هكذا أذلَّ تشارلز داروين الإنسانية
الثلاثاء / 1 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:11 - الثلاثاء 19 مايو 2026 19:11
في حين أننا لا نستطيع أن نقطع يقينا إن كان المعنى الضمني المزدوج في عنوان رائعة تشارلز داروين الصادرة سنة 1971 بعنوان (انحدار الإنسان والانتخاب الجنسي) كان مقصودا، فسيكون لافتا للغاية ألا يكون كذلك. لقد كانت هذه اللعبة البلاغية باستعمال معنيي كلمة 'الانحدار' descent -بأسلوب سافر الوضوح للقارئ في العصر الفكتوري- بمقام ديناميت فكري واجتماعي. إذ بدلا من أن يكون الإنسان 'مخلوقا لغرض إلهي' بات نتاجا لـ'الصدفة العمياء'.
حطم كتاب داروين المكانة الميتافيزيقية للإنسانية وكرامتها البادية في طرفة عين، وأطاح بها من عليائها المقدسة وألحق 'وصمة لا تمحي' من 'الأصل الدنيء' بـ'إطارها الجسماني'. فقد ذهب إلى أن البشر نسل معدّل من سلالات أخرى، تطور بفعل الانتخاب الطبيعي وفقا لجملة من القوانين والأسباب العامة المشتركة. وبات يمكن تفسير خصال البشر بموجب العمليات الطبيعية وحدها كما ظهر رابط جسدي وعقلي جوهري بين جميع الكائنات الحية.
استمرت الرئيسيات، عنيدةَ غير مقهورة، في نسبنا الجوهري، فبات الاختلاف بين الإنسان والحيوانات العليا اختلافا 'في الدرجة لا في النوع'. وبات 'التحيز الفطري' و'الغطرسة' هما دافعنا الوحيد، في مواجهة الأدلة الدامغة، إلى 'رفض هذه النتيجة'. في حين أنه لا ينبغي لنا -حسبما أكد داروين- 'أن نخجل من هذا الأمر'. بل إن البشر 'وقد نشأوا هذه النشأة، بدلا من أن يوضعوا فيها منذ البداية'، فيمكنهم أن يأملوا في الارتقاء بأنفسهم إلى ذرى أسمى.
كان داروين في الأصل قد درس الطب، ثم حوّل مساره المهني إلى السلك الكنسي لكنه لم يصادف النجاح، واتهمه أبوه بأنه لا يبالي بشي إلا 'إطلاق النار على الكلاب وصيد الجرذان'، لكنه أحدث شرخا كارثيا لا دواء له في نسيج تفوق الإنسان.
فضلا عن أن رفضه المادي لأي عنصر روحاني في الهوية الإنسانية أوجد بالتوازي مع ذلك أزمة وجودية للاهوت. فقد أتت أفكاره على 'اللاهوت الطبيعي' -الذي تبناه أمثال تشارلز بيل في (اليد: آليتها وخصالها الحيوية بوصفها تصميما برهانيا) وذهب إلى أن الطبيعة دليل على الخلق الإلهي- واستبدل به النظرية العلمية.
لكن بينما كان داروين يطرح الأدلة على أن الحياة تطورت من أصل بدائي، فقد حرص على اجتناب موضوع الأصول الأولى للحياة. ويلاحظ جيمس كوستا وإليزابث ييل في نسختهما الملحمية ذات التعليقات البديعة من الطبعة الثانية المصححة الصادرة سنة 1874 من 'انحدار الإنسان' -وهو الكتاب الذي يقال إنه أبدع نصوص داروين- أن داروين وهو يفعل ذلك 'ترك الباب مفتوحا' للتطور التوحيدي، أي فكرة أن إلها هو الذي ربما يكون قد 'بدأ عملية التطور برمتها'.
غير أن كتاب داروين يمضي إلى ما هو أبعد كثيرا من ربط أصول الإنسان بمنشأ مشترك، إذ يكافح من أجل إنكار أن تكون الطبيعة الإنسانية ثابتة ومطلقة. فهو يزيح وهم الثبات وعدم التحول ليستبدل به زوالا ومرونة وهشاشة وعملية تحول تبدو بلا نهاية وبلا وجهة.
وفي جانب أدعى للتفاؤل، فإنه بعد الانحدار من 'أسلاف أوائل' حيوانيين وكوكبة كريهة من 'الكائنات القردية' و'الهمج' أشباه البشر، والوحشيين والبرابرة، بقيت للإنسانية آمال عظمى. إذ تؤكد آليات العملية التطورية الوعد 'والأمل في مصير أسمى في المستقبل البعيد'.
في نسختهما المزودة بالهوامش، يجمع كوستا وييل مهاراتهما بوصفهما عالمين في الأحياء والتاريخ لبث الروح في هذا العرض المهيب لبعض أكثر أفكار علم الأحياء تأثيرا. فيمنحان بذلك لحجج داروين دفقة جديدة من القوة والتأثير والأهمية.
ومن خلال تعليقاتهما العميقة والدقيقة، يهتدي القارئ في الأفق المتنافر -المتناقض أحيانا، والعبقري المشرق أحيانا- في عقل داروين إذ يصارع قضايا لم يجرؤ على تناولها في كتابه 'أصل الأنواع' الصادر قبل اثني عشر عاما. فما عاد بالإمكان الاستمرار في تجاهل 'المسألة الإنسانية' باعتبارها آخر حدود الحياة.
أسس هذه الرحلة تقع في العقلية الإمبريالية الاستعمارية المصلحية لإنجلترا في العصر الفكتوري حيث صاغ داروين اكتشافاته المدهشة. فـ'صورة الإنسان' التي صورها -على حد تعبير كوستا ويال- منسوجة من خيوط متناقضة عديدة'.
يفصل داروين مفاهيمه الصارمة -والمهينة من المنظور الحديث- بشأن العرق والجندر والتقدم والتراتبية، وهي المفاهيم التي شجع بها تأبيد التنميط العرقي والجنسي والظلم، وطارحا في الوقت نفسه 'سبلا جديدة مذهلة لفهم أصل السلالة الإنسانية وتطورها'. لقد كان داروين إلى حد بعيد نتاجا لعصره، ويجب أن نتأمل مليا قبل إصدار حكم عليه وعلى أقوال له من قبيل أن الذكور 'أكبر في العبقرية الإبداعية' من الإناث وأنهم 'تفوقوا في نهاية المطاف'.
في أحد التعليقات مراسلات بين هنرييتا ابنة داروين وأبيها بعد أشهر قليل من نشر (الانحدار)، أشار فيها الأب بسذاجة إلى نجاح الكتاب وقال في تفاؤل إنه لم يتعرض 'لأي إساءة على الإطلاق'. ولكن هذا الموقف سرعان ما تبدل. إذ جاء في عدد يوليو 1871 من 'إدنبرة رفيو' أن 'تاريخ الفلسفة ربما لم يشهد قط استخلاص هذا القدر من التعميمات الواسعة من قاعدة معلومات بهذا الصغر'.
كما أن تلك 'المحنة النارية' لم تكن قصيرة العمر. إذ يحكي كوستا وييل أنه في مناسبة منحه درجة فخرية من جامعة كمبريدج في نوفمبر 1877 حدث أن أثار بعض طلبة الجامعة المشاغبين جلبة بقرد محشو ألبسوه عباءة وقبعة وعلقوه في إحدى الشرفات فضلا عما صاحب ذلك مما وصفته إيما زوجة داروين بـ'الهتافات والصياحات غير المهذبة'.
ولكن أبلغ إهانة لأفكار داروين جاءت من أبعد الأركان احتمالا قبل قرابة سنتين من صدور (الانحدار). ففي تحليل سنة 1869 لكتاب (مبادئ الجيولوجيا) لتشارلز ييل بمجلة 'كورترلي رفيو'، قال الشريك في اكتشاف الانتخاب الطبيعي ألفريد راسل والاس إن الانتخاب إن استطاع أن يفسر تطوير الجسد الإنساني، فإن تدخل العناية الإلهية وحده هو القادر على تفسير تطور العقل. يصف كوستا وييل كيف ردّ داروين على ذلك مصدوما فقال إنه يرجو ألا يكون والاس 'قد أجهز تماما على ابنه وابني'.
وبحسب روايته، فإن سعي داروين إلى توفيق التناقض بين 'العقل الإلهي' للإنسانية و'الأصل المنحط'، وما انتهى إليه من نتائج أقر صراحة بأن الكثيرين سوف يرونها 'مقيتة' و'لادينية' كان قائما على مقابلته لـ'المتوحشين' في أرخبيل تيرا دل فويجو. ففي عام 1832 أبحرت للمرة الأولى سفينة صاحب الجلالة الاستكشافية المسماة بـ(بيجل) وعلى متنها داروين ذو الأعوام الثلاثة والعشرين عابرة مياه مضيق لو مير 'الوعرة المنفرة'.
بدا، حسبما يحكي لنا كوستا وييل، وكأن داروين قد 'انتقل إلى صفحات رواية قوطية'. فأصيب بالدهشة البالغة إذ رأى رجالا 'عراة تماما بأجسام مطلية' و'شعر طويل متشابك' و'أفواه عليها زبد الإثارة' فنجمت عن ذلك على الفور فكرة تأملية في ذهنه: 'كذلك كان أسلافنا'. وفي حين أن كتاب 'أنماط البشر' المناصر للعبودية، المنشور سنة 1854 بقلم جوزياه نوت وجورج جليدون قد ذهب إلى أن الأعراق المختلفة تمثل أفعالا مستقلة من أفعال الخلق الإلهي وتبرر من ثم إخضاع أنواع معينة من الكائنات البشرية على أسس عرقية، فقد رفض داروين ذلك رفضا شديدا، وذهب إلى أن أنواع البشر جميعا انحدرت من السلف المشترك نفسه.
وتفضي مساعيه في تفسير اختلاف الأعراق إلى النظرية الأكثر إقناعا وتعرضا للتجاهل في الكتاب. ففي حين أن كثيرا من السمات الإنسانية تشكلت بفعل 'الصراع من أجل البقاء' -أي الانتخاب الطبيعي- فإن نمطا ثانيا يطلق عليه داروين (الانتخاب الجنسي) كان يعمل بالتوازي في صياغة سمات مميِّزة أخرى، منها الإيثار، والقدرة المعرفية، والخيال، والأخلاق.
والانتخاب الجنسي ينطوي في حالة السلالات غير البشرية -في ما ذهب إليه داروين- على أن يكون اختيار الإناث للذكور قائما على التفضيل الجمالي وحده. فالانتخاب الجنسي يقوم حصرا على التفضيل لا على البقاء. والتنافس الناجم عن ذلك بين الذكور يفضي إلى طرق متزايدة التعقيد لإغواء الإناث تتراوح بين طقوس التودد المعقدة وحتى الريش الباذخ والصيحات والتجمل الغريب، فيجب في رأي داروين التعامل مع ذلك التنافس باعتباره حيويا في تحديد جوانب معينة من التطور الإنساني.
وقد تكون بعض هذه الجهود ضارة بالبقاء في نظر الانتخاب الطبيعي. فذيل ذكر الطاووس المتبختر اللافت للنظر، والأعشاش الفخمة التي تقيمها طيور التعريشة، لا تعكس عند النظر إليها عبر عدسات الانتخاب الطبيعي حصريا سمات تكيفية بقدر ما تعكس إهدارا للموارد واستنزافا لها. ويمكنني القول بأن المساعي المعاصرة لتصميم بل إعادة كتابة أقسام من الجينوم البشري تمثل امتدادا لهذا الشكل الفطري من الانتخاب القائم على التفضيل، بما يولِّد إمكانية دفع البشرية إلى المرحلة ما بعد الداروينية من التطور.
كاتب المقال هو مؤلف كتاب 'عن مستقبل الأنواع: كتابة الحياة باستعمال الذكاء البيولوجي الاصطناعي'.
The Descent of Man Charles Darwin, eds James Costa and Elizabeth Yale
Princeton University Press, 816pp, £45
https://www.newstatesman.com/culture/books/2026/05/how-charles-darwin-humbled-mankind