أمريكا تنهض في وجه ترامب
ترجمة: أحمد شافعي
الأربعاء / 2 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:08 - الأربعاء 20 مايو 2026 21:08
في الوقت الذي لعب فيه ترامب دور الإمبراطور الزائر في الصين لم تكن الأمور جميعها على ما يرام داخل الإمبراطورية نفسها.
ولئن كان التدهور هو الذي صنع ترامب فإن التدهور هو الذي سوف يقضي عليه!
ومثلما قضت الليبرالية الأمريكية على نفسها عبر اختلالات النيوليبرالية، فلم تفُق إلا على فوضى الترامبية، يتحتم ـ وفقا لقوانين الفيزياء ـ أن يتحول مطبخ مرتب إلى الفوضى، وتتداعى الترامبية إلى فوضاها الجوهرية.
فقبل أسابيع قليلة كان يبدو أن حركة ماجا تحظى بقوة هائلة، فبدا أن قول ترامب خلال حملته الرئاسية -بأن بوسعه أن يطلق الرصاص على شخص في الشارع فلا يفقد أصوات ناخبيه- هو قول مذهل الدقة.
فسلوك «الرئيس» المشين على المستوى الشخصي، وأفعاله الإجرامية، وتعيينه المهرجين معدومي الكفاءة في أعلى المناصب، وإبستين، وإبستين، وإبستين، كل ذلك لم ينفر أنصار ترامب أكثر مما ينفرهم البديل الليبرالي، وهذا ما يبدو أنه يتغير الآن.
مصداقًا للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يتدهور النظام المغلق ـ أي المطبخ الذي يظل على قذارته ـ إلى أن يصل إلى الفوضى. والفرصة الوحيدة لإبطاء هذا التدهور، أو عكس مساره على نحو بسيط، هو فتح النظام بضخ طاقة جديدة فيه.
وترامب وفريقه يفعلون كل ما في وسعهم لإبقاء النظام السياسي على انغلاقه؛ إذ يوصدون الباب أمام أي طاقة جديدة، فيسعون في الوقت الراهن سعيا حثيثا إلى إعادة ترتيب الدوائر الانتخابية بما يصب في صالحهم، وقد عاقب ترامب أخيرا أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عن ولاية إنديانا لرفضهم ألاعيبه هذه هناك، فدَعم منافسيهم في الانتخابات المحلية الأخيرة.
وأضافت أحكام قضائية حديثة تتعلق بإعادة توزيع الدوائر العديد من المقاعد الجمهورية المحتملة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وفي أواخر أبريل قلبت المحكمة العليا قانون حقوق التصويت التاريخي لعام 1965 رأسا على عقب، وهو القانون الذي خول لشعب أمريكا الأسود حق الانتخاب. وكان البند الثاني من القانون يرمي إلى ضمان عدم تقسيم الدوائر ذات الأغلبية السكانية السوداء لتتحول إلى دوائر ذات أغلبية بيضاء. فإن حدث فإنه يكون بموجب القانون تلاعبا عنصريا.
غير أن المحكمة العليا حكمت في أبريل ـ في قضية لويزيانا ضد كالايس ـ بأن محاولات ضمان عدم تقسيم الدوائر ذات الأغلبية السوداء تمثل في ذاتها تلاعبا عنصريا، ففتحت بهذا الباب إلى مسارعة جنونية في الولايات المحافظة من أجل إعادة تقسيم الدوائر بما يصب في صالح الجمهوريين.
لكن برغم أن الديمقراطيين التعساء لم يسخِّروا أي طاقة جديدة ذات شأن لمواجهة هذا الهجوم المدمر، فإنه ما من سبيل إلى إيقاف طاقة الحياة اليومية والمجتمع.
وكما أن دوامات المحيط الضئيلة تحتوي على حياة بحرية مجهرية ذات أثر هائل في إثراء الكوكب كله، فإن فوضى ترامب تحول تيارات الحياة الأمريكية العادية إلى مد بطيء من الرفض له.
فما من فرصة كبيرة للتلاعب في مواجهة المشاعر العادية التي تحرك الناخبين في نهاية المطاف.
يمكن أن نسميها (تأثير الضفدع العادي)؛ فبعيدا عن المناخ السياسي العام -مهما تكن عتمته وحيرته- يريد الناس السعادة، أو الأمل على أقل تقدير في أنهم قد ينالون السعادة، وهم في الحقيقة يزدادون تعاسة ويأسا.
لقد انخفضت معدلات تأييد ترامب إلى 34% في بعض استطلاعات الرأي المحترمة بما يجعله أحد أقل الرؤساء القائمين حظوة بالتأييد في العصر الحديث. وهذا في جانب منه نتيجة لانفصال ترامب السافر عن البلد الذي زعم أنه يريد أن يرجعه إلى عظمته من جديد. فمغامراته الخارجية التي بلغت ذروتها في كارثة إيران الجارية تبدو للأمريكي العادي تعبيرات عن النرجسية لا عن مصلحة وطنية.
وغير خافٍ على أحد أنه في حين يبعث ترامب المختل القوات الأمريكية لتجوب العالم، فإنه أيضا مهووس بقاعة الرقصة الجديدة التي أقامها، وبالصروح الجديدة المعبرة عن عظمته من قبيل قوس النصر الهائل في واشنطن، وبمحاولاته لإطلاق اسمه على محطات القطارات والمطارات والمعالم الوطنية. فتأييد ترامب ـ حسبما قال لي محرر صفحة الرأي في وول ستريت جورنال ذات مرة ـ «لأنه بغيض لدى الليبراليين» ممكن. لكن من غير الممكن أن يستمر الولاء لهذا العداء عندما يتبين أنه ناجم عن نرجسية مريضة، لا عن محض استعراض يسبق العمل الجدي من أجل إشراق عصر ذهبي جديد. وفي أمريكا التي يعلو فيها مقام النرجسية فتكون نعمة أو نقمة لا يمكن أن يدوم الإعجاب طويلا بالنرجسيين إذا حادوا عن المسار.
وقد تكون الوعود السياسية المدوية قادرة على التأثير العظيم عند قطعها خلال مسيرة انتخابية أو إطلاقها في تغريدة على الجماهير، لكنها تفقد قوتها عندما يؤوب الناس إلى حياتهم اليومية العادية.
ومن السهل على اليمين أن يحفز الناس بمزاعم حول ممارسة المهاجرين غير الشرعيين للاغتصاب والقتل، كما يسهل على اليسار تحقيق الأثر نفسه بقولهم إن البيض جميعا عنصريون بالفطرة. ولكن الحياة تشمئز من الاثنين فور أن تتبدد غيوم الدعاية المجردة.
لقد بدأت تجاوزات ترامب الشنيعة ـ التي كانت يوما ما تثير استياءات تختمر على مهل ـ تخيم بكآبة على المتع الضفدعية البسيطة في الحياة العادية.
ومن ذلك الالتحاق بكلية مرغوبة؛ فربما كانت سياسة (التنوع والإنصاف والشمول) التي اتبعتها الكليات والجامعات قبل حملة ترامب الصارمة عليها سياسة غير عادلة فعلا.
ولكن فور مجيء الربيع، ومعرفة الآباء بما إذا كان أبناؤهم من المقبولين في الكليات التي تقدموا إليها، لا يتكلم أحد عن هذه السياسات، وإنما تتحدث الأسر عن العملية المدمرة للأعصاب للالتحاق بالكليات التي طالما راودت أحلامهم، ومقارنة مع هذا تصبح القضايا المتعلقة بمن يستعمل الحمام أو يلعب الرياضة أو بطريقة تدريس التاريخ أو بـ«تسييس» الأدب والفن من عدمه في مثل أهمية وجود موقف سيارات كافٍ في هذه الكلية أو تلك.
وكما أن غباء ترامب في إيران قد زج بالعالم كله في أزمة؛ فإن إدارته تعد مبادرة قانونية معقدة حول ما إذا كان سماح كلية سميث للإناث بضم ذكور بيولوجيين باعتبارهم إناثا ينطوي على خرق لقوانين مكافحة التمييز.
وبالطبع لا تبالي حركة ماجا بهجوم ترامب على كلية سميث النخبوية، لكنها بدأت تتساءل: ماذا يقصد أعضاؤها من الحرب على المتحولين جنسيا، وهم لا يزالون عاجزين عن دفع أجر طبيب الأسنان؟
ببطء وثبات يزعزع ترامب دوامات استقرار الحياة اليومية الصغيرة؛ ففي فبراير 1961 شرع جون كينيدي في حملته الوطنية للياقة البدنية معلنا أن «الأرواح الشديدة والعقول الصلبة في الأجسام السليمة».
كانت فكرة جيدة لدفع الأمريكيين إلى مغادرة الأرائك في الوقت الذي بدأت فيه سيطرة التيليفزيون.
لكن قد لا تكون مصادفة أن ذلك تزامن مع بدء كينيدي تورطه في فيتنام بعد ثلاثة أشهر فقط.
في الصيف الماضي أطلق بيت هيجسيث وروبرت كينيدي الابن مقاطع فيديو مثيرة لنفسيهما وهما يؤديان تمارين الضغط والسحب. وأخذ هيجسيث يحدث الجيش عن أهمية تأسيس ثقافة المحارب، وذلك شبيه بأن يعظ البابا قاعة مليئة بالقساوسة بأهمية الذهاب إلى الكنيسة.
فقد لا تكون مصادفة أيضا أن إدارة ترامب في ديسمبر الماضي جعلت التسجيل في التجنيد ـ الذي كان تطوعيا ـ مسألة آلية للرجال من خلال أرقام الأمن الاجتماعي أو رخص القيادة فور بلوغهم الثامنة عشرة.
وكانت إعادة التجنيد توجب موافقة الكونجرس، وحتى هذه الخطوة البسيطة والمهمة في هذا الاتجاه تلقي بظلال كئيبة على الحياة العادية.
ولأن أغلب المجندين في الماضي كانوا يأتون من معاقل حركة ماجا؛ فحتى أشد مناصري ترامب ولاء قد ينزلون لافتات تأييد الحركة المعلقة في أفنية بيوتهم. بل إن الكثيرين فعلوا ذلك في بلدات غير بعيدة للغاية عن بلدتي بعد بدء حرب إيران.
تضاف إلى تلك التشوهات البسيطة في الحياة العادية حقيقة أن ترامب لا ينفر فقط الجنرالات، بل يغضبهم بإرسال القوات الأمريكية إلى الأذى بلا غرض مجد، وباستنزاف الذخائر الثمينة، وبمنحه ميزة استراتيجية لأعداء أمريكا، وبتنفيره حلفائها. وفي فيلم الحرب الباردة الإثاري «سبعة أيام في مايو» يدبر جنرال أمريكي غاضب انقلابا يمينيا للإطاحة برئيس أمريكي ليبرالي يعده خطير الضعف، أما التدهور فلا أيديولوجية له.