أعمدة

السياسة: ماهي؟

ما الذي تعنيه السياسة؟ دُهشت كثيرًا عندما توقفت عند ميغيل لتبادل الحديث.

قلت له بأنني عرفت من صديق مشترك أنه طالب دكتوراه في السياسة، لكنه وبتصميم عجيب قال لي: السياسة الدولية. مع ذلك لا يعرف ميغيل أي شيء عن الشرق الأوسط.

وقبل ثلاثة أيام شاهد عرضًا قدمته زميلته في القسم عن السجون السورية، لم يكن يعرف أن شيئًا حدث في سوريا، ميغيل ليس في قلب النقاش الرخيص ما إن كانت تلك ثورة أم حربٌ أهلية. استفزني ذلك كثيرًا، وشعرت بأن عليه أن يصرح بذلك محرجًا من جهله. ما زاد الأمر سوءا أنني عندما سألته عن موضوع أطروحة الدكتوراه، قال لي: أفغانستان وفيتنام. بدت على وجهي علامات التعجب! كيف يمكن أن تدرس أي شيء ، وتحديدًا هذا الموضوع دون أن تجد نفسك في قلب الشرق الأوسط. ماذا عن العرب الذين ذهبوا إلى أفغانستان. الصراع الأمريكي السوفيتي وحلبة أخرى من حلبات الحرب. أليس كذلك؟ مع ذلك ميغيل لا يعرف شيئًا، وكان آسفًا بصورة خاصة عندما عرف عن اليهود في فلسطين. أيعقل أن يتسببوا بذلك؟ يضطر الأمريكيون دومًا لاستدعاء أمثلة للإشارة إلى أن السياسة في كل مكان.

يذهبون بعيدًا في تجسيد نظرية أن كل شخصي سياسي، يفعلون ذلك عبر الأمثلة المباشرة، اليوم مثلًا يتحدث الأمريكيون بشكل خاص عن السيارات الصينية. الخطر الوجودي الذي يهدد الأمن القومي. لن يهتم ميغيل غالبًا بمسألة الأمن القومي، يبدو أنه يعتمد على مجموعة من الناس ليقوموا بذلك، أما هو فعليه أن يمضي يومه مع مشاكله المادية المباشرة. لكنه سيحتاج إلى سيارة. ولن يتمكن من شراء واحدة، مع نسب التضخم الهائلة، وتردي الأوضاع الاقتصادية في أمريكا والعالم أجمع.

تابعت مجلة Current Affairs الجدل المتصاعد في الولايات المتحدة حول السيارات الصينية، مشيرة إلى أن المخاوف لم تعد تقتصر على المنافسة الاقتصادية، بل امتدت إلى خطاب أمني وقومي متشدد. ونقلت المجلة عن رسالة وجّهها عدد من الديمقراطيين في الكونجرس إلى دونالد ترامب، طالبوا فيها بضمان عدم دخول السيارات الصينية إلى الولايات المتحدة إطلاقا. كما أشارت إلى تصريحات عضو الكونجرس، الذي ادعى أن هذه السيارات «تعرّض الأمريكيين للخطر»، وإلى تحذير السيناتور إليسا سلوتكين من أن السيارات الصينية تمثل «تهديدا خطيرا للأمن القومي الأمريكي والأمن الاقتصادي في ميشيغان». ولفتت المجلة إلى أن هذه الدعوات تأتي رغم أن إدارة بايدن فرضت بالفعل لوائح واسعة تحظر فعليا على شركات السيارات الصينية بيع سيارات الركاب داخل الولايات المتحدة.

يعود جزء كبير من الذعر الأمريكي تجاه السيارات الصينية إلى الفارق الهائل في السعر والجودة. ففي الوقت الذي بلغ فيه متوسط سعر السيارة الجديدة في الولايات المتحدة نحو 50 ألف دولار، مع وصول ديون قروض السيارات الأمريكية إلى رقم قياسي بلغ 1.68 تريليون دولار، تكاد تختفي السيارات الجديدة التي يقل سعرها عن 20 ألف دولار من السوق الأمريكية. في المقابل، تستطيع الشركات الصينية إنتاج سيارات كهربائية عالية التقنية بأسعار تبدأ من 8 آلاف دولار داخل الصين، مع إمكانية طرح نماذج قريبة من 20 ألف دولار في السوق الأمريكية لو سُمح لها بالمنافسة. ولهذا ترى شركات السيارات الأمريكية أن دخول السيارات الصينية يشكل «تهديدا وجوديا»، ليس بسبب التجسس أو الأمن القومي كما يروَّج، بل لأن المستهلكين قد يفضلون سيارات أرخص وأكثر تطورا من السيارات الأمريكية الحالية.

يسخر كثير من الصحفيين الأمريكيين من قصة السيارات الصينية هذه. إذ إنه ومع استحالة شراء واحدة في أمريكا بسبب الوضع القائم الذي كتبتُ عنه أعلاه، وارتفاع الضرائب على هذه السيارات يصبح من المستحيل التفكير بشراء واحدة. لكن السلطات في أمريكا لا تسعى لعدم السماح بالسيارات الأمريكية فقط، بل ألَّا يتعرف أي أمريكي على واحدة، ألَّا يجربها، أو يعرف بوجودها. وبذلك تسعى لفرض تقييدات على السيارات التي تدخل عبر الحدود الأمريكية البرية.

في هذه الأثناء ترى هل يفكر ميغيل بشراء سيارة صينية؟ هل يعرف بوجود الصين أصلًا؟ كما يكتب الصحفي الأمريكي جي ناثان روبنسون عن موضوع السيارات الصينية: «يجب أن نكون واضحين، هذا ما تدور حوله السياسة».