أفكار وآراء

أجهزة ذكية أسلحة رقمية

كلما تطورت تكنولوجيا الأجهزة الرقمية الذكية تصاعدت التحذيرات حول حماية الخصوصية، بل إنها تجاوزت ذلك إلى حماية الحياة ذاتها حين تصبح الأجهزة المحمولة قنابل موقوتة للخصم نحملها عنه تسهيلًا لمهمته في معرفة تحركاتنا، ورصد أنشطتنا وأماكن تواجدنا. 

وإن كانت هذه المحاذير المكثفة تحيط بدائرة العامة من الناس فكيف بها مع رؤساء الدول، القادة العسكريين والمدنيين، والشخصيات المؤثرة اقتصاديا واجتماعيا ودينيا؟! 

كيف يمكن للمرء اليوم التخلص من هاتفه الذكي أو جهازه المحمول أو ساعته الرقمية؟ خاصة إذا كانت تلك الأجهزة هي مخزن أسراره ومستودع تفاصيله اليومية بداية من هويته مرورا بمتعلقاته الشخصية من صور ومقاطع فيديو وتفاصيل يومية لحياته وليس انتهاء بوضعه الصحي ورصيده المالي. 

الكثير من الأجهزة الذكية حولنا اليوم ما هي (في حقيقتها) إلا أدوات محتملة لمشاريع تجسس وتعقب وتتبع، فكيف يأمن الإنسان للجانب الإيجابي من ذكاء الآلة دون تفكير في جانبها السلبي الشرير؟ 

كيف يمكن العيش بسلام دون استحضار هاجس انتهاك الخصوصية، ومشاركة اليوميات مع جهات غير مأمونة يمكنها استغلال بياناتك سلاحًا لتوجيهك أو تهديدك أو حتى تصفيتك أحيانا؟ 

وماذا إن جاء اليقين بين قوتين عظميين عبر زيارة لوفد رسمي يتزعمه الرئيس الأمريكي شخصيا، صحبة شخصيات أمريكية مؤثرة ضمن الوفد الزائر للصين؟ تلقى الوفد تحذيرات من أخطار سيبرانية قبل الرحلة، خصوصا مع الوضع الراهن متضمنا حربا تمثل أمريكا أحد أطرافها كما تمثل الصين( البلد المضيف) حليفًا لطرفها الآخر. 

وعبر مصادر كشفت لشبكة ال CNN بأن أعضاء الوفد، بمن فيهم عناصر من جهاز الخدمة السرية، زُوِّدوا بهواتف وأجهزة مؤقتة بأرقام جديدة، وحُذِّروا من إمكانية اختراق أجهزتهم أثناء وجودهم في الصين، كما نصحوا بترك أجهزتهم الشخصية إما في منازلهم، أو إغلاقها ووضعها في حقائب مُحكمة الإغلاق على متن الطائرات الحكومية في المطار، حسابات جديدة لتطبيقات مشفرة، تفريغ الهواتف من الذاكرة وقوائم المحادثات، لا شبكات واي فاي ولا شواحن هواتف صينية، وعند الضرورة لإجراء محادثات حساسة تتعقد الإجراءات حدّ الاعتماد على منشآت معلومات حساسة مؤقتة، تُعرف باسم SCIFs، وهي غرف آمنة مصممة لمنع التنصت والمراقبة الإلكترونية، يتم إنشاؤها داخل الفنادق أو مواقع خاضعة للسيطرة خلال الزيارات الدبلوماسية الكبرى. 

كل هذه الإجراءات الوقائية إضافة إلى أخرى بعد انتهاء الوفد من الزيارة الرسمية تمثلت في إلزام أعضاء الوفد الأمريكي على التخلص من جميع المواد التي حصلوا عليها خلال الزيارة قبل مغادرة الصين، حتى البطاقات التعريفية والهواتف المؤقتة والشارات الرسمية، بوضعها في سلة وُضعت أسفل سلم الطائرة الرئاسية. 

احترازات وقائية يعرفها الطرفان لما بينهما من تنافس في قطاعات مختلفة، لعل القطاع الرقمي -مرتبطا بالذكاء الاصطناعي- أهمها ضمن هذا السياق. 

ورغم نفي الصين لادعاءات الجانب الأمريكي حول إمكانية الاختراق والتتبع لوجود قوانين صارمة لحماية الخصوصية إلا أن كل هذه التدابير متوقعة بين الطرفين المتنافسين، إذا ما افترضنا ضرورة وجودها أصلا بين الحلفاء والأصدقاء والشركاء؛ إذ لا صديق دائم في عالم السياسة ولا حليف مؤتمن، ولا بد للعاقل من تدبر دروس هذه المرحلة بتأمل ورويّة تتطلبها وتعكس معطياتها. 

وفي كل تلك التدابير آية ودروس للمتلقي الواعي للمتضمن فيها من اعتراف بخطورة الأجهزة الرقمية ويقين إمكانية استهداف حامليها من جهات قد تكون مستفيدة بأي شكل. 

ختاما: لم نكن بحاجة لدليل على أخطار ثغرات الأمن السيبراني شخصيا ومؤسسيا ودوليا، لكنها مجموعة أدلة تأتينا تباعًا مُؤكدةً ضرورة تعزيز دفاعات الأمن السيبراني، ولا بأس في ذلك من العودة للوسائل التقليدية إن اقتضت الحاجة (كما فعل أعضاء الوفد الرئاسي الأمريكي باستخدامهم الأوراق عوضا عن الألواح الرقمية) مساحة آمنة -على قدمها- بعيدا عن قلق العصر الرقمي غير الآمن على جِدّتِه. 

وإن كان باحثو هذا العالم يبشرون بحروب رقمية قادمة فإن بناء الدفاعات الأمنية متطلب مُلِّحٌ وطنيا اليوم أكثر عن أي وقت سابق حفاظا على أمن البلاد متمثلا في قطاعات حيوية باتت تعتمد التقنية في كل شيء؛ لا بد من قراءة وجهيْ العُملة واتقاء جانبها المعتم بضوء الحذر، باذلين درهم الوقاية قبل قنطار العلاج.