لم يعد أحد يذكره.. لماذا؟
زياد خداش
الأربعاء / 2 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:20 - الأربعاء 20 مايو 2026 20:20
ما الذي يجعل من عظيم من عظماء الأمة يختفي ذكره فجأة بعد أن يكون سنوات طويلة قد طبقت شهرة خطبه وكتبه ومقالاته ومعاركه الثقافية الآفاق وكان حديث الناس مثقفيهم وعاميتهم؟ خرّج أجيالا من الطلبة وكتب وحقق العشرات من المخطوطات واستقبل العشرات من أدباء العالم العربي في قصره الكبير بحي الشيخ جراح بالقدس، كالعقاد والمازني ودافع بشكل مستميت بالمقالات والأمسيات والكتب عن اللغة، منتصرا للفظها ورافضا لدعاوي التجديد، التي اتهمها بتخريب الأمة، وكسر عمودها الفقري (اللغة،) وشكّل هو والأديب شكيب رسلان صرحا قويا للدفاع عن شعر شوقي المتهم بالتكلف والزخرفة، بينما كان محور التجديد مكون من أسماء مهمة أيضا هي خليل السكاكيني وأمين الريحاني) ونشر العشرات من المقالات في مجلة( الرسالة) الشهيرة لصديقه محمد حسن الزيات، كان صديقا حميما لأحمد شوقي وألقى العشرات من الخطب النارية التي كانت تدوخ المستمعين وتأسر ألبابهم، كتب كتابا مهما أثار جدلا واسعا هو( الإسلام الصحيح،) .
مالذي يمكن أن يكون قد حدث، ليحدث كل ذلك، أقرانه ومجايليه من الشعراء والمفكرين ما زالت فلسطين على الأقل تتذكرهم بين الحين والأخر كإبراهيم طوقان وخليل طوطح، وعجاج نويهض، وأحمد سامح الخالدي وجورج أنطونيوس، وخليل بيدس وغيرهم، أما محمد إسعاف فلا يتذكره الآن مثلا إلا طالب ماجستير أو دكتوراه كلفه دكتوره بالبحث عن قضية لغوية ترتبط بالصراع بين المجددين والمقلدين. منتصف القرن العشرين.
رأيي الشخصي أن جمود فكر إسعاف ودفاعه الجنوني عن الحوشي والغريب في اللغة، وانتصاره للشكل والزخرف اللغوي على حساب الفكرة والعمق( رغم موهبته الكبيرة
واطلاعه الواسع عل مئات من مصادر الفكر والدين واللغة) هو الذي وضع حاجزا بين القراء والمهتمين وبينه، لم ينتبه رحمه الله إلى حقيقة أن اللغة تتطور ولديها خاصية مواكبة الجديد، واستيعاب روح العصر الجديد، لكنه من شده صدقه وخوفه على بلاده ولغته، انكمش في خندق لغوي متشنج و محصن جيدا وراح يطلق النار على كل مجدد. فانتقم منه الزمن وأبقاه في حيز معتم هو الذي أضاء العالم العربي في زمن الثلاثينيات والأربعينيات بفكره الواسع وكتبه العميقة.
إذا أخذت جولة في الأرشيف الثقافي لصحافة فلسطين في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي ستذهل من الاسم الذي ملأ ذلك الزمان شعرا وتعليما وكتبا وخطابة ودفاعا عن اللغة والدين هو محمد إسعاف النشاشيبي، 1882 -1984 لقب بأديب العربية، عاش في أسرة مرتاحة ماديا، أبوه عثمان النشاشيبي، كان عضوا في مجلس المبعوثين في الاستانة، كان غنيا له أراض واسعة في قرى النعانة وأم صفا ووادي السرار وملبس، والمزيرعة، كان مهتما بأمور الثقافة والفقه واللغة، يجتمع عنده بما يشبه الصالون الثقافي، علماء ومثقفو البلد، فيقرؤون الشعر ويتناقشون في شؤون الدين والسياسية، في هذا الجو الصاخب ب الثقافة والعلم، نشأ محمد اسعاف، نشأة خاصة، فحوله كتب، وأمامه ضيوف والده العلماء، يتبادلون الكتب، وخلفه نقاش بين عالمين حول اللغة، تعلم محمد في الكتّاب وأتم المرحلة الابتدائية والثانوية في مدرسة الفرير بالقدس، وبعد أن أتم مرحلته الثانوية، متفوقا، قرر والده إرساله إلى دار الحكمة في بيروت، حيث درس على يد كبار الأساتذة، من أمثال الشيخ عبد الله البستاني والشيخ محي الدين الخيّاط والشيخ مصطفى الغلاييني، وتعلّم اللغة الفرنسية.
بعد تخرّجه سنة 1905، عاد إلى القدس، وتولى لفترة - بعد الإعلان عن إعادة العمل بالدستور العثماني سنة 1908 - رئاسة تحرير مجلة 'الأصمعي' التي أصدرها حنّا العيسى. ثم راح ينشر مقالاته في مجلة 'النفائس' لصاحبها خليل بيدس، وفي مجلة 'المنهل' لصاحبها محمد موسى المغربي.
نَظَم النشاشيبي، في تلك الفترة، الشعر الذي نشر معظمه في مجلة 'النفائس'، كما صار يهتم بالاطلاع على كتب الأدب العربي القديم وعلى نتاجات الفلاسفة الغربيين.
شغل إسعاف النشاشيبي قبل نهاية الحرب العالمية الأولى منصب أستاذ اللغة العربية في 'الكلية الصلاحية' في القدس.
ساهم النشاشيبي، بعد الاحتلال البريطاني، في نشاطات 'النادي العربي' الذي كان يعمل لاستقلال فلسطين، وعُيّن أستاذاً للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية، ثم مديراً لها، فمفتشاً عاماً للغة العربية في إدارة المعارف العامة، يشرف على وضع منهاج تدريس اللغة وتصريف شؤون المعلمين. كما كُلف بالإشراف على تدريس مادة الديانة الإسلامية.
انتخب النشاشيبي سنة 1923 عضواً في المجمع العلمي العربي في دمشق، وشرع يكتب في مجلة المجمع ابتداءً من سنة 1924.
استقال إسعاف النشاشيبي من عمله سنة 1929، بعد أن اشتد الخلاف بينه وبين إدارة المعارف البريطانية في فلسطين، وتفرّغ للكتابة والخطابة وإلقاء المحاضرات. وكان يقوم برحلات سنوية إلى مصر والشام.
توفي العظيم الذي لم يعد يذكره أحد في 2202-1948 في القاهرة، ذهب إلى هناك لينشر 3 مخطوطات جديدة له، فاضت روحه قبل النكبة بأشهر قليلة، فاهتزت مصر كلها سياسيين ومثقفين مجددين وغير مجددين للخبر. دفن في مقابر الإمام بعيدا عن حبيبته القدس، انظروا ماذا قال عنه أدباء فلسطين والعالم العربي:
قال أحمد حسن الزيات: 'كان النشاشيبي رجلاً وحده في الأسلوب والخط والحديث والتحصيل. أسلوبه عصبي ناري تكاد تحسّ الوهج من ألفاظه، وتبصر الشعاع من مراميه. . وتحصيله عجب من العجب، ولا تستطيع أن تذكر له كتاباً من كتب العربية لم يقرأه، ولا بيتاً من شعر الفحول لم يحفظه، ولا خبراً من تاريخ العرب والإسلام لم يروه، ولا شيئاً من قواعد اللغة ونوادر التركيب وطرائف الأمثال لم يعلمه، فهو من طراز أبي عبيدة والمبرد، ولذلك كان أكثر ما يكتب تحقيقاً واختياراً أنه خاتم طبقة من الأدباء اللغويين المحققين لا يستطيع الزمن الحاضر أن يجود بهم.
وقال أمين الريحاني فيه: 'ثلاثة سأذكرهم على الدوام: الحرم الشريف، وجبل الزيتون وإسعاف النشاشيبي. وهل أجمل من روح إسعاف السامية الحافلة بأنوار من الشرق والغرب؟.
وتحدّث عنه خليل السكاكيني في يومياته قائلاً: '. . ثم أعلنت الحرب الكبرى، ومما أذكره له بالشكر والإعجاب أنه كان إذا عرف أننا لا نجد خبزاً يحمل شيئاً من الطحين على ظهره ويأتي به إلينا.
كتب عنه الكاتب الروسي ثيودوروف، بعد أن استمع إلى بعض قصائده بلسانه في لقاء بالقدس يقول: كان هذا الشاعر يقرأ قصيدته وفي كل نبرة من نبراته معان عظيمة، وقد ظهر لي وهو يقرأ نشيطاً عنيداً متحمساً. هذا الشاعر عربي قبل كل شيء، ومسلم، ولكنه ممتزج مع إخوانه المسيحيين امتزاج الراح والماء.