الأسيرة الفلسطينية ليان ناصر.. اندفاعة مثيرة نحو الحرية
نفضت غبار السجن وتركت "الحذاء" للسجان
الثلاثاء / 1 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:22 - الثلاثاء 19 مايو 2026 19:22
من حق أي أسير فلسطيني أن يحتفل بحريته بالطريقة المثالية، والأسلوب الذي يراه مناسبا، خصوصا مع اللحظات الأولى لتنسم الحرية، والانعتاق من عتمة السجن، الذي يشبه في عسره الولادة من الخاصرة.
ليان ناصر، أسيرة فلسطينية من بلدة بيرزيت قرب رام الله، تبلغ من العمر (25) عاما، تحررت أخيرا من قيود السجن، بعد اعتقال إداري (دون محاكمة) دام 7 أشهر، كانت كفيلة بتغيير ملامحها، بفعل سلوك سجانيها غير الإنساني.
بدت ليان في حالة هُزال وشحوب وضمور؛ نتيجة سياسة الاحتلال وممارساته مع الأسرى الفلسطينيين، القائمة على التعذيب والحرمان والتضييق، والمعاملة السيئة، وسوء التغذية، لكن الفتاة التي سبق لها أن اعتُقلت غير مرة، أماطت اللثام عن نهج كيان الاحتلال البشع مع الأسرى والأسيرات، اعتقادا منه (خطأً) بأنه قادر على كسر إرادتهم، لكنهم بصمودهم وصلابتهم وقوة عزائمهم وصبرهم، ما انفكوا يرددون، بأنفة وشموخ 'هيهات منا الذلة'.
في مشهد اختصر وجع الأسر وآلامه، خلعت ليان حذاء السجن ولفظته خلفها، بعد أن شعرت بشيء ما يعوق حركتها، ويكبّل قدميها، في طريقها نحو عائلتها التي كانت بانتظارها، فتركت الحذاء لـ'السجان' وراحت تركض بسرعة وبأريحية، وباندفاعة قوية نحو الحرية، ليعود النبض إلى بلدة بيرزيت التي كانت في استقبال أيقونتها وهي تنتزع حريتها، كأنما أرادت التخلص من كل ما من شأنه أن يذكّرها بلحظات السجن القاسية، وأن تنفض غبار السجان وآثاره ومخلفاته.
في لحظات مؤثرة، أخذت ليان تنتقل من حضن إلى آخر، فعائلتها كانت تنتظرها خارج أسوار سجن 'الدامون' الجاثم على سفوح جبال الكرمل المحتل، كانت لحظات من الشوق المكتوم والمكلوم خلف قضبان باردة، ووداع بالدموع لعدّ الأيام الطويلة، والساعات المرعبة في الزنازين الموحشة.. كلها انتهت بلحظة واحدة، ألقت بها ليان خلف ظهرها مع خلع حذاء السجن، وتنسم أول طلائع نسائم الحرية، ودفء العائلة.
ابتسامة.. وشارة نصر
لم يمنعها وضعها الصحي الصعب من رسم الابتسامة على محياها، ربما أرادت غسل مرارة الاحتجاز وظلم السجن، وأصرت على رفع شارة النصر، في دلالة على أن الفلسطيني لا يخشى تلك القوة المفرطة التي يستخدمها كيان الاحتلال ضد الأسرى، وسعيًا منها لرفع معنويات الأهل قبل الانغماس في عناقهم، وفي ذلك رسالة أيضًا للاحتلال من أكبر قادته حتى أصغر سجان فيه، فهم يدركون معنى الابتسامة التي خرجت بها ليان، ويعلمون أسبابها ودوافعها، والهدف من ورائها.
وليان، مثلها مثل باقي الأسيرات القابعات في سجون الظلم والقهر، ويكابدن المعاناة بفعل جنون السجانين، الذين اشتد سعارهم خلال حرب الإبادة التطهيرية التي شنها كيانهم المتوحش على قطاع غزة، وسائر أرجاء الوطن الفلسطيني.
تقول، وقد هدّها التعب: 'فرحتي لن تكتمل إلا عندما ينال أسرانا وأسيراتنا حريتهم المسلوبة' مبينة أنها تركت خلفها 79 أسيرة يعشن ظروفًا قهرية، يتخللها القمع اليومي، بإطلاق القنابل الصوتية وأحيانًا الغازية داخل الزنازين، والاعتداء بالضرب الوحشي، واصفة السجون الإسرائيلية بأنها 'مقابر أحياء'.
تروي وقد تحررت من اعتقالها الثالث، والثاني منذ الحرب التدميرية على قطاع غزة: 'أوضاع السجون من سيئ إلى أسوأ، وكنا نتوقع أن يطرأ بعض التحسن على ظروف الأسر بعد إعلان وقف الحرب على غزة، لكن على العكس تماما، الأوضاع ازدادت قسوة.. إدارة السجن تمارس بحق الأسيرات سياسات انتقامية، أبرزها التجويع، والإهمال الطبي، والقمع اليومي'.
وتنقل ليان رسالة زميلاتها الأسيرات، مطالبة العالم بتسليط الضوء أكثر على قضية الأسرى، موضحة: 'الاحتلال يستفرد بالأسيرات والأسرى، ويمارس عليهم ضغوطات جسدية ونفسية، وقدرة التحمل لديهم محدودة.. على العالم أن لا يغفل هذه الممارسات التي تنتهك كرامة الأسرى'.
صناعة الحرية
قبل سبعة أشهر، كانت ليان تهم بالصعود إلى مركبة عسكرية لجيش الاحتلال، الذي داهم منزل العائلة في بلدة بيرزيت كي يعتقلها ويلقي بها في غياهب السجن.. الآلية العسكرية لم تكن في مهمة قتالية كما بدا المشهد لدى عائلة ناصر، غير أنها كانت تثير لبسًا، إذ كانت تحرس كتيبة من الجنود الذين جاءوا لاعتقال ليان.
بدت المركبة العسكرية خائفة ومرعوبة ومتحفزة، وعروق عنقها منتفخة.. بينما بدت ليان طبيعية جدا، حتى وهي مكتوفة اليدين، ومعصوبة العينين، فوجودها على هذه الأرض هو الأداة الوحيدة للاحتجاج والمقاومة، ويبدو الإصرار على الوجود ذاته، واضحا حتى في لحظات انتزاع حريتها، وركضتها نحو الحياة.
وهناك الآلاف من الفلسطينيات ذقن مرارة الاعتقال، ولكن سيلا طافحا من التفاصيل المعبرة عن وجع 'الأسيرة' في حكاية ليان، التي تقدم بلحظات حريتها كشف حساب إنساني، يفضح كيان الاحتلال، ويميط اللثام عن وجهه البائس، ويضع يديها على المواطن الموجعة من ثمن الاعتقال الباهظ جدا.
هي نون المعاناة، فلا مكان للرفاهية في حياة الفتيات الفلسطينيات تحت حراب الاحتلال، لكن رغم معاناتها، تبقى الفتاة الفلسطينية منبع العطاء ومضرب الأمثال في التفاني والتضحية لأجل الوطن، ورغم علمها بالواقع المرير الذي تفرضه عليها سياسات الاحتلال، إلا أن هذا يضعها أمام تحد جديد لأجل البقاء، فليان تعلم كما غيرها من الأسيرات، أن حريتهن مجبولة بدموع وآهات.
اليوم، تتحرر ليان من قيودها التي كبّلتها سبعة أشهر، ومن المؤكد أنها سوف تمضي زمنا آخر مع آثار تلك القيود، وربما تحتاج إلى تسويغ التعجب بابتسامتها، والالتفاف على الوجع بركضتها، وربما الكثير من الحِيَل ومفردات المكابرة، جعلت من لحظات الإفراج عنها هالة ملائكية وأسطورية لا تحتمل المس، بل إنها في مرحلة الانعتاق من الأسر ضرورية، من أجل تحفيز أدوات الدفاع عن الوجود، وصناعة الحرية.