع أسـعـار مـواد الاسـتـهـلاك.

عـلى أنـه إذا احـتـيـج إلـى الحـصـار بـديـلاً انـتـقـالـيـاً إلـى حـيـن تـجـاوز الـكـوابـح الحـالـيـة المـومـأ إلـيـهـا فـوق فـإن مـن شـأن الـنـجـاح فـي تـذلـيـلهـا وخـاصـةً فـي كـسـب الـغـالـبـيـة مـجـدداً فـي مـجـلـسـي الكـونـغـرس فـي انـتـخـابـات الـتـجـديـد الـنـصـفـي الـقـادمـة أن يـعـيـد ضـخ الحـيـاة مـرةً ثـانـيـة فـي خـيـار الحـرب وفـي قـرار استـئـنـافـهـا، وخـصـوصـاً بـالـنـظـر إلـى أن أهـداف إدارة تـرامب مـنـهـا مـا زالـت مـعـلـقـة لـم يـتـحـقـق مـنـهـا شـيء.

عـلى أن المـرء يـسـتـطـيـع أن يـعـثـر فـي فـرضـيـة الاضـطـرار الاسـتـراتـيـجـي عـلى مـا يـقـوم عـلـيـهـا مـن أدلـة الـواقـع أيـضـاً.

أولـهـا وآكـدهـا مـا مـنـيـت بـه الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة مـن خـسـائـر جـسـيـمـة مـن وراء حـرب تـرامب عـلى إيـران ومـن وراء حـسـابـاتـه الـخـاطـئـة، وأوهـام مـن يـسـتـشـيـرهـم مـن الـمـحـافـظـيـن الـمـتـطـرفـيـن.

لـم تـهـزم إيـران فـي أربـعـة أيـام أو سـتـة، ولـم تـسـتـسـلـم وتـرضـخ لإرادة أمـريـكـا كـمـا وعـد تـرامـب جـمـهـوره، بـل هـي لـم تـهـزم أو تـسـتـسـلـم بـعـد أربـعـيـن يـومـاً عـلـيـهـا مـا كـان أحـدٌ فـي أمـريـكـا يـتـوقـعـهـا زمـنـاً للـحـرب. فـي المـقـابـل خـسـرت الـقـوة الأمـريـكـيـة الـكـثـيـر مـمـا لـم تـخـسـره مـن قـبـل.

صـحـيـح أن الـدمـار أصـاب قـسـمـاً مـن قـدرات إيـران الـعـسـكـريـة والاقـتـصـاديـة مـن الحـرب، لـكـن أمـريـكـا فـقـدت أجـزاءً مـن قـواعـدهـا وطـائـراتـهـا وراداراتـهـا ونـظـم اتـصـالاتـهـا فـي الـمـنـطـقـة، وبـعـضـاً مـن جـنـودهـا فـضـلاً عـمـا لـحـق الكـيـان الصـهـيـونـي مـن جـسـيـم الخـسـارات الـمـاديـة والبـشـريـة.

مـن أدلـة ذلـك الاضـطـرار أيـضـاً الـعـواقـب الـكـارثـيـة للـحـرب السـابـقـة، وأي أخـرى لاحـقـة عـلى بـلـدٍ مـثـل إيـران عـلى الاقـتـصـاد الـعـالـمـي، وضـمـنـه الاقـتـصـاد الأمـريـكـي، وعـلى الـتـجـارة الـدولـيـة.

ولـقـد عـانـى الـعـالـم تـلك الـعـواقـب أشـد الـمـعـانـاة حـتـى إن أقـرب حـلـفـاء أمـريـكـا إلـيـهـا (فـي كـنـدا، دول الاتـحـاد الأوروبـي، اليـابـان، كـوريـا الجـنـوبـيـة، أسـتـرالـيـا...) بـاتـوا يـنـددون بـالحـرب وسـيـاسـات تـرامب.

وإذا مـا أضـفـنـا إلـى هـذا وقـوف حـلـفـاء إيـران - مـثـل الـصـيـن وروسـيـا - إلـى جـانـبـهـا ورفـضـهـم اسـتـئـنـاف الحـرب عـلـيـهـا اجـتـمـعـت الأسـبـاب للاعـتـقـاد بـصـعـوبـة عـودة إدارة دونـالـد تـرامـب إلـى اسـتـئـنـافـهـا بـمـقـايـيـس الـعـقـلانـيـة وحـسـابـاتـهـا، الأمـر الـذي قـد يـرجـح احـتـمـال الاكـتـفـاء بـسـلاح الحـصـار البـحـري للـمـوانـئ الإيـرانـيـة عـلـمـاً أنـه هـو نـفـسـه مـرفـوض دولـيـاً؛ لأنـه يـلـحـق أبـلـغ الأضـرار بـالاقـتـصـاد الـعـالـمـي، ويـحـدث البـلـبـلـة فـي سـلاسـل الإمــداد.

نـحـن إذن أمـام مـا يـسـمـيـه الـفـقـهـاء بـ«تـكـافـؤ الأدلـة»؛ حـيـث لـكـل احـتـمـالٍ مـن الاحـتـمـالـيـن مـا تـقـوم عـلى إمـكـان رجـحـانـه أدلـة. عـلى أن الـذي لا مـريـة فـيـه أن الـتـوقـع لا يـكـون مـمـكـنـاً إلا مـتـى سـلـكـت السـيـاسـة سـبـيـل الـعـقـلانـيـة والحـسـاب الـدقـيـق للـمـخـاطـر.

أمـا حـيـن تـركـب المـزاجـيـة والـهـوى فـتــجـنح نـحـو الـتـهـور والـمـغـامـرة - كـمـا هـي حـالـهـا الـيـوم فـي واشـنـطـن - فـلا شـيء يـصـيـر فـي دائـرة اليـقـيـن ولا حـتـى الـتـوقـع!