عمان العلمي

ماذا يفعل إنستجرام بعقول أبنائنا؟

د مازن العبيدي

 

سارة فتاة في السابعة عشرة من عمرها تنشر صورة على إنستجرام، ثم تضع هاتفها جانباً، لكنها لا تقوى على الابتعاد طويلاً؛ إذ تعود بعد دقائق لتتفقد عدد الإعجابات، وتكرر ذلك مراراً. ما الذي يجذبها بهذا القدر؟ الجواب لا يكمن في هاتفها، وإنما في دماغها. إن ما تمر به سارة هو استجابة عصبية موثقة علميا، ليس ضعفا في الإرادة، ولا مجرد عادة سيئة يمكن التخلص منها بقرار بسيط. سارة لا تتفقد هاتفها، وإنما تتفقد ذاتها. وما يهتز في عقلها الآن يهتز في عقول الملايين غيرها، غير أن القلة فقط تدرك السبب؛ فقد كشفت أبحاث الرنين المغناطيسي الوظيفي (Functional Magnetic Resonance Imaging) الذي يرصد نشاط الدماغ لحظة بلحظة عبر تتبع تدفق الدم عن أي المناطق تنشط وأيها تخمد أثناء أداء مهمة محددة، وأظهرت هذه الأبحاث أن دماغ المراهق يتفاعل مع الإعجابات الرقمية بالطريقة ذاتها التي يستجيب بها للمكافآت الملموسة. 

الإعجاب الواحد، وما يحدث داخل الدماغ 

في عام 2016 أجرت الباحثة Sherman وزملاؤها تجربةً فريدة؛ إذ وضعوا مراهقين تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاماً داخل جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي، وعرضوا عليهم محاكاة لخلاصة (إنستجرام) تحتوي على صور متنوعة تفاوتت في عدد الإعجابات التي نالتها. كانت النتيجة لافتة؛ فبمجرد رؤية المراهقين لصورهم الشخصية وهي تحصد عددا كبيرا من الإعجابات أظهرت (النواة المتكئة) في أدمغتهم نشاطا ملحوظا، وهي المنطقة المسؤولة عن المكافأة وإفراز الدوبامين والشعور باللذة. كما نشطت مناطق أخرى مرتبطة بالتعلم والدافعية أبرزها البُطامة (Putamen)، وهي جزء يقع في عمق الدماغ، ويؤدي دوراً في التعلم والمكافأة، والمهاد (Thalamus)، وهو محطة الترحيل المركزية التي تستقبل المعلومات الحسية، وتوزعها على مختلف مناطق الدماغ. وتكمن خطورة هذه النتيجة في أن النواة المتكئة هي ذاتها المنطقة التي تتفاعل مع المكافآت المالية الملموسة، وهو ما أكدته دراسات Haber & Knutson (2010) حول الدوائر العصبية للمكافأة. وبمعنى آخر عندما ينظر ابنك إلى إعجابات صورته يختبر دماغه لحظة مكافأة حقيقية لا تختلف كيميائيا عن لحظة الفوز بجائزة مادية. 

ليس من قبيل المصادفة أن يكون المراهقون أكثر انجذاباً لهذه المنصات وتأثراً بها، لكن هنالك ثمة سبب بيولوجي صريح؛ فقد أظهرت دراسة (Sherman وزملاؤه، 2018) التي قارنت بين طلاب المرحلة الثانوية وطلاب الجامعة، أن نشاط النواة المتكئة عند مشاهدة الصور الرائجة يزداد مع التقدم في العمر لدى طلاب الثانوية، وهو نمط لم يُلحظ لدى طلاب الجامعة. يتوافق هذا مع ما وثّقته (Braams وزملاؤها، 2015) من أن حساسية المكافأة في الدماغ تبلغ ذروتها في سن السابعة عشرة تقريباً. يعود ذلك إلى أن قشرة الفص الجبهي الظهرية الجانبية (dlPFC) وهي مقر العقل المنطقي والرقيب الداخلي في الدماغ المسؤول عن التحكم في الدوافع وتقييم العواقب لا تكتمل نضجاً إلا في منتصف العشرينيات. فالمراهق يمتلك دائرة مكافأة في أوج نشاطها، تفتقر إلى رقيب عقلاني مكتمل يوازنها؛ وهو ما رصده (Sherman) وزملاؤه (2018) حين وجدوا أن الطلاب يُظهرون انخفاضاً في نشاط مناطق التحكم المعرفي عند مشاهدتهم للمحتوى الخطر على المنصة. 

تزداد الصورة تعقيداً كون التأثير لا يقتصر على تلقّي الإعجابات فحسب، حيث يمتد ليشمل منحها أيضاً. ففي دراسة أجراها (Sherman) وزملاؤه ونُشرت في مجلة (Social Cognitive and Affective Neuroscience) عام 2018، فحص الباحثون النشاط الدماغي لدى المراهقين عند الضغط على زر (إعجاب) لصور الآخرين. ازداد النشاط في النواة المتكئة والقشرة الأمامية البطنية الإنسية (Ventromedial Prefrontal Cortex)؛ وهي منطقةٌ في مقدمة الدماغ تربط المشاعر باتخاذ القرارات، وتنشط عند شعور الإنسان بالقبول الاجتماعي والتقدير بمجرد الضغط على زر الإعجاب. والأكثر إثارة أن معظم المشاركين وصفوا فعل الإعجاب بأنه استجابةٌ (تلقائية) وليست تأملية، مما يشير إلى أن الدماغ يُفعّل استجابة المكافأة قبل أن يعي الشخص قراره. إن هذه الحلقة المغلقة (منح الإعجاب وتلقّيه) التي تعمل على تحفيز دوائر المكافأة في كلتا الحالتين، هي ما يجعل هذه المنصات فضاءً مُحفِّزاً بشكل استثنائي يصعب الإفلات منه بمجرد الإرادة. 

الاستبعاد الرقمي، ألم حقيقي في الدماغ 

في عالم ما قبل الإنترنت، كان الطفل يشعر بالاستبعاد إذا لم يُدعَ إلى لعبة في الملعب، أما اليوم فيشعر المراهق بالاستبعاد إذا لم يحصل على ردٍّ لتعليقه، أو حين يُحذف من مجموعة ما. والمفارقة أن الدماغ لا يفرّق بين هذين النوعين من الاستبعاد. أثبت باير (Bayer) وزملاؤه في دراسة نُشرت عام 2018 في مجلة Scientific Reports، أن الاستبعاد الرقمي يُنشّط ما يُعرف بـ (مناطق الألم الاجتماعي) في الدماغ؛ وتحديداً القشرة الحزامية الأمامية الظهرية (Dorsal Anterior Cingulate Cortex)، التي تُعد جهاز الإنذار الاجتماعي المسؤول عن التنبيه عند الشعور بالرفض أو الإقصاء، والجزيرة الأمامية (Anterior Insula) التي تُترجم المشاعر إلى إحساس جسدي، مثل ضيق الصدر عند الحزن. والجدير بالذكر أن هاتين المنطقتين تنشطان في حالتي التعرض لحرارة النار أو الاستبعاد من مجموعة عبر واتساب؛ مما يدل على أن الدماغ يُعالج الألم الاجتماعي باستخدام الآليات العصبية ذاتها التي يُعالج بها الألم الجسدي. في المقابل، توصلت دراسة Masten وزملاؤها عام 2012 إلى نتيجة بالغة الأهمية وهي أن المراهقين الذين يقضون وقتاً أطول مع أصدقائهم في الحياة الواقعية يُظهرون نشاطاً أقل في مناطق الألم الاجتماعي عند تعرضهم للاستبعاد لاحقاً، فالعلاقات الحقيقية تعمل كدرع وقائي للدماغ. 

المحتوى الزائف وأثره على صورة الذات 

هناك جانبٌ آخر لا يقلُّ خطورة، يتمثَّل في كيفية تشكيل المحتوى الرقمي لنظرة المراهق إلى ذاته. فقد رصدت دراسة لـ Peters وزملائه (2021)، نُشرت في مجلة (Developmental Cognitive Neuroscience)، ظاهرةً لافتة؛ إذ يميل المراهقون الذين يقضون وقتاً أطول على منصات التواصل إلى تقييم أنفسهم بناءً على تصورهم لنظرة أقرانهم إليهم. وبذلك تتلاشى تدريجيّاً الحدود بين (ما أنا عليه) و(كيف يراني الآخرون)، وكأنَّ الهوية الذاتية باتت تُصاغ من الخارج لا من الداخل. ومما يثير القلق أن الدراسة كشفت عن ارتباطٍ بين كثافة استخدام هذه المنصات وتدني صورة الجسد لدى الفتيات، وهو أثرٌ لم يظهر بالشدة ذاتها لدى الذكور. كما أظهرت النتائج تغيراً وظيفيّاً في نشاط قشرة الفص الجبهي الإنسي المسؤولة عن معالجة مفهوم الذات مع زيادة الاستخدام؛ مما يشير إلى أن المنصات لا تكتفي بالتأثير على المزاج فحسب، لكنها تمتد لتؤثر في الآليات الدماغية المسؤولة عن تشكيل الإجابة على سؤال: (من أنا؟). 

قد يتفاجأ القارئ بأن هذا التأثير لا يقتصر على الوظائف العصبية المؤقتة فحسب، وأنما يمتد ليشمل التركيب الفيزيائي للدماغ ذاته. ففي دراسة لـ(Wilmer) وزملائه (2019) نُشرت في مجلة (Social Cognitive and Affective Neuroscience)، استخدم الباحثون تقنية (التصوير بانتشار الموتر) (Diffusion Tensor Imaging) وهي تقنية متقدمة تقيس حركة جزيئات الماء داخل الألياف العصبية للكشف عن سلامتها وكثافتها لفحص المادة البيضاء في الدماغ، وهي المسؤولة عن الربط بين مناطق الدماغ المختلفة. وجدوا أن ارتفاع وتيرة استخدام الهاتف ومنصات التواصل يرتبط بزيادة الاتصال في المادة البيضاء بين مناطق المكافأة، بينما يرتبط انخفاض الاستخدام بزيادة الاتصال في مسارات التحكم العقلاني. وببساطة؛ يؤدي الاستخدام المكثف إلى ترسيخ دوائر الرغبة والمكافأة هيكليا على حساب دوائر الحكم والتروي. وفي سياق متصل، أضافت دراسة (He) وزملائه (2018) بُعدا أعمق؛ حيث ربطت الإفراط في الاستخدام بتغيرات في الجسم الثفني (Corpus Callosum)، وهو حزمة الألياف العصبية التي تشكل الجسر الرئيسي الواصل بين نصفي الكرة المخية، إذ تمر عبره جميع الاتصالات بينهما. ويؤدي ضعف هذا الجسر إلى خلل في التنسيق بين جانبي الدماغ، مما ينعكس سلبا على قدرة الفرد على التحكم في دوافعه. 

ماذا يفعل الوالدان والمعلمون؟ الحل العلمي لا العاطفي 

لا تدعو الأبحاث إلى مصادرة الهواتف أو محاكمة المنصات، لكنها تطالب بفهم أعمق يُفضي إلى تدخل أكثر ذكاء. يُعدُّ قضاء وقت اجتماعي حقيقي ترياقا موثوقا؛ فقد أثبتت دراسة Masten وزملائها (2012) بوضوح أن التفاعل المباشر مع الأصدقاء يُقلل من حساسية الدماغ تجاه الاستبعاد الرقمي، حيث تبني العلاقات الحية مناعة عصبية لا توفرها أي تطبيقات رقمية. علاوة على ذلك، فإن فهم آلية عمل المنصات يُضعف من تأثيرها؛ فحين يدرك المراهق أن زر (الإعجاب) يُحفز إفراز الدوبامين في دماغه تماما كما تفعل قطعة من الشوكولاتة، يتغير أسلوب تعامله مع المنصة، ويصبح هذا الوعي أداة تمكين لا عائقا أمام المتعة. كما تُعدُّ القراءة النقدية للمحتوى مهارة أساسية؛ فما تعرضه منصات مثل إنستغرام ليس سوى انتقاء للحظات من حياة الآخرين، لا مرآة لواقعهم الكامل. إن تعليم الأبناء هذه الحقيقة وتدريبهم على طرح التساؤلات، مثل (هل تعكس هذه الصورة حياة كاملة؟)، يُفعّل مناطق التحكم العقلاني في الفص الجبهي، ويُضعف الاستجابة التلقائية التي رصدتها الأبحاث. وأخيرا، تُحدث الحدود الزمنية فرقا ملموسا؛ إذ لا يُطلب الهجر الكامل للمنصات لكونه أمرا غير واقعي، لكن تشير الأبحاث إلى أن الإدارة الواعية للوقت (لا التوقف القسري) هي ما يُحدث تغييرا حقيقيا في مستويات الرفاه النفسي. والمراهق الذي يستوعب أسباب وضع هذه الحدود يكون أكثر التزاما بها ممن تُفرض عليه دون توضيح. 

مسؤولية المجتمع، ما وراء الأسرة 

إن هذه الظاهرة أكبر من أن تُعالج في نطاق الأسرة وحدها، فالمدرسة والمنهج الدراسي والسياسات الإعلامية أجزاء جوهرية من هذه المعادلة. ثمة حاجة ملحة في مجتمعاتنا العربية لتبني برامج تربوية تُرسخ (الوعي الرقمي) منذ الصغر، على غرار ما بدأت تفعله دول أوروبية عدة بإدراج مهارات القراءة النقدية للمحتوى الرقمي ضمن مناهجها الرسمية. كما يتحمل صانعو المحتوى مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية؛ فالمحتوى المُزيَّف والمُضخَّم ليس مجرد (حرية تعبير) بمنأى عن التبعات، لكنه هو سلوك يُحدث أثرا عصبيا حقيقيا في أدمغة المشاهدين، لا سيما الأصغر سنا الذين لم تكتمل لديهم دوائر التحكم العقلاني بعد. 

لقد تطور الدماغ البشري على مدى آلاف السنين ليتلاءم مع بيئة اجتماعية محدودة النطاق، كالعائلة والقبيلة والمحيط الضيق. أما اليوم، فإنه يواجه بيئة تغمره بآلاف الإشارات الاجتماعية يوميا، أغلبها مُنتقى ومُعدَّل بعناية، مما يجعلها بعيدة عن واقع الحياة. سارة التي بدأنا بها ليست استثناء ولا دليلا على ضعف؛ فهي مراهقة يعمل دماغها وفق التصميم الطبيعي في بيئة لم يكن مُعدّا لها. حين تضع سارة هاتفها جانبا الليلة وتطفئ الضوء، لن يتوقف عقلها عن التفكير؛ لكن لو أنها أدركت ما تعرفه الآن عن آليات عمل دماغها، لربما تعاملت مع نفسها بمزيدٍ من الوعي والرحمة. لذا، تكمن مهمتنا كآباء ومعلمين ومجتمع في تزويدها بما تؤكده الأبحاث: الوعي بآليات عمل الدماغ، وتخصيص وقت للحياة الواقعية، وبناء علاقات حقيقية تُرمّم ما قد تفسده الشاشات. 

د . مازن العبيدي أستاذ مساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية