«الدختر طومس».. شهادات تروي سيرة طبيب القلوب
كتبت - خلود الفزاري
الأربعاء / 2 / ذو الحجة / 1447 هـ - 22:05 - الأربعاء 20 مايو 2026 22:05
وثق ذاكرة عمان الإنسانية -
في أمسية ثقافية وإعلامية احتضنها مسرح وزارة الإعلام، دشّنت الوزارة مساء اليوم فيلم «الدختر طومس»، وسط حضور لافت من الإعلاميين والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والتوثيقي. ويأتي الفيلم في إطار تسليط الضوء على شخصية الطبيب المعروف بـ«الدختر طومس»، عبر توثيق رحلته في مواجهة الأوبئة التي كانت منتشرة في تلك الحقبة، وإسهاماته في تقديم الرعاية الصحية للمجتمع العُماني، وتدريب الكوادر الطبية، بما عزز من حضوره الإنساني والطبي، وانتهى إلى نيله ثقة وقلوب العُمانيين. ويأخذنا الفيلم إلى بدايات القرن العشرين، حين وصل الطفل ويلز طومس مع والده الطبيب شارون طومس وعائلته إلى ولاية مطرح، واستقروا في بيت البرندة الذي اتخذه طومس الأب مقرا له، وخصّص فيه غرفة لعلاج المرضى، وأخرى لتكون صيدلية، ليترسخ في وجدان الطفل منذ نعومة أظافره مشهد معاناة المرضى وأهمية رعايتهم.
ويبدأ الفيلم بمشهد تمثيلي للطفل ويلز طومس برفقة والده أمام بوابة مطرح؛ حيث يرى عددا من المنبوذين يتوشحون أغطية، وأمامهم أطباق فارغة يلتمسون العطف من السائرين.
ويتوجه الطفل إلى والده مستفسرا عن سبب معاناة هؤلاء الناس، فيخبره والده بأنهم يعانون من الجذام، وبفطرته الطفولية يسأل إن كان ثمة علاج لهم، إلا أن والده يجيبه بأن هذا المرض لا علاج له، لكنه قد يكون قابلا للعلاج في المستقبل، ويُتبِع ذلك بعبارة علقت في ذهن الطفل ذي الثمانية أعوام: «وربما يكون لك دور في ذلك».
ويروي الفيلم سيرة الطبيب ويلز طومس وعلاقته بعُمان؛ حيث وصل برفقة والده ضمن البعثة الإرسالية العربية الأمريكية. وقبل مجيء العائلة إلى عُمان، كانت تقيم في مملكة البحرين، وتوفيت والدته هناك بعد إصابتها بعدوى التيفوئيد.
وبعد انتقالهم إلى سلطنة عُمان عام 1909، كان للطبيب شارون طومس دور بارز في علاج المرضى، وأثناء محاولته توصيل خط الهاتف بين مركز العلاج في مطرح ومسقط، سقط والده أثناء تركيب الخط وتوفي على إثر الحادث. وعادت العائلة إلى أمريكا برفقة زوجة الأب، وعانوا هناك من العوز والأحوال الصعبة. لكن إرادة الطفل ويلز طومس لم تتوقف، وبقي مشهد الناس المجذومين يطارده، ليكمل دراسته في جامعة ميتشجن ويتخرج في قسم جراحة العيون.
تلقى بعدها عرضا للعمل جراحا، لكنه فضّل أن يتبع خطى والده، فالتحق بالإرسالية، وذهب للعمل في البحرين، ثم وصل إلى سلطنة عُمان عام 1939م.
وفي عُمان، عمل «الدختر طومس» في المستشفى مع زوجته بيث، التي تعرف عليها في الجامعة، وكانت تعمل في الإدارة مسؤولة عن التمريض ودفع الرواتب وتموين المستشفى.
وهنا بدأت علاقة الطبيب بمرضاه الذين كان يناديهم بـ«أمي وأبي وأختي وأخي وولدي وابنتي»، بحسب شهادة ابنته لويس.
ويستند الفيلم إلى شهادات العائلة والمؤرخين وعامة الناس، فضلا عن الممرض الذي كان شاهدا على عمله في المستشفى. ويتناول الفيلم واقع عُمان في ذلك الزمان؛ حيث كانت تعاني من قلة الرعاية الصحية وانعدام المستشفيات، فلم يكن هناك سوى مستشفى واحد للوكالة البريطانية، وكان يعالج أبناء الإمبراطورية البريطانية فقط. فجاءت الإرسالية لهدف ديني في البداية، إلا أن الواقع حوّل مسارها إلى الجانب الخدمي بعد أن وجدوا تمسك العُمانيين بثوابتهم ومعرفتهم الدينية بالنبي عيسى -عليه السلام- فكان الاتجاه لخدمة المجتمع وعلاج المرضى.
شهادة العائلة
قدّم الفيلم مجموعة من الصور التي التقطتها العائلة للطبيب ويلز طومس، وكانت ابنته تروي التفاصيل مع كل صورة، كما أن زوجها الدكتور ديكسون، الذي كتب سيرة الدختر طومس، يشاركها سرد التفاصيل.
فحين وصل طومس إلى سلطنة عُمان باشر العمل في المستشفى الذي كان العلاج فيه متوقفا بسبب نقص الكادر، وقام بتدريب العديد من الشباب. ويذكر الزوجان أن مرض التراخوما كان متفشيا، ويسبب انقلابا في جفن العين، وكان الذباب يُرى على عيون ووجوه الأطفال، ولم يكن في المستشفى سوى خمسين سريرا آنذاك.
وقد قام طومس، وكان الجراح الوحيد في عُمان، بإجراء عمليات جراحية لأعداد تصل إلى تسعة مرضى في الوقت نفسه، وبعد الجراحة كان يقوم بتضميد العين، ليتعافى المرضى بعد أن كان المرض يؤدي إلى العمى في كثير من الحالات. ولم يقتصر عمل طومس على علاج العيون، وإنما كان يعالج مختلف الأمراض، ويسهم في الرعاية الطبية داخل المستشفى بعد أن أعاد إحياءه.
ووصف نورمان، ابن الدختر طومس، حال عائلته التي كانت بصحبته في عُمان والأجواء التي عاشوها؛ حيث كان يختلط بالناس في جلساتهم المسائية، ويتناول التمر والقهوة، وكان يحب النسيج العُماني المتجانس وعاداتهم، كما تعلم اللغة العربية وأتقنها بطلاقة. ووصف الحياة بأنها كانت عائلية ودافئة، وكانوا يزورون البيوت العُمانية، ويلعبون مع أبناء العاملين في المستشفى.
ويروي زوج ابنته ثقة السلطان سعيد بن تيمور بالطبيب طومس؛ حيث صحبه في رحلة إلى محافظة ظفار لمدة شهر، وهناك تعرضوا لهجوم البعوض. ويذكر أن الدختر طومس ذهب ليعاين أشجار جوز الهند، ووجد خمسة آبار، وألقى نظرة على البئر الأول ووجد أن البعوض يخرج منه، ولاحظ أن البئر الخامس لا يخرج منه البعوض بسبب وجود الأسماك الصغيرة، فنصح بتوزيع الأسماك على بقية الآبار، مما حدّ من أعداد البعوض، كما قام بعلاج العديد من المرضى أثناء رحلته تلك. ثم حكت ابنته رحلتها مع والدها إلى نزوى، حين ذهب لعلاج الإمام محمد بن عبدالله الخليلي حين أصابه النزول الأبيض؛ حيث أُقيمت له غرفة في قلعة نزوى تم تعقيمها، وتم تحويل أحد الأبواب إلى طاولة وتم تركيب القوائم، وتتذكر أنها كانت تحمل المصباح لمساعدة والدها أثناء إجرائه للعملية، وبعدها عاد إلى مطرح.
ومع كل هذه الأحداث لم ينسَ الطبيب مشهد المجذومين في طفولته، وفي إحدى المرات جلس مع تاجر هندي يخبره عن قطعة أرض محاذية للمستشفى وعن رغبته في استغلالها لعلاج الأمراض المعدية كالسل والجذام وغيرها، فقال له التاجر: إنه مستعد لتمويل ثلاثة أجنحة: أحدها جناح السل، والثاني للجذام، والثالث للأمراض المعدية، وطلب منه التماس الأرض من السلطان وإبلاغه بوجود التمويل. ووافق السلطان سعيد بن تيمور على منح الأرض لعلاج الأوبئة، وتحقق حلم الطفل ويلز بعلاج هؤلاء المصابين. ونجح المستشفى في توظيف ثمانين موظفا، وكان الناس يصطفون بأعداد كبيرة بعد أن رأوا نجاحه في علاج الأمراض، وأطلقوا على المستشفى شعبيا اسم «مستشفى طومس» تكريما له.
قراءات الأكاديميين
ويحكي الباحثون معاناة عُمان مطلع القرن العشرين من الأمراض والأوبئة مع عبور السفن إلى موانئها، مما أدى إلى انتقال أمراض الجدري والكوليرا والطاعون والتيفوئيد والجذام والملاريا والزحار، فضلا عن أمراض أخرى. ومع الأوضاع الصحية الصعبة، وقلة الموارد، وضعف البنية الطبية، كانت مواجهة الأمراض تلحق الضرر بالناس، فكانوا يلجأون إلى الطب الشعبي والعلاج بالكي لمواجهة خطر هذه الأمراض. وشرح الباحثون قدوم البعثة الإرسالية ووجود الطبيب طومس الأب برفقة عائلته، ثم عودة الابن لمواصلة مسيرة والده، وقد أكد التوثيق رواية الأبناء بشهادة التاريخ والواقع المروي في عُمان.
وبذل الدختر طومس، بحسب روايات المؤرخين، جهودا كبيرة في تدريب الكوادر العُمانية وتأهيلهم على التمريض والعمل الصحي، كما حصل العديد من الشباب العُمانيين على دورات تدريبية في التعامل مع المرضى وعلاجهم.
وبعدها أصبح المستشفى مقرونا بهذا الطبيب، وأصبح يُعرف بين الناس باسم «مستشفى طومس». وأكد المؤرخون أن المستشفى لم يقتصر عمله على علاج الناس المحليين، وإنما امتدت خدماته لعلاج المرضى من دول الخليج، وكان المرضى يتوافدون عليه من إيران وباكستان. ولم يميز المستشفى بين فقير أو غني، وكان متاحا لكل فئات المجتمع.
أما الطبيب ويلز طومس فهو شخص ودود قريب من الناس، وكان يزور الأسواق ليتفقد وضع الناس وأحوالهم الصحية. ويقول خلفان بن عزيز الأخزمي، الممرض الذي عمل مع الدختر طومس، إنه لم يرفع صوته يوما مهما كان الضغط عليه، وإن تجاوز أحد حدوده من أهل المرضى -وهذا قد يحصل- كان يكتفي بقول: «أخوي» دون أي كلمة إضافية، وقد عُرف بأخلاقه العالية وحسن تعامله مع المرضى.
وزار الطبيب طومس الداخل العُماني في رحلات علاجية إلى نزوى والرستاق وصور والبريمي وغيرها، كما أن علاقته بالسلطان سعيد بن تيمور منذ الطفولة وسّعت نطاق الخدمة. وتم التطرق إلى المبادرات التي أشرف عليها لدعم التبرعات وتوسعة المستشفى وتوفير الأدوية والأدوات الطبية والأسرة والأغطية، فضلا عن المطابخ والبئر المزود بالمضخة الهوائية. ومع تبرع أشخاص من أمريكا بالمولد الكهربائي وجهاز الأشعة، حيث لم تكن أي تقنية للعلاج متوفرة حينها، حضر السلطان سعيد بن تيمور لتدشين الآلة، وللذكرى تم التقاط صورة مصافحة السلطان للدختر طومس بالأشعة السينية لتخليد الذكرى التاريخية، وتشير الإحصاءات إلى أن المستشفى كان يعالج أكثر من تسعين ألف مريض سنويا. وجاءت النهضة المباركة بقيادة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- لتنهي فصلا من صعوبة العلاج، بتوفير المستشفيات في جميع ربوع عُمان. وتشير ابنته لويس إلى أن والدها تقاعد مع بزوغ النهضة المباركة من الخدمة المتواصلة، ولم يكن بصحة جيدة في سنواته الأخيرة، وبعد عودته إلى الولايات المتحدة تم تشخيصه بالسرطان وتوفي بعد سنة ونصف من وصوله، ولحبه وتعلقه بعُمان طلب قبل وفاته أن يُدفن جزء من رفاته فيها.
أدوات التوثيق
تم تصوير الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية وفي سلطنة عُمان، معتمدا على منهج توثيقي تنوّعت فيه المصادر بين الشهادات الحيّة، والمواد الأرشيفية، والصور واللقطات المرئية، إضافة إلى التسجيلات الصوتية والدراسات الأكاديمية. واعتمد البناء السردي في الفيلم على شهادات العائلة، ثم انتقل إلى آراء الأكاديميين والباحثين الذين قدّموا قراءة تحليلية وسياقية للفترة التاريخية، وتوجّه أخيرا إلى آراء الجمهور من الشارع، مع إدراج شهادة لأشخاص عايشوا تلك المرحلة، ومنهم الممرض خلفان بن عزيز الأخزمي الذي عاصر الطبيب. واستند الفيلم إلى مصادر مكتوبة موثقة في مجلة الإرسالية العربية (العدد: السبعون، 1909)، التي تضمنت يوميات الدكتور شارون طومس، حيث وثّقت افتتاح المستوصف والصيدلية في مطرح في بيته، وحجم العمل الطبي اليومي، ووصفت علاقته بالمجتمع المحلي واعتباره لمطرح دارا له، وتقييمه الإيجابي للبيئة الطبية من حيث ثقة المرضى واستجابتهم للعلاج.
كما تتبّع الفيلم الأماكن التي ارتبطت بحياة الدختر طومس، مثل بيت والده وبيته والمستشفى الذي عمل فيه والجامعة التي درس فيها، مع عرض صور ومقاطع حديثة وأرشيفية لتلك المواقع. وشمل التوثيق أماكن أخرى وردت في سير الأحداث، مثل سوق مطرح وقلعة نزوى ورحلة محافظة ظفار، مع عرض صور ولقطات توثّق تلك الأماكن في الماضي أو الحاضر.
واستخدم الفيلم مواد أرشيفية بصرية وصوتية توثّق الحياة في تلك المرحلة، وصورا لعائلة الطبيب وطفولته، وصورة تجمعه بالسلطان سعيد بن تيمور، وأخرى يظهر فيها أبناؤه مع السلطان قابوس بن سعيد، إضافة إلى مقطع أرشيفي يظهر فيه الطبيب نفسه بصوته وهو يروي تفاصيل قدومه إلى عُمان عام 1939 برفقة زوجته وأبنائه الأربعة، ووصفه لطبيعة البلاد الجغرافية وتجربته الأولى عند الوصول، بالإضافة إلى تسجيلات صوتية يصف فيها العادات الاجتماعية المرتبطة بالضيافة والقهوة، ويذكر فيها تجربته مع الطقوس اليومية، وشهادته حول الواقع الصحي في عُمان؛ حيث تحدث عن انتشار الملاريا والزحار والسل والجذام وحجم التحديات الطبية التي واجهها، إلى جانب إشارته إلى الجهود المبذولة في علاج الجذام على مدى سنوات طويلة، وعدد الحالات التي تم التعامل معها وتحسّن بعضها بعد العلاج، وتضمن الفيلم أيضا مقطعا مرئيا يظهر فيه الدختر طومس وهو يسير إلى جانب السلطان قابوس بن سعيد في شبابه.
اعتمد الفيلم على الدمج بين الصورة الأرشيفية والمواد المعاصرة، إضافة إلى استخدام مقاطع تمثيلية قصيرة جدا دعما للسرد، وظل الطابع التوثيقي هو الغالب على البناء العام للعمل.
طاقم العمل
شارك في العمل ديفيد ديكسون، بروفيسور في جامعة غرب ميتشجن، وزوج ابنة الدكتور طومس ومؤلف سيرته، ولويس طومس ديكسون، ابنة الدكتور طومس، ونورمان طومس، ابن الدكتور طومس، وخلفان بن عزيز الأخزمي، ممرض سابق في مستشفى الرحمة، إلى جانب كل من الباحثين: الدكتور سليمان الحسيني، مدير مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية بجامعة نزوى، والدكتور سليم الهنائي، أستاذ مساعد بجامعة نزوى ومدير تحرير مجلة الخليل للعلوم، والدكتور علي بن محمد سلطان، باحث في تاريخ مطرح، والدكتورة أمل الخنصوري، باحثة في التاريخ العُماني، وجاستن مايرز، المدير التنفيذي لمركز الأمانة، ومحمد الشعيلي، المدير العام المساعد لمركز الأمانة.
والفيلم من إنتاج وزارة الإعلام وإخراج أحمد شلبي.