بشرى في الأفق: سلطات ترامب ونتنياهو وبوتين تتضاءل
ترجمة: أحمد شافعي
الاثنين / 30 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:57 - الاثنين 18 مايو 2026 21:57
هل أنتم محبطون من الحال الذي آل إليه العالم؟ وقلقون على المستقبل؟ لستم وحدكم فيما تشعرون به؛ فالتشاؤم من حال السياسة هو الوضع الطبيعي الجديد لدى شعوب الغرب.
ففي أوروبا والشرق الأوسط صراعات كبيرة وأضرار ناجمة عن تطرف اليمين واليسار، واقتصادات راكدة، وتفاوت، وفساد وإرهاب وعنصرية وشركات تكنولوجية ضخمة وانقراضات جماعية وأزمة مناخ تتسبب جميعا في كوابيس مشتركة.
وثمة أعداد متنامية من الناس يأبون ببساطة الاشتباك مع الأحداث الجارية من خلال وسائل الإعلام الإخبارية؛ إذ يجدونها باعثة للقلق الشديد (فأغلب الظن أنهم لا يطلعون على هذه المقالة).
وفي استطلاع أجراه معهد رويترز العام الماضي تبين أن 40% من المشاركين في قرابة خمسين بلدا قد قالوا إنهم أحيانا أو كثيرا ما يجتنبون الأخبار كلية، وكان الرقم قد بلغ 29% سنة 2017.
تعتري السلبية الشديدة الوجدان السياسي الأوروبي، والأمريكي الشمالي بدرجة أقل. ففي فرنسا، 90% ممن استطلعت شركة إبسوس آراءهم قالوا إنهم يعتقدون أن بلدهم ماض في مسار خاطئ.
وفي بريطانيا بلغت النسبة 79% وفي ألمانيا 77% وفي الولايات المتحدة 60%. يشعر الأوروبيون بالتشاؤم من الصورة العالمية الكبرى، خلافا للصينيين والسعوديين والنيجيريين المتفائلين بصفة عامة، وفقا لاستطلاع جلوبسكان.
وتبين لاستطلاع أجراه مركز بيو البحثي العام الماضي في خمسة وعشرين بلدا أن الأغلبية لا الجميع ترى الولايات المتحدة وروسيا والصين أكبر التهديدات الدولية.
وبالنسبة للأتراك على سبيل المثال إسرائيل هي الخطر الأساسي، وبالنسبة لليونانيين الأتراك هم الخطر.
ويزداد الأمر اختلاطا؛ فكندا من بلاد عديدة ترى أغلبيتها أن الولايات المتحدة هي الخطر الأساسي والحليف الأساسي معا.
وتشيع في الغرب ظاهرة خيبة الرجاء في الديمقراطية والسخط على القادة السياسيين. يزداد رسوخ الانقسامات، ويكافح كير ستارمر بنسبة تأييد تبلغ 27% وفقا لموقع ستاتيستا ـ من أجل البقاء.
أما المستشار الألماني فريدريتش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فأقل شعبية حتى من ذلك، إذ تبلغ نسبتا تأييدهما 19% و18% على الترتيب. انخفضت نسبة تأييد دونالد ترامب إلى 38% متخلفا عن خصمه اللدود رئيس الوزراء الكندي مارك كراني الذي تصل نسبة تأييده إلى 54%. وفي روسيا، تراجعت شعبية فلاديمير بوتين التي دأبت تاريخيا على أن تكون هائلة. والأرقام الخاصة بالرئيس الصيني شي جين بنج لا يعتد بها؛ لأن التعبير عن الرأي بحرية في الصين أمر خطير. أما الهند فتمثل استثناء؛ لأن الأغلبية تعشق رئيس الوزراء ناريندرا مودي عشقا صريحا. والبديل للانكفاء هو التحول إلى الأحزاب المناهضة للوضع القائم الراغبة عمليا في تدمير النظام.
وتتضمن هذه الأحزاب اليساريين الراديكاليين من قبيل حزب فرنسا الأبية، وتتضمن الشعبويين القوميين اليمينيين من أمثال حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب الإصلاح البريطاني وحركة ماجا الجمهورية في الولايات المتحدة. لكن أغلب ما تطرحه هذه الأحزاب هو الغضب لا الحلول. وحتى الآن، هذا الوضع أدعى للإحباط.
كيف لطوفان الكآبة ـ وانتفاء الأمل ـ هذا أن يتحول؟ لا بد من أمثلة إيجابية. ويتصادف أن لدينا تحولات مشجعة يمكن تبينها في ثلاثة بلدان تقع في مركز الاضطرابات العالمية الكبرى على مدار العقد الماضي وهي روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة.
فالتغيرات في القيادة تهمش بوتين وبنيامين نتنياهو وترامب -وهم كبار صناع العاصفة- وقد تقطع شوطا بعيدا في تغيير روح عصرنا.
وانظروا أولا إلى روسيا، حيث لم تبد الرئاسة الروسية قط بهذا الضعف منذ الغزو الشامل لأوكرانيا قبل أكثر من أربع سنوات.
فـ«العملية العسكرية الخاصة» التي تخيل أنها سوف تنتهي بنصر سريع امتدت لوقت أطول من حرب الاتحاد السوفييتي الوطنية العظمى ضد النازيين التي يشبهها بوتين بها، ولقي ما لا يقل عن 350 ألف مقاتل روسي مصرعهم فيها. وتكبد الحرب روسيا تكاليف اقتصادية يصعب الاستمرار في احتمالها، وتتفاقم هذه التكلفة بسبب العقوبات الغربية.
وارتفعت الأسعار والضرائب في الوقت الذي تحاول فيه القيود الرسمية على الإنترنت أن تخرس النقد، فضلا عن المذلة الوطنية المحتومة. فأوكرانيا لم تكتف فقط بالبقاء، من خلال استعمال تكنولوجيا الطائرات المسيرة الخلاقة، لكنها تجاوزت الصمود إلى التفوق في ميدان القتال. والمثير للحرج أن استعراض يوم النصر السنوي في الميدان الأحمر قد تقلص حجمه خشية استهدافه بضربات جوية.
تشير تقارير حديثة إلى أن بوتين -الذي قلل من ظهوره العلني ويقال إنه يواجه معارضة من زعماء المنافسين ومن «الهيئة الأمنية» التي تدعم بقاءه في السلطة- يخشى الاغتيال أو الانقلاب.
وقد تكون هذه معلومات غربية مضللة، ترمي إلى زعزعة استقرار نظام الحكم. وسواء أصدق ذلك أم لم يصدق، فإن تصريح بوتين الأسبوع الماضي بأن الحرب «في طريقها إلى الانتهاء» كان ردا، وإن يكن غامضا، على تصاعد الضغط الداخلي.
ونتنياهو -وهو الآخر شخصية أساسية في المواجهات الجيوسياسية والعسكرية الأخيرة- يعاني من مأزق قد يكون نهائيا. إذ أن أطول رؤساء الوزراء الإسرائيليين حكما يواجه انتخابات حاسمة؛ حيث تتوحد أحزاب المعارضة للإطاحة بائتلافه اليميني الحاكم.
ولا بد من إقامة انتخابات بحلول نهاية أكتوبر، ومن المقرر أن تتمحور كلها حول «بيبي». وتتضمن القضايا فشل نتنياهو في منع مذبحة السابع من أكتوبر سنة 2023 وما أعقبها من رفضه إجراء تحقيق مستقل، وعدم وفائه بوعده بـ«تدمير» حماس في غزة التي يواجه فيها اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وتقويضه المزعوم للقضاء الإسرائيلي وللعملية الديمقراطية في إسرائيل، ومحاكمته التي تكرر تأجيلها في اتهامات الفساد.
غير أن قرار ترامب الذي اتخذه مع نتنياهو بشن حرب كارثية في إيران، والفشل الأمريكي الإسرائيلي المشترك في القضاء على البرنامج النووي والصواريخ في إيران حتى الآن، والفوضى العالمية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، وسعيه في «حرب أبدية» أخرى واحتلال غير مشروع للبنان تصوغ آراء الناخبين، وقد يشق عليه أن ينجو من حكمهم.
أما ترامب ففي غنى عن الخصوم؛ لأنه هو نفسه أعدى أعداء نفسه؛ وبتجاهله الصارخ للمصاعب الاقتصادية التي فرضها فشله في إيران على الأمريكيين من ذوي الدخول المنخفضة، فإنه يخون أولئك الذين انتخبوه. أما سياسة ترامب الخارجية المارقة ـ بحروبه التجارية، وإنكاره للأزمة المناخية، وإساءته معاملة حلفائه في أوروبا والناتو، وتهديده بغزو إمبريالي، وتملقه للطغاة (كما رأينا مجددا في بكين) ـ فقد أسهمت كثيرا في استياء الغرب، وانتشار التشاؤم والإحساس باليأس.
لكن ليست هذه هي المواضيع التي تحدد الانتخابات الأمريكية. إنما الاقتصاد كالعادة. ولأن ترامب يفسده هو الآخر، فثمة فرص كبيرة لأن يفقد الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي بنوفمبر سيطرتهم على مجلس النواب وربما على مجلس الشيوخ أيضا.
ومن شأن فوز الديمقراطيين أن يقلل قدرة ترامب على إلحاق الضرر، وقد يبشر بعزله. ففي الأفق شبح البطة العرجاء -أي الرئيس متضائل السلطة في شهور رئاسته الأخيرة.
إذ ما تمت إقالة بوتين، وهزيمة نتنياهو، ونزع أنياب ترامب وإلهاؤه، سوف يختلف العالم اختلافا كبيرا. صحيح أنه حتى في ظل كرملين ما بعد بوتين، قد يظل نفس النظام الفاسد القمعي المدمر قائما، لكن أي خلف رئاسي يحتمل أن يحاول إنهاء حرب بوتين المدمرة لصالح روسيا إن لم يكن لصالح أوكرانيا. وفي إسرائيل، ليس من شأن رحيل نتنياهو أن يغير هوس ما بعد 2023 بالأمن، لكن بافتراض استبعاد الأحزاب اليمينية المتطرفة من الحكومة التالية، من المأمول أن يتراجع ما نشهده اليوم من استنزاف واضطهاد وتشريد للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. لقد تأخرت إسرائيل المعزولة ملوثة السمعة في إجراء المراجعة الوطنية لطبيعة البلد الذي تطمح أن تكون إياه. ونتنياهو، شأن بوتين، تأخرت كثيرا محاسبته أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ما الذي يخبئه مستقبل ما بعد انتخابات التجديد النصفي لترامب؟ قد يطاح به دستوريا من السلطة،وقد يبقى، ليثرثر ويهذي ويفقد أهميته باطراد، وقد يظل يهدد بالمزيد من «التدخلات» العسكرية الخارجية. ولكن حينما تستأنف القافلة مسيرها، حتى أمثال الإسكندر ونابليون يتخلفون عن الركب.
ثمة أمر واحد مؤكد: نهاية عهد ترامب بما فيه من أخطاء سوف يساعد على تطهير العالم من السموم. فبالتخلص من سمومه وسموم رفيقيه في السلاح، سوف يتسنى لشعوب الغرب المحبطة والمكبوتة أن تتنفس من جديد. سوف يتجدد الأمل والثقة. وستتوافر أخيرا أسباب للبهجة.
سيمون تيسدال معلق في الشؤون الخارجية في الجارديان.