"اليوم العلمي للأخلاقيات الطبية" يناقش جودة القرار الطبي وسلامة المرضى
الثلاثاء / 1 / ذو الحجة / 1447 هـ - 15:24 - الثلاثاء 19 مايو 2026 15:24
أكد مختصون أهمية الأخلاقيات الطبية في تقديم رعاية صحية عالية الكفاءة، وضـرورة تعزيز دمج الأخلاقيات الطبية والقانونية في الممارسة السريرية اليومية لدعم جودة القرار الطبي والحـفاظ على سلامة المرضى، ودعم دور لجان الأخلاقيات الطبية داخل المؤسسات الصحية وتطوير السياسات الواضحة التي تحمي بيانات المرضى وترسيخ مبادئ العدالة والكرامة وحقوق المرضى، بما يضمن الحفاظ على كرامتهم وحقوقهم الصحية.
وذلك خلال أوراق العمل التي طُرحت في فعالية 'اليوم العلمي للأخلاقيات الطبية' التي نظمها المستشفى السلطاني، تحت رعاية سعادة الدكتور سعيد بن حارب اللمكي، وكيل وزارة الصحة للشؤون الصحية، وبحضور سعادة الأستاذ الدكتور راشد بن حمد البلوشي، رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، وعدد من القيادات الصحية والأكاديمية والأطباء والخبراء في مجالي الطب والقانون، وذلك بالقاعة الرئيسية بالمستشفى.
ويأتي تنظيم هذه الفعالية في إطار توجه وزارة الصحة نحو تعزيز الحوكمة القائمة على الأدلة، ودمج الأبعاد الأخلاقية والقانونية في الممارسة الطبية اليومية، بما يسهم في رفع جودة الرعاية الصحية وتعزيز سلامة المرضى.
وهدف اليوم العلمي إلى مناقشة التقاطعات الحيوية بين القرار السريري والإطار القانوني، حيث تناولت الجلسات عددًا من المحاور المهمة، من بينها أسس الأخلاقيات السريرية، واتخاذ القرار الطبي في سلطنة عُمان بما يشمل الأهلية والقرار بالنيابة وقرارات عدم الإنعاش (DNR)، إضافة إلى دروس أخلاقية من الأحكام القضائية في القضايا الطبية، والسرية في طب المراهقين، إلى جانب قصص واقعية ودروس أخلاقية في زراعة الأعضاء، وقرارات نهاية الحياة في الرعاية التلطيفية.
وقالت الدكتورة رقية بنت إسماعيل الظاهري، رئيسة لجنة الأخلاقيات البيولوجية بالمستشفى السلطاني، إن الأخلاقيات الطبية لم تعد إطارًا نظريًا يقتصر على اللجان، بل أصبحت ممارسة فاعلة تسهم في دعم القرار السريري في لحظاته الحرجة، ومؤشرًا أساسيًا من مؤشرات جودة الأداء المؤسسي.
وأوضحت أن التحدي في الطب الحديث لم يعد في محدودية الإمكانيات، بل في اتساع الخيارات وتعقيدها، مما يستدعي تعزيز الأطر الأخلاقية لضمان اتخاذ قرارات متوازنة تجمع بين الدقة العلمية والاعتبارات الإنسانية.
وأشارت إلى أن اليوم العلمي يمثل خطوة نوعية نحو ترسيخ ثقافة الأخلاقيات الطبية المؤسسية، وبناء نموذج متكامل يعزز من جودة التواصل، ويحد من النزاعات المرتبطة بالقرارات الطبية، ويدعم ثقة المجتمع بالمؤسسات الصحية. ويُتوقع أن تسهم مخرجات الفعالية في دعم المبادرات المستقبلية في مجال الاستشارات الأخلاقية السريرية، بما يعزز من كفاءة اتخاذ القرار داخل المؤسسات الصحية، ويرسخ مكانة المستشفى السلطاني كمركز رائد في مجال القيادة الأخلاقية السريرية على المستوى الوطني.
أوراق عمل متخصصة
شهدت الفعالية مشاركة متحدثين من لجنة الأخلاقيات البيولوجية بالمستشفى السلطاني، إلى جانب خبراء وأعضاء من اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا، حيث استعرضوا حالات واقعية من الممارسة السريرية، تمت مناقشتها من منظور طبي وأخلاقي وقانوني، بما يعكس التوجه نحو الانتقال من الطرح النظري إلى التطبيق العملي في إدارة التعقيد الأخلاقي داخل بيئة الرعاية الصحية.
كما سلطت الفعالية الضوء على أهمية دور لجان الأخلاقيات الطبية في دعم القرار السريري، خاصة في الحالات المعقدة التي تتداخل فيها الاعتبارات الطبية مع القيم الإنسانية والمتطلبات القانونية.
وقدّم الدكتور ناصر بن حماد العزري، المدير العام للموارد البشرية بوزارة الصحة، محاضرة حملت عنوان 'دروس أخلاقية من الأحكام القضائية في الحالات الطبية في سلطنة عُمان'.
كما استعرضت الدكتورة فريال علي خميس، استشارية أولى ومديرة التخصصات الدقيقة بالمستشفى السلطاني وعضو اللجنة الوطنية للأخلاقيات البيولوجية، الفروق بين الأخلاقيات الطبية، والأخلاقيات السريرية، والبيولوجية، موضحة: الأخلاقيات الطبية تعتبر من الأدبيات المهمة التي تنظم السلوك الأخلاقي في المجال الصحي والبحث العلمي، وتعتبر الأخلاقيات الطبية إطارًا عامًا يوجه ممارسات الأطباء ويحفظ حقوق المرضى، بينما تركز الأخلاقيات السريرية على التعامل مع الحالات الفردية والتحديات الأخلاقية التي تنشأ في مواقف الرعاية الصحية، من خلال تطبيق المبادئ الأساسية مثل المصلحة وعدم الإضرار والاحترام والعدالة. أما الأخلاقيات البيولوجية فهي أوسع نطاقًا، حيث تتناول القضايا الأخلاقية المتعلقة بالتكنولوجيا الحيوية والبحوث العلمية والقرارات الصحية على المستوى المجتمعي والدولي.
وأكدت على أهمية الالتزام بمبادئ العدالة والكرامة وحقوق المرضى، مع مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية، التي تهدف إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فمقاصد الشريعة تسعى لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة، وهو ما يتوافق مع المبادئ الأخلاقية في الطب، حيث يجب أن يكون الهدف هو خدمة الإنسان وحفظ حياته وكرامته، مع الالتزام بالضوابط الشرعية التي تضمن العدالة والرحمة في الرعاية الصحية.
من جانبها، تناولت الدكتورة عاتكة بنت أحمد المسلمي، استشارية الطب التلطيفي وعضو لجنة الأخلاقيات البيولوجية بالمستشفى السلطاني، في محاضرتها 'المعضلات الأخلاقية في الرعاية التلطيفية ورعاية نهاية الحياة'، أهمية الموازنة بين قدسية الحياة وكرامة الإنسان في المراحل الأخيرة من المرض، خاصة في المجتمعات العربية والإسلامية. كما استعرضت التحديات التي تواجه الطواقم الطبية والأسر، مثل إخفاء الحقيقة عن المريض، والاستمرار في العلاجات غير المجدية، وصعوبة تقبل قلة الأكل والشرب في نهاية الحياة، مؤكدة أن الرعاية التلطيفية لا تعني الاستسلام، بل تهدف إلى تخفيف المعاناة الجسدية والنفسية والروحية، وتمكين المريض من الرحيل بسلام وكرامة ضمن إطار أخلاقي وإنساني يحترم قيم المجتمع العُماني والدين الإسلامي.
أخلاقيات المهنة
وقدمت الدكتورة ناهد جابر، استشارية أولى في طب المراهقين ورئيسة وحدة طب المراهقين بالمستشفى، محاضرة بعنوان 'السرية في الأخلاقيات الطبية'، تناولت فيها مفهوم السرية الطبية باعتبارها أحد أهم المبادئ الأساسية في أخلاقيات المهنة الطبية، والدور المحوري الذي تؤديه في بناء الثقة بين المريض ومقدم الرعاية الصحية عبر مختلف المراحل العمرية من الطفولة وحتى البلوغ. كما أوضحت الفرق بين مفهومي الخصوصية والسرية الطبية، والأسس الأخلاقية والقانونية المنظمة لها على المستوى الدولي وفي سلطنة عُمان.
وسلطت الضوء على التحديات العملية والأخلاقية المرتبطة بالحفاظ على السرية الطبية، خاصة في ظل التحول الرقمي واستخدام السجلات الطبية الإلكترونية، إضافة إلى مناقشة الحالات التي يجوز فيها الإفصاح عن المعلومات الطبية وفق الضوابط الأخلاقية والقانونية، مثل حالات الخطر على المريض أو المجتمع.
كما تضمنت المحاضرة أمثلة واقعية وسيناريوهات سريرية توضح أبرز صور انتهاك السرية الطبية في المؤسسات الصحية، وأهمية وجود سياسات مؤسسية واضحة، وتدريب الكوادر الصحية، وتعزيز ثقافة حماية معلومات المرضى بما يضمن الحفاظ على كرامتهم وحقوقهم الصحية.
وذكرت الدكتورة نيفين بنت إبراهيم الكلباني، استشارية أولى أمراض زراعة الكلى، تاريخ زراعة الأعضاء في عُمان، موضحةً كيف تكاملت التشريعات الإسلامية والقوانين في هذا المجال منذ 1994، وتُوجت بالمرسوم السلطاني الصادر خلال العام الماضي وتأسيس المركز الوطني العُماني لزراعة الأعضاء.
كما تطرقت إلى الأخلاقيات الطبية الخاصة بزراعة الأعضاء من الاستقلال ومساعدة الآخرين وعدم إلحاق الضرر بالمرضى أو المتبرعين والمساواة والعدالة، كما تم استعراض قصص واقعية من خلف أبواب غرف العمليات، ومناقشة ظاهرة زراعة الأعضاء التجارية ومضاعفاتها الطبية والقانونية والشرعية.
مسائل جوهرية
من جانبه، أوضح خلفان بن راشد المنذري، مدير الأعمال القانونية بالمستشفى السلطاني، الفرق بين المخالفة الفنية والخطأ الطبي، مشيرًا إلى التمييز القانوني بين الخطأ الطبي والمخالفة الفنية باعتبار أن التفريق بينهما يُعد من المسائل الجوهرية في المجال الصحي والقانوني لما يترتب على كل منهما من آثار قانونية ومهنية وتأديبية مختلفة.
مبينًا أن المفهوم القانوني للخطأ الطبي هو سلوك ينطوي على إهمال أو تقصير أو مخالفة للأصول الطبية المتعارف عليها وينتج عنه ضرر للمريض، مقابل المخالفة الفنية التي قد تتمثل في عدم الالتزام بالإجراءات أو الضوابط التنظيمية أو المهنية دون أن يرتبط ذلك بالضرورة بحدوث ضرر مباشر.
كما تطرق إلى بيان المعايير التي تستند إليها اللجان الفنية والجهات القضائية في توصيف الواقعة وتحديد طبيعتها القانونية، مع استعراض أوجه الاختلاف بين المسؤولية الطبية والمسؤولية التأديبية، وبيان مدى تأثير القصد والإهمال والضرر والعلاقة السببية في توصيف الفعل. كما تناول الجوانب النظامية والتنظيمية ذات الصلة، والدور الذي تؤديه الأنظمة الصحية واللوائح المهنية في تنظيم العمل الطبي وضمان جودة الخدمات الصحية.
وأكد المنذري أهمية تعزيز الثقافة القانونية لدى الممارسين الصحيين، ورفع مستوى الوعي بالالتزامات المهنية والأخلاقية، بما يسهم في الحد من النزاعات والشكاوى، وتحقيق التوازن بين حماية حقوق المرضى وضمان بيئة عمل مهنية عادلة للممارسين الصحيين، إضافة إلى دعم مبدأ العدالة والشفافية في إجراءات التحقيق والتقييم والمساءلة.
وقدمت مارية بنت محمود الهنائي، اختصاصية إرشاد وراثي، ورقة عمل تناولت التعريف بلجنة الأخلاقيات البيولوجية بالمستشفى السلطاني، بما يشمل التعريف بأعضاء اللجنة والخبرات التي تمثلها، كما سلطت الضوء على دور اللجنة في دعم الممارسين الصحيين عند التعامل مع الحالات السريرية ذات الأبعاد الأخلاقية المعقدة، وآلية التحويل إلى اللجنة، بما في ذلك خطوات الإحالة عبر القنوات المعتمدة والمعلومات الأساسية المطلوبة عند طلب الاستشارة من اللجنة.