عمان العلمي

زراعة القمح وعلاقتها بالأمن الغذائي: تحليل الفجوة الغذائية وآفاق الاستدامة

د. سيف بن علي الخميسي

 

يتبوأ القمح مكانة محورية في منظومة الأمن الغذائي العالمي، إذ يشكل المصدر الأساسي للغذاء لما يزيد عن 2.5 مليار نسمة حول العالم، ويسهم بنحو عشرين في المائة من إجمالي السعرات الحرارية المستهلكة عالمياً. ويتركز إنتاج القمح عالمياً في عدد محدود من الدول التي تمتلك مزايا نسبية من حيث اتساع الرقعة الزراعية وملاءمة الظروف المناخية. غير أن تحليلاً أعمق لبيانات الإنتاجية يكشف عن تباطؤ ملموس في معدلات النمو السنوية للإنتاجية العالمية للقمح، التي تراجعت من متوسط 2.5% سنوياً خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى ما دون 1% حالياً. ويعزو الباحثون هذا التراجع إلى جملة من العوامل المترابطة، أبرزها: تشبع الإمكانات الوراثية للأصناف التقليدية، وتدهور جودة التربة الزراعية، وتزايد حدة الإجهادات البيئية المرتبطة بالتغير المناخي، وتراجع الاستثمارات في البحوث الزراعية في العديد من المناطق المنتجة. 

أظهرت دراسة حديثة نشرتها منصة Carbon Brief أن إنتاجية القمح العالمية أصبحت أقل بنحو 10% مما كانت ستكون عليه في غياب تأثيرات التغير المناخي. وتتجلى هذه التأثيرات في ثلاثة مظاهر رئيسة من أهمها ارتفاع درجات الحرارة الذي يعجل بنضج المحصول ويقلص فترة امتلاء الحبوب، وزيادة تواتر موجات الجفاف والفيضانات التي تُلحق أضراراً مباشرة بالمحصول، وانتشار آفات وأمراض جديدة في مناطق لم تألفها. 

تزامناً مع إطلاق خطة دعم القمح المحلي في مطلع عام 2023م، شهدت زراعة القمح في سلطنة عمان تحولاً نوعياً في السنوات الأخيرة. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، بلغ إجمالي إنتاج القمح في الموسم الزراعي 2024/2025 نحو 10 آلاف طن، بقيمة تسويقية تجاوزت 3 ملايين ريال عُماني، وبمساحة مزروعة قدرها 8,327 فداناً، مقارنة بحوالي 7 آلاف طن ونصف في الموسم السابق. ونظراً لمناخها المعتدل والأمطار الموسمية، تُمثل مساهمة ظفار 76% من إجمالي الإنتاج الوطني. فيما تأتي محافظة الظاهرة في المرتبة الثانية، تليها الداخلية، فيما يُنتج الباقي في محافظات شمال وجنوب الباطنة والبريمي ومسقط. 

تواجه زراعة القمح في سلطنة عمان تحديات هيكلية تحد من التوسع في الإنتاج، أبرزها ندرة المياه والاعتماد على المخزون الجوفي غير المتجدد. كما تستهلك زراعة القمح كميات كبيرة من المياه، مما يضعها في منافسة صعبة مع أولويات تخصيص الموارد الشحيحة. ويزيد من حدة التحديات ارتفاع درجات الحرارة صيفاً مما يقصر موسم النمو، إلى جانب محدودية خصوبة التربة وارتفاع ملوحتها، وضعف انتشار تقنيات الري الحديثة بين صغار المزارعين. وتقوم خطة دعم القمح المحلي على ثلاثة محاور: تمكين المزارعين بتوفير بذور محسنة مدعومة، تقديم الدعم الفني والإرشادي مع توفير آلات الحصاد مجاناً، وضمان التسويق عبر شراكة استراتيجية مع شركة المطاحن العُمانية لشراء المحصول. وقد استثمرت الشركة أكثر من ستة ملايين ريال عماني في شراء القمح المحلي بين عامي 2021 و2024م. كما تواصل الوزارة جهودها البحثية لاستنباط أصناف متكيفة مناخياً، والتنسيق مع وزارة الإسكان لاستحداث أراضٍ زراعية جديدة بنظام حق الانتفاع. 

توجد فجوة غذائية واسعة في سلطنة عُمان؛ حيث لا يغطي الإنتاج المحلي سوى 2% من الاحتياج. ففيما تنتج سلطنة عمان 10 آلاف طن، يتجاوز الاستهلاك السنوي 450 ألف طن، الذي تسده عبر الاستيراد من أستراليا بشكل أساسي. فيما تسعى لتنويع المصادر عبر اتفاقية استيراد 110,000 طن من القمح الروسي عام 2025م، مع طاقة تخزينية تفوق 200 ألف طن لدى شركة صلالة للمطاحن. 

يمثل الاعتماد شبه الكلي على الواردات نقطة ضعف استراتيجية، فهي خاضعة لتقلبات الأسعار العالمية والاضطرابات الجيوسياسية كما حدث خلال الحرب الروسية الأوكرانية. وتتفاقم المخاطر مع توقعات تضاعف الطلب العالمي بحلول 2050م وتباطؤ الإنتاجية وتأثيرات التغير المناخي. ورغم المحاولات الواعدة، يبقى الاكتفاء الذاتي بعيد المنال نظراً لمحدودية الموارد الطبيعية في سلطنة عمان. 

تكتسب التقنيات الزراعية الحديثة أهمية استراتيجية في تعزيز إنتاج القمح بسلطنة عمان في ظل التحديات المناخية والمائية. وتعد الزراعة الذكية مناخياً نهجاً متكاملاً يهدف إلى رفع الإنتاجية المستدامة وتعزيز تكيف المحصول مع الإجهادات المناخية عبر تعديل مواعيد الزراعة واعتماد الزراعة الحافظة، مما يحسن كفاءة استخدام المياه بنسبة تصل إلى 30% ويرفع الإنتاجية بنحو 15-25%. وبالتوازي، يمثل استنباط أصناف محلية متحملة للجفاف والحرارة والملوحة ركيزة أساسية لتعزيز الإنتاج في البيئات الهامشية؛ حيث تفتح تقنيات تحرير الجينات الحديثة مثل «كريسبر» آفاقاً واعدة لتسريع عملية التطوير الوراثي، وهو ما تعمل عليه مراكز البحوث في سلطنة عمان مع الحاجة لتعزيز الشراكات مع مراكز دولية كإيكاردا وسيميت. كما تبرز تقنيات الري الحديث كحل أمثل لتحقيق وفورات مائية تتراوح بين 30 و60% وزيادة إنتاجية تصل إلى 30%، فضلاً عن تحسين كفاءة استخدام الأسمدة والحد من تملح التربة. 

تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) التي توثق أهمية التنوع البيولوجي الزراعي ومخاطر فقدان السلالات الأصيلة، بأن بذور القمح المحسنة تمثل ثمرة للتطور التقني الذي تقوده شركات عالمية عملاقة تهدف إلى تعظيم الإنتاجية ومقاومة الآفات، إلا أن هذا التوجه أثار مخاوف تتعلق بمخاطر الاحتكار وتركيز السيطرة على مفاصل الغذاء العالمي في يد قلة من المؤسسات التي تفرض حقوق الملكية الفكرية على السلالات، الأمر الذي دفع بالمزارعين لحفظ الأصناف القديمة من الاندثار. ويأتي هذا التحرك لاستعادة السيادة الغذائية وحماية التنوع البيولوجي الذي تضمنه البذور التقليدية لقدرتها العالية على التكيف مع البيئات المحلية ، مما يجعل التمسك بهذه السلالات ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الأمن الغذائي بعيداً عن قيود الشركات والتبعية الاقتصادية. 

تقدم التجربتان السعودية والإماراتية في زراعة القمح دروساً متباينة ومتكاملة للأمن الغذائي في البيئات الجافة. حيث انطلقت التجربة السعودية في إنتاج القمح خلال أواخر سبعينيات القرن الماضي ضمن رؤية طموحة لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات. وقفز الإنتاج آنذاك إلى مستويات غير مسبوقة خلال سنوات قليلة، وكان المحرك الأساسي لهذا التوسع سياسة الدعم الحكومي السخي التي قامت على شراء المحصول من المزارعين بأسعار بلغت 433 دولاراً للطن، وهو ما يعادل ستة أضعاف الأسعار العالمية آنذاك، مما حفز المزارعين على التوسع الكبير في زراعة القمح. وبحلول مطلع تسعينيات القرن العشرين، بلغ الإنتاج ذروته التاريخية عند 4.1 مليون طن سنوياً ، متجاوزاً احتياجات الاستهلاك المحلي بفارق كبير ومحولاً المملكة إلى مصدر للقمح على الساحة الدولية، وقد تحقق ذلك بفعل التوسع الهائل في المساحات المزروعة التي نمت إلى أكثر من 900 ألف هكتار بحلول 1993م، فيما ارتفعت الإنتاجية من 2.2 إلى 5.19 طن للهكتار بحلول 2005م، واستخدم القمح في بعض الفترات أداة للقوة الناعمة عبر إرسال شحنات إلى دول مثل الاتحاد السوفيتي السابق. 

غير أن هذا النجاح الزراعي الباهر جاء بتكلفة بيئية باهظة، إذ اعتمدت زراعة القمح في صحراء المملكة بالكامل على المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة عبر أنظمة الري المحوري، مما أدى إلى استنزاف سريع لطبقات المياه العميقة، ودفع الحكومة السعودية إلى تبني سياسة التقليص التدريجي عبر إيقاف الصادرات وخفض حصص الإنتاج المضمونة للمزارعين، وصولاً إلى إعلان خطة التخلص التدريجي الكامل من زراعة القمح بحلول عام 2016م، وهو ما تحقق فعلياً لتتوقف بذلك حقبة الإنتاج التجاري واسع النطاق وتعود المملكة إلى استيراد كامل احتياجاتها. تتجه المملكة حالياً إلى نهج متوازن يجمع بين الاستثمار الزراعي المسؤول في الخارج ، وتعزيز البحث والتطوير في مجال المحاصيل المقاومة للتغير المناخي من خلال شراكات مع مراكز دولية مثل المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح، إضافة إلى بناء مخزون استراتيجي وتعزيز سلاسل الإمداد العالمية. 

في حين تقدم الإمارات نموذجاً تقنياً متقدماً وملفتا للأنظار يركز على توظيف الابتكار لتجاوز محدودية الموارد الطبيعية، حيث انطلقت مزرعة «مليحة» للقمح في إمارة الشارقة عام 2022م على مساحة أولية بلغت 400 هكتار، بهدف تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات التي كانت تبلغ نحو 330 ألف طن سنوياً للإمارة وحدها، وسرعان ما توسعت المزرعة لتصل إلى 1,428 هكتاراً بحلول الموسم الثالث عام 2025م، مع خطة لإنشاء مزرعة جديدة لمضاعفة الإنتاج. وقد حققت المزرعة قفزات إنتاجية متسارعة من 1,600 طن إلى 6,000 طن في الموسم الثالث، وصولاً إلى إجمالي 15,200 طن سنوياً يكفي لتحقيق اكتفاء ذاتي كامل لإمارة الشارقة، فيما سجل قمح «سبع سنابل» نسبة بروتين بلغت 19.3% متجاوزاً المعايير العالمية. 

قامت هذه التجربة على بنية تحتية متطورة من البحث العلمي والابتكار التقني، حيث أُنشئ أول مختبر متخصص للتقنية الحيوية للقمح في الإمارات لتقييم أكثر من 1,450 سلالة، وأُطلقت برامج لاستنباط أصناف محلية مثل «الشارقة 1» المصمم لتحمل الملوحة والجفاف، إلى جانب تطوير تقنية «النانو» المنتجة محلياً من مواد طبيعية لتحسين خصوبة التربة واحتفاظها بالمياه تحت ظروف الإجهاد المائي، كما أسهمت أنظمة الري الذكية في خفض استهلاك المياه بنسبة 30% عبر تطبيق «الوادي 365» الذي يتيح إدارة الري عن بعد ، مع توظيف تقنيات التصوير الحراري عبر الأقمار الصناعية لتقديم تحديثات يومية حول صحة المحاصيل. 

ولم تقتصر التجربة على الإنتاج الزراعي فحسب، بل امتدت لتشمل بناء سلسلة قيمة متكاملة تجسدت في تدشين مجموعة منتجات عضوية من دقيق «سبع سنابل» ، وصولاً إلى إطلاق علامة «قند» الفاخرة ، مع الحصول على شهادات دولية وجائزة أفضل ابتكار في الاستدامة على مستوى الدولة. استند المشروع إلى دعم حكومي متكامل ، مما جعل هذه التجربة نموذجاً رائداً يُثبت إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي في البيئات الصحراوية القاسية عبر توظيف العلم والتكنولوجيا المتقدمة. 

ومن استعراض التجارب الإقليمية، يمكن استخلاص ثلاثة دروس رئيسة لتطبيقها في السياق العُماني. يتمثل الدرس الأول في ضرورة تحقيق التوازن بين الطموح والاستدامة، إذ ينبغي أن تكون استراتيجية تعزيز إنتاج القمح متوازنة، وتضع في اعتبارها استدامة الموارد المائية على المدى الطويل. أما الدرس الثاني فيتمثل في توظيف التكنولوجيا كمضاعف للإنتاجية، حيث تمتلك التقنيات الحديثة كالزراعة الذكية مناخياً والري فائق الكفاءة والأصناف المحسنة القدرة على تحقيق قفزات في الإنتاجية دون الحاجة إلى التوسع الأفقي الكبير في المساحات المزروعة. وينصرف الدرس الثالث إلى أهمية تنويع مصادر الأمن الغذائي، إذ ينبغي ألا تقتصر استراتيجية الأمن الغذائي على تعزيز الإنتاج المحلي فحسب، بل أن تشمل أيضاً بناء مخزون استراتيجي كافٍ، وتنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار في سلاسل الإمداد العالمية. 

د. سيف بن علي الخميسي مدير مركز بحوث النخيل والإنتاج النباتي بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه