لبنان.. هدنة على الورق ونار على الأرض
الثلاثاء / 1 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:24 - الثلاثاء 19 مايو 2026 19:24
غداة دخول وقف النار الممدّد الجديد بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ، ولمدة 45 يوماً إضافياً، بفعل مفاوضات واشنطن بين البلدين في 14 و15 من الجاري، لم يوقف لبنان محاولات تثبيت وقف النار هذا، والذي كان هشّاً في مرحلتيه الأولى (14 و24 أبريل الفائت)، وتوسعته وإقناع الولايات المتحدة به، إلا أن لا شيء يوحي بأن إسرائيل ستقبل بذلك، وفق قول مصادر معنية، وخصوصاً أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ضمّ خطر مسيّرات 'حزب الله' بالألياف الى خطر صواريخ الحزب، مجدّداً سرديّة القتال حمايةً لأمن مستوطنات الشمال، مع ما يعنيه الأمر، وفق المصادر نفسها، من أن إسرائيل أطلقت النار على وقف إطلاق النار. وذلك، وسط تواصل عدوانها وبقاء السماء اللبنانية مثقلة بأصوات طائراتها الحربية والإستطلاعيّة التي لم تغادر، كما نيرانها، الأجواء منذ بدء المهلة الثالثة ليل الأحد الفائت.
وفيما الجنوب اللبناني تحديداً لا يزال تحت النار، والوضع مفتوح على كلّ الإحتمالات في هذا الإتجاه أو ذاك، حيث الإنذارات متواصلة والغارات مستمرّة، وقد امتدّ مسرح العمليات الإسرائيلي الى بعض بلدات البقاع الغربي، إنذاراً واستهدافاً، وما بينهما حصيلة محدّثة لضحايا العدوان منذ 2 مارس الفائت حتى 18 من الجاري: 3020 شهيداً و9273 جريحاً، يواصل اللبنانيون البحث عن 'الهدنة' المزعومة، فيرى البعض أن وعود وقف النار بشكل تامّ، التي تمّ التداول بها في اليومين الماضيين بعد محادثات واشنطن بنسختها الثالثة، ذهبت أدراج الرياح، حيث كثّفت إسرائيل غاراتها وإنذاراتها، ليستقرّ المشهد حتى الآن على 'هدنة على الورق، ونار على الأرض'، وفق تعبير أحدهم.
أمّا البعض الآخر، فيعتبر أن لغة التفاوض الوحيدة التي يفهمها الإسرائيلي، والقادرة على إلزامه الإعتراف بها، هي زخّات النار من أرض الميدان الى سمائه الممتلئة برسائل الرعب المتساقطة على قوّاته، جاعلة جنوده وآلياته كـ'عصف مأكول'، وهو المصطلح الذي أطلقه 'حزب الله' على عملياته المتواصلة ضد الجيش الإسرائيلي. وأبعد من ذلك، فإن ثمّة من يتحدث عن 'هدنة' وحسب، وربّما استراحة محاربين يؤمنون أن الحرب التالية لا مفرّ منها، عاجلاً أن آجلاً.
إلتباس.. ومعادلة ثابتة
وفي القراءات السياسية، فإن ثمّة كلاماً عن أن الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانيّة- الإسرائيلية في واشنطن تبدو، حتى الآن، أقرب إلى إدارة الغموض منها إلى تثبيت وقف إطلاق النّار. ذلك أنها لم تقدّم أجوبة واضحة، بقدر ما فتحت الباب أمام مزيد من الإلتباس، بين 'هدنة' معلنة من دون جدول عملي، ومسار أمني يُحضّر له في الكواليس الأمريكية، على مقربة من تاريخ 29 من الجاري، حيث يُفترض أن يشارك وفدان عسكريّان من لبنان وإسرائيل في جولة مباحثات في البنتاغون، تمهيداً لاستئناف الجولة الرابعة من المفاوضات يومَي 2 و3 من يونيو المقبل.
الى ذلك، لم يعلن 'حزب الله' موقفه من 'الهدنة' بشكل رسمي، إلا أن مصادره أكدت أنه يتريّث في الإعلان عن موقفه عن سابق تجربة في خرق إسرائيل لاتفاق 27 نوفمبر 2024 على مدى سنة ونصف، وفي خرق الهدنة المتفق عليها في واشنطن، ويطلب بأن يكون وقف إطلاق النار شاملاً، بما فيه وقف التدمير والتجريف واستهداف عناصره.
وما بين حدَّي المعادلة الثابتة، لجهة استمرار إسرائيل في عمليّاتها واغتيالاتها، ومواصلة 'حزب الله' ضرباته وإطلاق مسيّراته، تردّدت معلومات مفادها أن إسرائيل تلقّت من واشنطن موافقة لتوسيع هجماتها في لبنان، وهي لن تلتزم وقف إطلاق النار، بل ستواصل الحرب ضمن ضوابط محدّدة وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وترتكز على مبدأين: التغاضي عن استمرار إسرائيل بضرب أهداف محدّدة لـ'حزب الله' في الجنوب، مقابل منعها من قصف بيروت والبقاع، ليصبح وقف النار هشّاً أكثر من أيّ وقت مضى، إنْ صحّت هذه المعلومات.. فهل تلتزم إسرائيل الخطوط الحمر الأمريكيّة في الأيام المتبقية من مهلة الـ45 يوماً، أم أنّ مستجدّات الميدان ستفرض نفسها وتُسقط الخطوط الحمر على أنواعها؟ وبالتالي، كيف ستتطوّر الأمور حتى 29 من الجاري، موعد اجتماع المسار الأمني اللبناني- الإسرائيلي في البنتاغون، وحتى 2 و3 من يونيو المقبل، موعد جولة جديدة من المفاوضات، على المسار الدبلوماسي، في الخارجية الأميركية؟