أفكار وآراء

المكانة وإعادة التموضع بعد الحرب: سلطنة عمان نموذجا

بكل معنى متفق عليه في السياسة، فإن المنطقة تشهد مفترق طرق تاريخيا خلقه الصراع الشامل الذي أشعلت ناره الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن المحتم أن أي بيئة صنع قرار يقظة لا بد أن تلاحظ أنه ستنشأ قواعد لعبة جديدة في التنافس على النفوذ والمكانة وحيازة مقعد على طاولة التفاوض على المستقبل في الخليج والعالم العربي والشرق الأوسط. 

وبكل معنى متفق عليه في الاستراتيجية فإن صيغ أمن إقليمي متعارضة ستطرح لاستبدال الصيغ الحالية التي أثبتت جميعها بصورة من الصور أنها لم تستطع توفير الأمن والاستقرار في نصف القرن الأخير. 

إن صيغ مجلس التعاون الخليجي، أو صيغ الاعتماد المطلق على مظلة الحماية الخارجية وقواعدها المحلية، أو الصيغ الأخطر الأحدث للاستعانة بالعدو التاريخي وإقحامه في قلب منطقة الخليج ستتعرض كلها لتغييرات جوهرية وربما جراحية اتساعا أو انكماشا أو ربما حتى اختفاء للبعض منها. 

ولهذا فإن الصراع الجاري الآن في مرحلة الهدنة الهشة في الخليج بين إيران والولايات المتحدة ليس فقط صراعا على إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية فحسب بل هو صراع بالأساس على ما ستؤثر به هذه التسوية على التموضع الاستراتيجي والمكانة السياسية والدور الذي ستقود إليه هذه التسوية أطراف الصراع دول المنطقة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. 

التحركات السياسية والخطاب السياسي وصفقات التسلح التي يُعلن عنها ونمط تبادل الاتصالات والزيارات المكثف من قبل كل الأطراف لا تتعلق بالحاضر بقدر ما تتعلق بالمستقبل وتأمين المكانة بعد أن تسكت المدافع. 

وبكل معنى كرسته الخبرة التاريخية فإن التسوية السياسية التي ستنتهي بها هذه الحرب ستكون عنصرا حاسما في تحديد مكانة كل دولة في الإقليم بعدها كما حددت التسوية التي انتهت إليها اتفاقيات يالطا وبوتسدام بعد الحرب العالمية الثانية صورة أوروبا وإلى حد كبير صورة النظام الدولي والعلاقات الدولية حتى سقوط الاتحاد السوفييتي السابق. 

إذا كانت التسوية هي تسوية متوازنة win /win solution بتعبير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أو تسوية تقديم تنازلات متبادلة وليس فرض استسلام تام على طرف وتحقيق نصر مطلق لطرف آخر، فإن مكانة الدول في الإقليم ستعكس قيمتها الجيوسياسية، والمواقف الصحيحة التي اتخذتها تجاه الصراع، والفرص الجديدة التي فتحتها لها الأزمة لتعظيم مصالحها الوطنية. 

إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق نصر عسكري حاسم وصمود إيران وثبات نظامها السياسي وعدم انهياره وقدرة طهران عبر إغلاق مضيق هرمز على تهديد الاقتصاد الدولي وإمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية منعت واشنطن من تحقيق أهدافها وبالتالي لا تستطيع أن تحصل بالمفاوضات ما عجزت عن الحصول عليه بالحرب. 

كذلك فإن إيران تضررت ضررا بليغا من التفوق العسكري الكاسح سواء في بنيتها التحتية أو صناعتها العسكرية والمدنية بما يصل لحدود ربع تريليون دولار وبما تحتاج لسنوات لإصلاحها وتعويض خسائرها وهي تعاني من الحصار البحري المضاد المفروض، ومن ثم لا يجب أن تأمل في تسوية تملي فيها سقفا عاليا من المطالب، بل بحكم ذلك ستقدم إيران تنازلات ربما تزيد عما قدمته في صفقة الاتفاق النووي مع أوباما ٢٠١٥ الذي رعته سلطنة عمان. 

هذا سيناريو تسوية له أرجحية على سيناريو تسوية استسلام على غرار معاهدة سان فرانسيسكو التي قننت استسلاما تاما لليابان ١٩٥١ بعد الحرب العالمية الثانية أو معاهدة فرساي التي قننت استسلام ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. 

ولكنه لا يلغي سيناريو احتمال العودة للحرب إذا لم تكف خبرة نحو ٨٠ يوما من النزاع لأن يفقد الأمريكيون بعد الأمل في إخضاع النظام الإسلامي في طهران واستسلام قادته. 

في سيناريو تسوية عاقلة ومتوازنة للمواجهة الأمريكية الإيرانية ستتراجع بقوة سيناريوهات نتنياهو في أن تتحول إسرائيل للقوة الإقليمية الوحيدة المهيمنة على الإقليم وأوهام اتساع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية نتيجة للحرب مع إيران، كما ستتراجع أحلامه في حلف يقوده والقادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» يشمل دول الخليج العربية والهند وقبرص واليونان وآخرين. 

وستتراجع معه تصورات الأطراف الإبراهيمية -التي توثق تحالفها مع إسرائيل في هذه الحرب- في أن تخرج متفوقة على باقي دول الخليج كنموذج سياسي. 

إذا قدمت تسوية متوازنة تستجيب لمصالح الإقليم العربي في الخليج وخارجه وليس فقط المصالح الأمريكية والإسرائيلية أو حتى الإيرانية فقط، فإن التموضع المستقبلي والمكانة السياسية لدول في المنطقة سيزداد والعكس صحيح لدول أخرى. 

تعد سلطنة عمان بالمعايير الموضوعية الصارمة واحدة من الدول المتاح لها أن تزيد مكانتها السياسية المتفق عليها أصلا بشكل أكبر بعد الحرب، يضمن لها ذلك صوتا أعلى ونفوذا أكبر في صياغة قواعد اللعبة الجديدة وصيغة الأمن الإقليمي التي ستستبدل أو ستطور واللذين تمت الإشارة إلى أنهما حتما سيحدثان سواء عبر التطور التدريجي أو الطفرة بعد انقشاع غبار المعارك. 

تتلخص هذه المعايير، والترتيب هنا لا يعكس بالضرورة الأهمية النسبية لكل عامل، كما أنه يحتاج لتفصيل أكبر في المستقبل. 

الموقف السياسي الصحيح من الأزمة: 

اتصف الموقف السياسي العماني بدرجة واضحة من الدقة الأخلاقية والسياسية. ما زالت هناك قيمة في العلاقات الدولية وفي مكانة الدول للموقف الذي يتسق مع الحقيقة والحق. 

ولقد انحازت عمان لكليهما إذا صح التعبير؛ فقبل ساعات من قيام الحرب على إيران أبلغت سلطنة عمان العالم على لسان وزير خارجيتها السيد بدر بن حمد البوسعيدي أن المفاوضات التي كانت وسيطها الوحيد قد توصلت لمشروع اتفاق يمنع الحرب بين أمريكا وإيران وأن إيران قدمت تفاهمات غير مسبوقة بما في ذلك الاستجابة للمطلب المعلن للرئيس ترامب بعدم امتلاك سلاح نووي «تعهد الإيرانيون بعدم امتلاك أي مواد نووية تؤدي لصنع سلاح نووي». 

ووفر هذا الموقف العماني أرضا لموقف الرأي العام الدولي وحتى الأكثر حضورا في الرأي العام الأمريكي الذي اعتبر أن الحرب غير ضرورية ولا تحقق مصالح العالم ولا دول الخليج -حلفاء واشنطن التقليديين- ولا حتى مصالح أمريكا نفسها، ولكن فقط هي حرب ومصالح إسرائيل ونتنياهو. 

شكل هذا الموقف قاطرة سياسية أثرت إيجابا في مواقف دول خليجية وعربية بدأت الأزمة بروح مختلفة وحدت من جموح أطراف أخرى في الخليج دفعها ارتباطها الإبراهيمي إلى العمل على توسيع نطاق الحرب مع إيران حتى إكمال مهمة ما يسمونه بإسقاط النظام الإيراني. 

موقف عمان ساهم في ترجيح أن تكون الأغلبية النسبية إقليميا تتجه لخيار رفض توسيع الحرب وتفادي الوقوع في فخ نتنياهو المنصوب لجر الخليج ومصر إلى حرب مع إيران فيستنزفون بعضهم، وتخرج منها إسرائيل قوة منفردة وسيدة على الجميع بالحديد والنار. 

الموقع الجيوسياسي: من كانوا يعرفون ومن كانوا لا يعرفون قيمة إشراف عمان مع إيران على مضيق هرمز صاروا جميعا على بيّنة من أهمية هذا الموقع الجيواستراتيجي الفريد كنقطة اختناق استراتيجية ضاغطة أو داعمة لتنفس رئة من رئات الاقتصاد الدولي؛ وبالتالي للأمن والسلم في العالم. 

في أي ترتيب جديد للأمن ونظام الملاحة في هرمز على الجميع أن يتحدث مع عمان كما يتحدث مع إيران. 

صار الجميع أيضا على معرفة أكثر بقيمة عمان كمصدر آمن وموثوق لصادرات الطاقة؛ حيث يقع ميناء الفحل خارج المضيق وكل موانئ عمان، ما يجعلها مع بنيتها التحتية الحديثة في الدقم وصحار إضافة إلى مسقط وصلالة وغيرها مقصدا بديلا لتقديم الخدمات اللوجستية والملاحية وتدفق تأخر طويل للاستثمارات الخارجية في الصناعة والإنتاج السلعي وإنتاج الهيدروجين الأخضر، كما ترفع فرص السياحة ومصادر الدخل غير النفطية لآفاق غير مسبوقة. 

مع تسبب الحرب في كشف هشاشة نماذج تنمية في المنطقة تزداد قيمة عمان خاصة مع درجة الاستقرار السياسي والأمني والاستمرارية المذهلة في سياسة خارجية واضحة وغير متقلبة سلمية بعيدة كل البعد عن الروح الإسبرطية التدخلية في شؤون الآخرين. 

يدعم الاستقرار السياسي والسمعة الدولية في الحياد السلمي الإيجابي وتراكم خبرات الوساطة النزيهة حالة فريدة في المنطقة من التماسك الوطني وقوة النسيج الاجتماعي عبر سياسات المواطنة الكاملة التي كرستها نهضة الـ٥٦ عاما الحديثة؛ فعمّقت هوية وطنية تاريخية جامعة صنعها قدم الدولة العمانية التي رافقت اليمن في قيام الدولة والسلطة السياسية في الجزيرة العربية. 

تمتلك السياسة الخارجية العمانية أفضل ما يمكن أن تحظى به سياسة خارجية وهو الالتفاف الشعبي حولها وحول القيادة السياسية وهو ما يجعل الجبهة الداخلية مستعصية على الاختراق، وهو حال النخبة الثقافية والسياسية العمانية التي أظهرت على تنوعها وتعدد آرائها وحدة تامة في قضايا الأمن الوطني ومواقف السياسة الخارجية العمانية الصلبة والمشرفة والتي تجلت في المواقف من طوفان الأقصى والحرب على إيران. 

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري