أعمدة

كيف نستعيد توازننا المالي بعد العيد؟

مع العودة من إجازة العيد، يبدأ الكثيرون بتفحص حساباتهم المصرفية بنوع من القلق، خاصة حين يكتشفون أن المصروفات قد خرجت عن السيطرة تحت وطأة حجة «العيد مرة في السنة». 

هنا يبدأ لوم الذات على غياب التخطيط أو عدم الالتزام بالخطط الموضوعة. لكن علينا ألا ننسى أن هذه المناسبات هي مواسم للمشاركة والبهجة قبل أن تكون مواسم للصرف؛ فنحن ننفق لنسعد من حولنا، ونكرم أحبابنا، ونوثق الروابط الاجتماعية في لحظات لا تتكرر كثيرًا. 

المشكلة الحقيقية لا تكمن في «الإنفاق» بحد ذاته، بل في «المحاكمة القاسية» التي نمارسها ضد أنفسنا بعده. فمن الطبيعي أن ترتفع المصروفات في العيد، سواء على الملابس أو العيديات أو الالتزامات الاجتماعية؛ فهي جزء أصيل من نسيجنا الثقافي. ليس كل إنفاق زائد هو خطأ، وليس كل خروج عن الميزانية دليلَ سوء إدارة يستدعي جلد الذات. 

فلا جدوى من البكاء على اللبن المسكوب، فالشعور بالذنب لن يعيد المال، بل سيستنزف طاقتك فقط. والأجدى هو تخصيص ساعة واحدة بعد الإجازة لمراجعة ما حدث بهدوء. قم بتصنيف مصروفاتك الاستثنائية إلى: ضرورية، واجتماعية، واندفاعية. ستتفاجأ غالبًا أن الجزء «الاندفاعي» ليس بالضخامة التي تخيلتها، وهذا الإدراك وحده كفيل بمنحك الشعور بالسيطرة، فالهدف ليس رصد الأخطاء، بل استكشاف فرص التحسين. 

بعد ذلك، ابدأ بوضع خطة تعافٍ واقعية. إن أسوأ ما يمكن فعله بعد مواسم الإنفاق هو اتخاذ قرارات تقشفية متطرفة، مثل الإلغاء الكامل للأنشطة أو الوقف التام للمصروفات؛ فهذه الصرامة تولّد ضغطًا نفسيًا ينتهي غالبًا بإنفاق تعويضي لاحق. 

عوضًا عن ذلك، اجعل شهرك القادم شهرًا للتوازن؛ اخفض المصروفات المتغيرة بنسبة بسيطة (15–20%)، وقم بتأجيل أي مشتريات كبيرة لمدة 30 يومًا؛ فهذه المهلة كفيلة بإعادة ترتيب أولوياتك. والأهم من ذلك، ابدأ بوضع بذرة لـ»صندوق المواسم»، ولو بمبلغ رمزي شهريًا، لتخفف عنك ضغط المناسبات القادمة. الفكرة هنا ليست في الوصول إلى الكمال، بل في الاستمرارية. 

إن هذه الجلسة مع الذات ستكشف لك الكثير عن علاقتك بالمال وأنماطك السلوكية: هل تنفق لإرضاء الآخرين؟ هل تشعر بالحرج من وضع سقف للعيديات؟ هل تقيس قيمتك بقدرتك المادية؟ هي أسئلة للوعي لا للجلد، فعندما نفهم دوافعنا، نصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متزنة في الأعوام القادمة.