كي لا ننسى غزة
الثلاثاء / 1 / ذو الحجة / 1447 هـ - 22:26 - الثلاثاء 19 مايو 2026 22:26
الناس حائرون يتساءلون عن مصائرهم في عالم يموج بالصراع في الشرق الأوسط الذي يطول تأثيره هذا العالم بأسره.
يخوض المحللون في التفاصيل اليومية للحرب الجارية الآن في المنطقة بين المعسكر الصهيوني الأمريكي وإيران. وفي خضم ذلك ننسى أن هذه الحرب لم تنشأ إلا من أجل تغيير خارطة منطقة الشرق الأوسط، والهيمنة عليها من خلال تحقيق المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي، وهو ما يقتضي القضاء على أية قوة أخرى مناوئة أو مقاومة في المنطقة.
تلك هي الحقيقة التي لا ينبغي أن ننساها حينما نتابع كل هذه التفاصيل والمجادلات والمناظرات حول الحرب. ولكن إن نسينا فلا ينبغي أن ننسى غزة في خضم الحروب الجارية الآن في المنطقة وفي غيرها.
حينما اندلعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا استولى علينا الاهتمام بمتابعة أحداثها وتأثيراتها على حياتنا وحيوات غيرنا. ولكن بتكرار الأخبار عن أحداث الحرب وتداعياتها قل اهتمامنا بمتابعتها. وهذا شأن الطبيعة البشرية! ولذلك فإن ما استولى على اهتمامنا بعد ذلك هو أحداث «طوفان الأقصى»، وما ترتب عليها من عدوان إسرائيلي وحشي متواصل على غزة.
ولكن هذا الاهتمام قد توارى أيضًا بدوره بعد اندلاع الحرب التي شنها العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، وهي الحرب التي يتابع الجميع الآن أخبارها وتداعياتها فضلًا عن ارتباطها بالعدوان الإسرائيلي المروِّع على جنوب لبنان. كل هذا قد جعلنا ننسى غزة التي لا يزال الجيش الإسرائيلي يواصل قصفها يوميًّا، ويُوقع الشهداء من الرجال والنساء والأطفال. وهو يفعل ذلك مستغلًا انشغال الناس والمراقبين بأحداث الحرب مع إيران؛ نظرًا لتأثيرها الكبير على العالم في مجمله. أما الفلسطينيون فلا حول لهم ولا قوة في هذا العالم سوى الله مع دعم من أصحاب الضمائر الحرة حول العالم.
ولا شك في أن الناس في جنوب لبنان يواجهون الآن محنة تشبه إلى حد ما محنة أهل غزة، ولا شك أيضًا في أن شعب فلسطين بأسره يواجه محنة وجودية تشبه محنة أهل غزة، لكن غزة يظل لها وضع خاص باعتبارها قد مثلت بؤرة المقاومة الفلسطينية؛ ولذلك فإنها كانت بؤرة العدوان على شعب فلسطين، فنالها القدر الأعظم من جرائم الحرب والإبادة الجماعية. ولسنا في حاجة إلى التأكيد على أن أهل غزة قد عانوا طويلًا من ويلات العدوان الوحشي الذي استهدف إبادة البشر والشجر والحجر، حتى إنه لم يترك لهم شيئًا يمكن العيش فيه أو التعيش منه. ومع ذاك كله فإن شعب غزة لا يزال صامدًا على نحو مذهل يستدعي التأمل. هذا الصمود المذهل لا يزال حاضرًا في شتى أساليب الحياة؛ فنحن نراه في تحمل الناس لأن يعيشوا حياة غير آدمية في خيام بدائية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، وفي غياب تام للبيئة الصحية، حتى إن القوارض والحشرات قد استوطنت خيامهم فضلًا عن غياب الرعاية الصحية في حالة تعرض الناس للإصابات البليغة من جراء القصف اليومي.
ومع ذلك فليس لدى الناس أمل قريب في بناء مساكن تؤويهم على الأقل؛ لأن مشروع إعادة إعمار غزة قد طواه النسيان أيضًا، وأصبح حُلمًا مُرجئًا؛ لكي يتواصل العدوان بالقصف والإبادة البطيئة! وهذا ما يدعونا دائمًا إلى تأمل هذا الصمود الأسطوري لهذا الشعب: شعب يعرف معنى التشبث بالأرض ولو كانت ترابًا باعتبارها موطنه ومناط هويته وتاريخه.
وفضلًا عن ذلك؛ فإن الصمود الأسطوري لهذا الشعب في ظل هذه الحياة اللاإنسانية يتجلى أيضًا في إيمانه بالمستقبل: أعني الإيمان بأن المقاومة هي السبيل الوحيد لمواجهة الظلم والعدوان الوحشي الآثم، وكأنها بذلك تعلم العرب درسًا في مواجهة ما يتهددهم. وكأنها بشكل غير مباشر تستحث النُّظم والشعوب العربية أن تؤازرها بشكل عملي في إطار مشروع عربي في مواجهة المشروع الصهيوني. ويتبدى هذا الإيمان بالمستقبل في إصرار هذا الشعب على مواصلة تعليم الأطفال حتى بعد قصف المدارس وتدميرها.
ولعلنا قد شاهدنا عبر نشرات الأخبار حالة «مدرسة المستقبل» في غزة التي تواصل عملها في خيمة كبيرة نسبيًّا؛ إذ شاهدنا تعليم الأطفال والصبية تعليمًا يستحث قدراتهم على إنجاز إبداعات ومبتكرات علمية بأبسط المواد والوسائل المتاحة! وهذا يستدعي السؤال: كيف يمكن الحفاظ على شيء من التعليم والابتكار من دون مدارس وأبنية تعليمية؟! وربما يكون هذا دليلًا على أن التعليم يقوم في المقام الأول على الرغبة في التعلم، وهي رغبة قوية لدى هذا الشعب الذي يرى في العلم والتعلم نوعًا من المقاومة. وهذا ما يتبدى أيضًا في حفاظ هذا الشعب على سلامة اللغة العربية باعتبارها تأكيدًا للهوية.
خلاصة القول أن النُّظم والشعوب العربية ينبغي أن تنظر إلى هذا الشعب، لا باعتباره شعبًا شقيقًا ينبغي دعمه ومساندته بكل السبل الممكنة وحسب، وإنما أيضًا باعتبار أن صمود هذا الشعب وإيمانه بالكرامة والعزة هو أنموذج يمكن أن تتعلم منه سائر النُّظم والشعوب العربية؛ فتلك الروح هي الشرط الأول لإمكان قيام مشروع عربي في مواجهة المشروع الصهيوني التوسعي، والتصدي له من خلال خلق موازين قوى جديدة في إدارة الصراع.